الإيتوس الرّقمي

صورة الذات في عالم الرقميات

كريم الطيبي

سمحت الأكوان الافتراضية وما أتاحه الفضاء السيبراني من بيئة رقمية ووسائل وبرمجيات، بتشكيل هُويّة ذاتية رقميّة، وأصبح لكل فردٍ وجود رقميّ أو صورة رقمية يستعرضها ويصوغها ويقدّمها للآخرين، ونظرًا لكون الفرد لا يؤسس كيانه في هذا الوجود إلا لتحقيق غايات ومقاصد معينة تختلف من كلّ شخص؛ فإن الحديث عن "إيتوس رقمي" في ظل هذا التحوّل الوجودي أمر مهم ووارد، ومن شأنه أن يحيِّنَ المقولات المعرفية التراثية التي صاغها المفكّرون بما يتواءم مع وسائطهم وخصوصياتها، وتشكّل مقولة "الإيتوس" أو صورة الذّات إحدى هذه المقولات المعرفية البلاغية البارزة التي صاغها المعلم الأول أرسطو في كتابه "الخطابة". وعدّها مكوّنًا بارزًا من مكوّنات الإقناع والتأثير. والمتفاعل الذي ينخرط في الحياة الافتراضيّة يُقدّم صورة لذاته بشكلٍ من الأشكال للمُتصفِّحين، ولا يخلو هذا التّقديم من وظائف حجاجية وأبعاد تأثيرية؛ إذ تروم "الذّات الافتراضية" صياغة صورة ناصعة جديرة بإثارة الإعجاب والاستحسان.

وتشير الأبحاث البلاغية إلى كون الإيتوس صورة الذّات المنبثقة من الخطاب، ومن ثمّ، فالإيتوس أو صورة الذّات بمثابة مُعطى لغويّ وخطابيّ يغرسه المتكلّم في كلامه بهدف بعث الثقة في المخاطب والإيحاء بمصداقيته وأخلاقه وأهليته وكفاءاته، وبناءً عليه يقدّم صورة إيجابية على ذاته. ويُفهم من هذا، إذًا، أنّ صورة الذّات تضطلع بوظيفة حجاجيّة، وتعدّ نقطةَ ارتكاز العملية التأثيريّة؛ ذلك أن المتكلّم يشكل ذاته تشكيلا يروم استمالة مشاعر الآخرين وعواطفهم. إن هذه الاستراتيجية التعبيرية قائمة على شحذِ ثقة المتلقّين واستدراجهم لتكوين تمثّل إيجابيّ ومحمودٍ حول من يتوجّه إليهم بالخطاب، ذلك أن المتلقّي يتقبّلُ الآخر وأفكارَه وآراءَه وخطابَه بصفة عامّة متى كان هذا المتكلّم جديرًا بالثقة، وباعثاً على القَبول، فالمراهنة قبل تفعيلِ حجاجية الخطاب ورصانته وأصالته، يجب أن تكون حول كَسْر الحاجز الذي يحول بين المتلقّي والمتكلم، من خلال بعث الاطمئنان والارتياح في نفسه، ولا يتأتّى هذا إلا إذا تزيّى المتكلم بمزايا حسنة وتقمّص أخلاقًا محمودة، وقدّم نفسَه في صورة أخلاقيّة فاضلة وخيّرة؛ فـ"الإنسان الخيّر هو وحده قدرة كلامية" كما يقول سام بروس، ومن ثمّ تتّفق الدّراسات البلاغية حول أهمّية الصورة الفاضلة التي يقدّمها المتكلم في عملية الحجاج، بناءً على تصوّر يعتبر أنّ "الإيتوس يشكّل جزءاً من وسائل الإقناع التقنيّة التي تجعل الخطاب أكثر تأثيراً".

