مسرح المُقْبِل: في جَماليّة الغياب!

د. أماني الزعيبي


قطيعة "غوردون كريغ" ونفي الممثل البشريّ

انشغلت بعض التصوّرات النقديّة المسرحيّة بالتحولات الجماليّة للعرض المسرحيّ في القرن العشرين، طرح المخرج والمصمّم الإنجليزي إدوارد غوردون كريغ Edward Gordon Craig رؤية راديكاليّة تمثلت في التخلّي عن الممثّل البشري واستبداله بـ"الدمية الفائقة". تنطلق هذه الطرحة من نقد إبستمولوجي حاد لطبيعة الجسد البشري فوق الخشبة؛ إذْ يرى كريغ أنَّ الممثل الكائن يخضع لانفعالات شخصيّة، وتقلبات بيولوجيّة ونفسية تُربك صرامة البناء الفنيّ وتُفسد الانضباط الشعريّ المطلق المطلوب في الفعل المسرحيّ. فالجسد البشريّ عند كريغ يُعدُّ مادة غير مستقرة تُعيق تحقق "الرّمز الصَّافي".
 

وقد صيغت هذه الأطروحة وتوثقت في مقال كريغ الشهير عام 1908 في مجلة "The Mask"، والذي شكّل نقطة تحول مفصليّة في تاريخ المسرح الحديث والنظريّة الإخراجيّة. لا يروم كريغ إلى إبعاد تقني للممثل، وإنّما هو يفتح تساؤلا جوهريًّا حول سلطة الذَّات: فبأي معنى يطرد كريغ الممثل من "جمهورية المسرح"؟ لا يقتصر الطردُ على نفيّ الإنسان، بقدر ما هو نفي لمركزيّة العاطفة الفرديّة العابرة لصالح الدّقة السينوغرافيّة المطلقة التي تتمتّع بهَا الآلة أو الدمية المتحكم بها.

تأسيس "مسرح المستقبل": الغياب مولّدًا إبستيمولوجيًّا للمعنى

تجلّت دوافع «كريغ» الصريحة في سعيٍ تأسيسيّ لإرساء دعائم «مسرح المستقبل» أو المسرح المُقبل؛ وهو نموذجٌ أدائي يتجاوز السكون، ويترسّخُ بالأساس على فلسفة الغياب واتساع الآفاق الأدائية. فقد خرج الفضاء المسرحي من إسار التمركز حول الذات البشرية للممثل، مستعيضًا عن ذلك بإعادة تشكيل المنظومة الحسيّة برمتها؛ إذْ يحضرُ «الغيابُ» لا بوصفه فراغًا هامشيًّا أو عدمًا محضًا، وإنَّما بكونه طاقةً كاشفةً للمعنى ومحركًا رئيسًا لسيمياء الركح.

ومن ثمّة، تتكاتف العناصر غير البشرية من إضاءة، وفضاء، وأشكال هندسية، وظلال لشحن هذا الغياب وتجسيده، تحويلاً له إلى نشاط تأويلي وديناميكي يُربك توقعات المتلقي المعتاد على الاستهلاك العاطفي المباشر. إن هذا التحول يُفعّل محرك المخيلة لدى الجمهور، محولاً فعل المشاهدة من تلقٍ سلبي إلى مشاركة إستاتيكيّة وبناء تأويليّ نشط، لتغدُو الخشبة بفضل هذَا التكامل السينوغرافيّ ملاذًا تتخلّق فيه المعاني من أثر ما غاب لا من سطوة ما حضر.

التيارات الطليعيّة ومواجهة الواقعية: صراع الأجساد والآلات

لاقت فكرة "الدمية الفائقة" والغياب الجمالي دعمًا واسعًا من أنصار التيارات الطليعيّة، ولا سيما رواد "الرمزيّة المحلقة" و"البنائية" و"التعبيرية" الذين رفضوا ثقل الجسد البشري ومحدوديته الفيزيائيّة. نذكر في هذا السياق المصمّم والأكاديميّ الألماني أوسكار شيلمر (في مدرسة "الباوهاوس"، الذي اختزل الجسد البشريّ في أشكال هندسيّة وميكانيكيّة تسعى للاندماج مع الفضاء الهندسي للعرض (كما في "باليه الترياد"). وكذلك المخرج الروسي فيسيفولود مايرهولد الذي طور منهج "الميكانيكا الحيويّة" لتحويل الممثل نفسه إلى أداة شبه آلية فائقة الدّقة.

في المقابل، واجهت هذه الأطروحة رفضًا ونقدًا لاذعًا من اتجاهات عدة، وعلى رأسها المدرسة الواقعيّة والنقد الإنسانيّ؛ إذْ تمركز الرفض في خانة رفض استبدال الكائن البشريّ بالآلة. واعتبر أنصار الواقعيّة أنَّ التعبير المسرحي لا يمكن أن يتحقّق بدونه "الصدق الشعوري" والتعاطف الوجداني الذي لا يُبث إلا عبر التفاعل المباشر بين إنسان وآخر.

غير أنَّ التحديّ الأعمق الذي وَاجَه هذه النظريّة في مطلع القرن العشرين تمثّل بالأساس في عجز التقنيّة آنذاك؛ إذْ غابت التكنولوجيا الرقميّة والذّكاء الاصطناعي، واستحَال ابتكَار آلياتٍ ميكانيكيّة تُضاهي مرونة الجسد البشريّ أو تمتلك القدرة على جذب المتلقي سيميوطيقيًّا وجَمَاليًّا. أمَّا اليوم، وفي ظل هيمنة العوالم الافتراضيّة والواقع الممتّد، فرض هذَا الوَافد التقنيّ سطوته على المشهد الثقافي برمته، مما يعيد طرح السؤال بجديةٍ أعمق: كيف يتحول المسرح القائم على الحضور الفيزيائيّ للذات إلى فضاءٍ تتخلّق فيه أبعاد الغياب؟ وأيُّ مسرحٍ مبتكر بوسعه مجاراة الشحنة الإستاتيكية التي يتركها جسد الممثل أو تجاوزها؟

التفكيك النظريّ لبنية الحضور: من بريخت إلى أرتو

تتبدّى جذور هذا التحول نحو "جمالية الغياب" بصورةٍ أكثر جلاءً وعمقًا عند مقاربتها عبر المدارس التنظيرية التي اشتبكت مبكرًا مع سلطة "الإيهام الحسيّ" وتفكيك مركزيّة المحاكاة في المسرح الحديث. ينبثق الغيابُ هنا بعيدًا عن الصدفة الرقميّة، متجذرًا في مسارٍ نقديٍّ طويل سعى لخلخلة الهيمنة الأرسطية القائمة على التماهي والاشتمال العاطفي.

في هذا السياق، أرسى المخرج والمفكر الألماني برتولت بريشت (Bertolt Brecht)، من خلال نظريته التأسيسية في "المسرح الملحمي"، قطيعة حاسمة مع التماهي الوجداني المباشر، متوسلاً بمفهوم "التغريب". يقضي هذا التأثير بإحداث مسافة نقديّة مزدوجة: مسافة بين الممثل وشخصيّته ليتنصل من تقمصها التام، ومسافة أُخرى بين العرض والمتلقي لتفكيك حالة السحر المسرحيّ. إنَّ هذا "التغريب" في عمقه الفلسفيّ والجمالي هو شكلٌ واعٍ من أشكال "تغييب" الجسد الوهمي المكتمل؛ إذْ يُزاح الجسد الحاضر بوصفه حقيقة مطابقة للواقع، ليُعاد عرضه كعنصرٍ إجرائي داخل منظومة الإنتاج المسرحيّ. عبر تعرية التقنيات الكشوفات الضوئيّة، وتوظيف اللافتات، وكسر الجدار الرابع، يُستدعى عقل المشاهد وقدرته التفكيكيّة بدلًا من استهلاك انفعَالاته؛ فيغدُو حضور الجسد مشروطًا بالغياب النقديّ للماهيّة.

وفي المقابل، ومن زاوية مناقضة في غاياتها ومتقاطعة في آلياتها التفكيكية، يأتي المخرج والشاعر الفرنسي أنتونين أرتو  (Antonin Artaud)في بيانه التأسيسي لـمسرح القسوة. ورغم أن أرتو كان يبحث عن ثورة حسية طقسية تتجاوز البعد العقلاني وتتسامى على الكلمة، إلا أنَّه نادى برفضٍ راديكالي لسلطة اللوجوس (Logos) وإزاحة النص المكتوب، متصديًّا لمركزيّة "الذَّات المتكلمة". سعى أرتو إلى استبدال الهيمنة اللفظية بـ"لغة سينوغرافية شاملة" تعتمد على الإشارة، والصوت الخام، والاهتزازات المكثفة، والأجساد في حالتها الإشراقية القُصوى.

تتقاطع رؤية أرتو في جوهرها مع تنظيرات "غوردون كريغ" ورؤى "هاينر غوبلز" المعاصرة؛ إذْ تُجرّد الممثل من وظيفته التقليدية بصفته مجرد ناقل أو مفسر لفظي للحوار. يتحول الجسد عند أرتو من ذكورة إحاليّة إلى علامة بلاغيّة وطاقة مادية صِرفة تذوب وتتلاشى داخل الفضاء الشامل للعرض. وبذلك، لا يغدو الجسد غاية في ذاته، بل وسيطًا مائعًا يُخلّي المكان لصالح التجربّة الجماليّة الطقسيّة؛ حيث يتوَارَى الذَّاتي والفريد، ليحضر الشَّامل والكونيّ في أُفق جماليّات الغياب.

هينر غوبلز واستطيقا الغياب: أداء الأشياء وتفكيك المركزيّة

في المسرح المعاصر، يبرز المخرج والموسيقار الألماني هاينر غوبلز (Heiner Goebbels) كأحد أهم المجددين الذين ترجموا هذه الفلسفة إلى واقع مسرحي ملموس. في عرضه الشهير "أشياء شتيفتر""، ينجز غوبلز تحولًا سمعيًّا وبصريًا يُزيح الجسد البشريّ تمامًا عن الرّكح ويُوزعه داخل اللعبة السينوغرافيّة. يُصبح الجسد عند غوبلز "موزعًا" ومبثُوثًا في أجسام ماديّة؛ فتَنتقل الحركة والفاعليّة من الإنسان إلى آلات البيانو المعدَّلة، ومُحركات الأجهزة، والمياه، والضوء، والضباب.

وبذلك؛ يغيب الممثل بجسده الفيزيائي، ويحضر صوته أو أثره عبر تسجيلات تتفاعل مع الأصوات الطبيعية والميكانيكية. يعيد هذا الطرح تشكيل المسرح بوصفه فضاءً لالتقاء المادّة والعناصر، اعتمادًا على مفهوم "أداء الأشياء" بدلًا من الانفعالات الحية للممثل.

يُطوّر غوبلز هذه الرؤية في كتابه المرجعي "استطيقا الغياب"، حيث يطرح مفهوم "الأداء بلا مؤدٍ". يُفصل في هذا المفهوم بين الصوت والجسد، وبين الفعل والفاعل البشري؛ إذْ تمنح الجماليّة للأدوات الفنيّة والمكونات البصريّة والسمعيّة دون وساطة بشريّة مباشرة. يَتجَلى ذلك في اعتماده، على سبيل المثال، على تسجيلات صوتية أرشيفية لمفكرين وأنثروبولوجيين غائبين مثل كلود ليفي ستروس (Claude Lévi-Strauss) ودمجها كبُعد حواري داخل الفضاء المسرحي، ممَّا يجعل الغياب شهادة حيَّةً على الأثر الثقافيّ والوجوديّ.

إعادة التفكير في موقع الإنسان داخل الحدث المسرحيّ

يتجاوزُ مسرحُ المُقْبِل حدَّ النفي التقنيّ للممثّل، متساميًا إلى اختبارٍ حقيقيّ لجماليات الغياب؛ حيثُ يفتحُ أمام المتلقي آفاق تجربةٍ وجوديّةٍ أعمق، تتخفّفُ من سلطة الذَّات المتكلّمة لِتُعلي من شأن الحضور الكونيّ الشامل للأشياء، والأصوات، والمسافات.

إنَّ جمالية الغياب تتجلّى في إعادة التفكير في الموقع الهرميّ للإنسان داخل الحدث الفني، بعيدًا عن نفي وجوده أو إقصائه؛ فكلّما تراجع الجسد البشري عن مركز المشهد، اتّسعت المساحة أمام العناصر السينوغرافية والأصوات والفراغات لتكشف عن أبعادٍ جديدة للمعنى والوجود. وعند هذا الأفق الجمالي، يتخطى المسرح أطره التقليدية المقتصرة على "فن الحضور المباشر"، ليتكرّس بصفته فنًّا يستنطقُ ما يغيب، ويُفسح المجال أمام مخيلة المتلقي لترميم المشهد واستكمال ما تعجزُ العينُ المجرّدة عن إدراكه.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها