يُعدُّ فيلم (معركة تلو الأخرى) (One Battle After Another) للمخرج بول توماس أندرسون واحداً من أكثر الأعمال السينمائية المنتظرة في هذا العِقد، فقد شكل منذ لحظة الإعلان عنه تعاوناً استثنائياً بين المخرج الأمريكي الشهير، والممثل ليوناردو ديكابريو بعد سنوات من الغياب عن المشاريع المشتركة، فالفيلم الذي صدر في أغسطس 2025 بتوزيع من (وارنر بروس) Warner Bros لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يمنح المشاهد فرصة للغوص في أعماق الشخصيات، حيث تتصارع الرغبات الفردية مع الواجبات والمسؤوليات، وتتداخل المشاعر المعقدة مثل الحب، الخيانة، الحنين، والخوف، لتشكل نسيجاً غنياً من التجربة الإنسانية.
والفيلم يتميّز بقدرته على إعادة السينما إلى جوهرها الإنساني الأصيل، حيث يتعامل بول توماس أندرسون مع الكاميرا كعين متأملة تنقل المشاعر بصدق، فهو يجعل من كل لقطة رحلة بصرية، تعكس عمق الذات البشرية في مواجهتها للعزلة، الذاكرة، والحنين، كما يظهر الفيلم التزام المخرج بالمدرسة الواقعية التي تمزج بين الصورة البطيئة والنَّفَس الشعري للمكان، ما يمنحه حضوراً فنياً ناضجاً يذكر بأعماله السابقة، مثل (السيد) (The Master)، و(خيط وهمي) (Phantom Thread)، لكنه هنا أكثر صفاءً وجرأةً من حيث الطرح البصري والمضمون الفلسفي.
ويأتي هذا الأسلوب الفني العميق ليخدم قصة الفيلم، التي تدور حول (بات فيرغسون)، الذي يؤديه ليوناردو ديكابريو، فهو رجل يعيش في شمال كاليفورنيا محاصراً بين ماضيه الذي يرفض أن يغيب، وحاضره المليء بالخيبات؛ فبعد اختفاء زوجته (بيرفيديا)، التي تجسدها روزميدا جونز ببراعة مدهشة، تجمع بين الغموض والتمرد، يجد نفسه مضطراً إلى تربية ابنتهما (تشارلين) بمفرده، محاولا أن يمنحها حياة طبيعية رغم تصدع كل ما حوله، لكن الماضي لا يتركه وشأنه، إذْ يظهر في حياته (لوكجاو) الذي يجسده توم هاردي في أداء متزن يفيض بالقوة الصامتة، لتبدأ مواجهة غير متكافئة بين الذنب والقدر، بين الرغبة في الخلاص والخوف من المواجهة.
فالفيلم إذن لا يبحث عن الإثارة بقدر ما يتأمل طبيعة الإنسان حين يجد نفسه عالقاً بين ما فعله وما كان عليه أن يفعله، فأداء ديكابريو يقدم هنا على أنه دراسة في الصبر والانكسار، بينما تمنح جونز الشخصية الأنثوية طاقة عاطفية غير متوقعة، تجعل حضورها في الذاكرة أقوى من غيابها عن المشاهد.
والفيلم بحسب (مسرح الأفلام) (The Film Stage)، وهي منصة نقدية متخصصة في السينما، يعيد سرد قصة رواية (فينلاند) (Vineland) للكاتب توماس بينشون بطريقة معاصرة، حيث يقدم الأحداث والشخصيات في سياق اجتماعي وإنساني حديث؛ فديكابريو يقدم هنا أحد أكثر أدواره نضجاً، إذْ يوازن بين الانكسار والصلابة، فيما تترك روزميدا جونز انطباعاً قوياً في مشاهدها القليلة ذات الأثر الكبير، ويجسد توم هاردي الجانب الغامض والمهدِّد في حياة البطل ببرود مدروس وحضورٍ طاغ، كما أن الفيلم لا يكتفي بعرض حكاية شخصية، بل يفتح أفقاً واسعاً للتأمل في معنى الانتماء والخسارة، حيث تتحول المعركة بين الماضي والحاضر إلى استعارة للبحث عن الذات وسط ضجيج العالم وتحولاته.

من الناحية التقنية، يعتبر الفيلم عملاً بصرياً رائعاً ومتقناً، فقد صور باستخدام كاميرات Panavision 65mm على شريط فيلم حقيقي، بدلاً من الاقتصار على التصوير الرقمي، في خطوة تعيد السينما إلى جمالياتها التقليدية، وهو ما أكدت عليه مراجعة (اندي وار) (Indie Wire)- وهي منصة نقدية متخصصة في السينما- والتي أشارت إلى أن هذه الطريقة تمنح كل مشهد ألواناً غنيةً، وتفاصيلَ دقيقة تجعل الصور تنبض بالحياة. بالإضافة إلى ذلك، يعتمد بول توماس أندرسون على الإضاءة الطبيعية واللقطات الطويلة، ما يخلق إيقاعاً هادئاً وتأملياً، ويسمح للمشاهد بالانغماس الكامل في المشاعر الداخلية للشخصيات، ومتابعة صراعاتهم وتعابيرهم الدقيقة، لتصبح كل لقطة تجربة بصرية ونفسية متكاملة تتجاوز مجرد سرد الأحداث.
ويكمل هذا الجانب الفني الموسيقى التصويرية التي جاء توقيعها من طرف جوني غرينوود، عضو فرقة (راديو هيد) (Radiohead) والمتعاون الدائم مع أندرسون، إذْ تمزج موسيقاه بين الوتريات الغامضة والنغمات الإلكترونية البسيطة، لتصنع توتراً داخلياً متصاعداً دون ضجيج. أما المونتاج، فكان بإشراف ديل فيلجر، الذي حافظ على إيقاع متوازن بين المشاهد الحميمة واللقطات الواسعة، مانحاً السرد انسجاماً بصرياً ودرامياً نادراً.
ولا يكتمل الجانب الفني للفيلم دون اختيار مواقع التصوير بعناية، فقد تم أخذ المشاهد في شمال كاليفورنيا، حيث الطبيعة نفسها تصبح امتداداً لحالة الشخصيات النفسية، فالبحر والضباب والجبال لا تستخدم كخلفية فقط، بل كعناصر سردية تعكس الغموض والانكسار والبحث عن الذات، ما يعزز الانغماس الكامل للمشاهد في العالم النفسي والدرامي للفيلم، ويجعل البيئة جزءاً لا يتجزأ من التجربة الفنية والشعورية.
وقد أسهم هذا الاهتمام بالجانب الفني في نجاح الفيلم جماهيرياً ونقدياً؛ فقد حقق إيرادات تجاوزت 145 مليون دولار خلال أسابيعه الأولى وفقاً لتقديرات (بوكس أوفيس موجو) Box Office Mojo، وهي قاعدة بيانات متخصصة في إحصاءات الإيرادات السينمائية، كما تلقى الفيلم إشادات نقدية واسعة في مهرجانات أوروبا وأمريكا الشمالية، ووصِف في مجلة (فرايتي) Variety، وهي مجلة نقدية وإعلامية متخصصة في السينما والترفيه، بأنه "فيلم عن الإنسان في مواجهة ذاكرته أكثر من كونه صراعاً خارجياً"، بينما أشارت منصة (أندي واير) IndieWire، وهي منصة نقدية متخصصة في السينما، إلى أنه "من أكثر أفلام بول توماس أندرسون شاعرية منذ فيلمه (ستسيل الدماء) (There Will Be Blood)". كما تناولت مقالات أخرى، كتلك المنشورة في (عالم الواقع) World of Reel أو (ديدلاين هوليوود) Deadline Hollywood، العلاقة الإبداعية بين أندرسون وديكابريو، معتبرة أن هذا الفيلم يمثل "مرحلة نضج جديدة" في مسيرة كل منهما، حيث تلتقي خبرة المخرج مع روعة أداء البطل.
في الختام، يمكن القول إن فيلم (معركة تلو الأخرى) ليس مجرد دراما تقليدية عن أسرة تمزقها الخيبات، بل هو تأمل فلسفي في معنى الذاكرة، الفقد، والهوية؛ فمن خلال رؤية بول توماس أندرسون الإخراجية العميقة، وأداء ليوناردو ديكابريو المتزن والمليء بالتناقضات، يقدم الفيلم تجربة سينمائية تتجاوز الحكاية لتصبح بحثاً في النفس البشرية ذاتها، ولعل ما يجعله استثنائياً هو أنه لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يترك المشاهد في مساحة من التأمل الحر، حيث تتقاطع الأسئلة حول الماضي والحاضر، ليجد نفسه أمام رحلة فكرية وعاطفية تسمح له بفهم عمق التجربة البشرية، وإعادة النظر في معاني الهوية والعلاقات الإنسانية.