وإذا كانت الدراسات البلاغيّة تذهب إلى أنّ "الإيتوس صورة خطابية" تنبثق من الخطاب نفسه (الإيتوس الخطابي)؛ فإنّ ثمّة تصوّرات معرفية ترى عكس ذلك؛ إذ تؤكّد أن صورة الذات تتشكّل من معطيات قبلية كسمعة الشخص وعائلته ومهنته ومكانته الاجتماعية... وهكذا، فإنّ فعاليةَ صورة الذّات، لا ترتبط فقط بما يبوح به المتكلم في أقواله وخطاباته، بل إنها قائمةٌ، إلى جانب ما سبق، على السّمعة الرائجة عنه، والتّمثّلات الرّاسخة لدى المتلقّين؛ فصورة المتكلم الواقعيّة والاجتماعيّة تُسهم بنصيبٍ مهمّ في دعم المتكلم وتعزّز سلطة خطابه.

والجدير بالإشارة أن مفهوم الإيتوس ارتحل من البلاغة إلى مجالات مختلفة، كعلم الاجتماع؛ فقد استثمره الباحث إرفنغ غوفمان Erving Goffman وقام بتبيئته بما يتوافق مع دراساته الاجتماعية، منطلقاً من تصوّر أساس مفاده أن الحياة اليومية ضرب من الإخراج المسرحي يضطلع فيه الأفراد بتقديم ذواتهم على ركحها في صورة جديرة بأن تستميل الآخرين وتجعلهم يتفاعلون مع صورهم قبولا وإيجاباً واستحساناً وإعجاباً.

غير أنّ التصورات السابقة ركّزت على الذات الخطابية (النّصية) والذات التّاريخية (الواقعيّة)، بيد أنَّ تحوّلات العالم المعاصرة أفرزت ذاتًا مستجدّة واكبت الانفجار التكنولوجي والازدهار التقني الذي شمل أدوات الاتصال، إنها "الذات الافتراضية" التي نبتت في أحضان الفضاء السيبرنيتي، وترعرعت فيما تتيحه وسائط الملتميديا من برامج وتطبيقات وأيقونات. وهو ما يجعلنا نطرح مفهوم "الإيتوس الرّقمي"، معتبرين أنّ الوجود الافتراضي يُسهم بشكل كبير في بلوة الهُويّة الرّقمية الافتراضية التي تتشكل وَفق ما يتيحه الفضاء الرقمي من آليات وتقنيات تعبيرية. وتُعدُّ مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر وغيرهما من أبرز الفضاءات الافتراضية التي احتضنت الذات الإنسانية الرّقمية وأتاحت لها فرصة التعبير عن هُويتها، حيث ترسم الذّاتُ الافتراضية صورة ناصعة ومثالية وإيجابية على صفحاتها، صورة قائمة على المثُل الفُضلى والقيم الرّاقية والصّفات الإنسانية النّبيلة، فتنسلخ من حقيقتها الوجودية لتتقمّص هذه الكينونية الرّقميّة، وتتماهى مع قيم لامجتمع الشّبكي، تحقيقًا للرغبة في إبراز الذّات، والإحساس بالرضى والتّقدير، وحصد الإعجاب والاستحسان. وعبر هذا الإجراء تنبثق في ثنايا الفضاء الرّقمي سمات الذات الافتراضية من خلال مختلف عمليات التّفاعل كالتغريد أو التدوين أو المشاركة أو تغيير خصائص البروفايل... وهو ما ينجب تجلّيات متعدّدة تبرز هُوية المتفاعلين كالذّات المثقّفة القارئة والذّات المناضلة والذّات الناقدة، والذّات السّاخرة والذات الإنسانية التي تؤمن بالقيم الكونية. وهذا الإجراء ينصبّ في تشكيل "الإيتوس الرّقمي" بوصفه صورة مصطنعة تنصبّ في التّماهي مع القيم الجماعية المثالية، والتي لا تعكس بالضّرورة حقيقة الإنسان في حياته الواقعيّة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها