حين تتكلم الأرقام

971 من رمز اتصال إلى ذاكرة وطن

د. علي عبد القادر الحمادي

تُولد الأرقام التقنية عادة بلا ذاكرة، وتُنشأ بوصفها أدوات صامتة لتنظيم العالم وضبط إيقاعه. فهي في أصلها علامات وظيفية محايدة، لا تحمل معنى ولا تستدعي وجدانًا، ولا تُصمَّم لتكون جزءًا من السرد الثقافي للأمم. غير أن المفارقة تبدأ حين تغادر هذه الأرقام مجالها التقني الضيق، وتدخل في التداول اليومي للمجتمع، فتتعرض من حيث لا يُقصد لعمليات تأويل وإعادة معنى، تجعلها قادرة على التحول إلى رموز ثقافية مكتملة الدلالة. ويقدّم الرمز الدولي 971 الخاص بدولة الإمارات العربية المتحدة أنموذجًا لهذا التحول.

 

انطباع شخصي ونقاش اجتماعي:

تُظهر التفاعلات الشعبية مع هذه المصادفة كيف يتكوّن المعنى في المجال العام. ففي منشور متداول على منصة تواصل مهني، يصرّح كاتبه على نحو أقرب إلى الاعتراف الطريف بأنه عاش في الإمارات قرابة خمسة عشر عامًا قبل أن "تسقط الفكرة في ذهنه" فجأة: سنة الاتحاد 1971 تقابل الرمز الدولي 971+. ويأتي ردٌّ لافت من متابع يقول إنه لم يلتفت إلى ذلك إلا عبر المنشور نفسه، مع أنه يقضي عامه السادس عشر في الدولة، وكأن الرقم كان حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية طويلًا دون أن يطلب من الوعي أن يقرأه. وتتوزع بقية الردود بين دعابة تُخفّف وقع التأخر في الملاحظة (كمن يعلّق بكلمة ساخرة أو يحيّي صاحب المنشور على التقاطه)، وبين اعترافات جماعية من نمط (لم تكن لدي فكرة أيضًا)، و(مرّت عليّ دون أن أنتبه)، وبين تعليقات تشبه الشكر على التنوير، بما يوحي بأن الرقم يتحول في لحظة واحدة من مجرد رقم تعريفي يُستخدم بلا تفكير إلى علامة تستدعي قصة وطن. كما تظهر في النقاش أسئلة تكشف آلية تشكّل الرمزية نفسها: هل هو محض توافق أم أن هناك تدخّلًا مقصودًا؟ وهو سؤال حتى حين يكون بريئًا، فإنه يدل على أن الوعي، بمجرد أن يلمح علاقة بين رقم وذاكرة، يبدأ في طلب العلّة والغاية؛ أي يبدأ في تحويل المصادفة إلى معنى قابل للتداول. وتجيء بعض الردود أكثر دلالة حين تنقل هذه العدسة إلى رموز أخرى (وماذا عن رمز بلدي)؟ في إشارة إلى أن العدوى الرمزية تنتقل سريعًا: ما إن تُكتشف الدلالة في رقم حتى يصير الذهن ميّالًا للبحث عن دلالات مماثلة، فتُبنى ذاكرة الأرقام بوصفها ممارسة جمعية، لا ملاحظة فردية عابرة.

هل تختار الدول رموزها الدولية؟

ولفهم هذه الظاهرة، لا بُدّ من إشارة موجزة إلى السياق التقني. فالرموز الدولية للهواتف تُخصَّص ضمن نظام عالمي تشرف عليه مؤسسات الاتصالات الدولية، ويقوم على تقسيم العالم إلى مناطق رقمية كبرى، يُمنح كل منها رقمًا رئيسًا، ثم تُوزَّع الأرقام اللاحقة على الدول بحسب موقعها الجغرافي وتاريخ انضمامها إلى الشبكة الدولية وسعة الترقيم المتاحة. ففي هذا الإطار، حصلت الولايات المتحدة مثلًا على الرقم (1) لا بسبب قوتها السياسية أو رمزيتها الدولية؛ وإنما لأسبقيتها التاريخية في بناء شبكة هاتفية قارية، وكثافة الاستخدام المبكر للاتصالات، ما جعل منحها رقمًا قصيرًا خيارًا تقنيًا عمليًا. وهذا النظام، في مجمله، لا يعترف بالرمزية ولا يلتفت إلى الأحداث التاريخية أو التواريخ الوطنية، ولا يسمح للدول باختيار أرقام تعبّر عن هويتها أو ذاكرتها. ومع ذلك، فإن ما تقصده الأنظمة لا يحدّ بالضرورة مما تصنعه المجتمعات.

فالرقم، متى ما استقر في الاستعمال اليومي، يبدأ بالتسلل إلى الوعي الجمعي بوصفه حضورًا مألوفًا لا مجرد أداة. يتكرر في المكالمات، والعناوين، والوثائق، والهواتف الذكية، فيتحول تدريجيًا من رمز تعريفي تقني إلى علامة معيشة. وفي هذه اللحظة بالذات، يصبح الرقم قابلًا لأن يُحمَّل بمعنى يتجاوز وظيفته الأصلية، خصوصًا إذا صادف أن تقاطع مع سردية كبرى في تاريخ المجتمع.

خصوصية إماراتية:

هنا تبرز خصوصية 971. فالتطابق العددي بين الرمز الدولي وسنة قيام الدولة (1971) لم يكن مقصودًا عند التخصيص، لكنه فتح في الوعي الجمعي نافذة تأويل واسعة. الذاكرة الوطنية، بطبيعتها، تميل إلى الاختزال الذكي؛ تبحث عن إشارات صغيرة قادرة على استدعاء معنى كبير. ووجدت في 971 رقمًا مكثفًا، يحمل في ثلاث خانات رقمية سردية كاملة عن لحظة التأسيس، وعن الاتحاد، وعن البداية التي ما تزال حاضرة في الوجدان العام.

وعليه فلم يعد 971 مجرد رقم يُسبق به الاتصال، لأنه بدأ يُستحضر في الخطاب الإعلامي، ويُوظَّف في العلامات التجارية، ويظهر في المبادرات والمنتجات والاحتفالات، حتى غدا جزءًا من اللغة الرمزية غير المعلنة للدولة، لأنه يؤدي وظيفة ثقافية موازية لوظيفته التقنية.

وتكشف هذه الحالة عن طبيعة الذاكرة الوطنية بوصفها بناءً حيًّا، لا يقتصر على الوثائق والنصوص الرسمية، بل يتغذى كذلك على الرموز اليومية البسيطة: تاريخ، أو لون، أو رقم. في المجتمعات الحديثة، حيث تتقاطع الهوية مع التقنية، تصبح الأرقام جزءًا من المشهد الرمزي، لا لأنها صُمِّمت لذلك، بل لأن المجتمع أعاد توظيفها داخل تجربته الخاصة.

إن الفارق بين ما تقصده الأنظمة وما تصنعه المجتمعات هو ما يمنح هذه الظاهرة عمقها الثقافي. فالرقم في ذاته صامت، لكن الوعي الجمعي قادر على منحه صوتًا. وما حدث مع 971 ليس استثناءً تقنيًا، بل مثال على قدرة الثقافة على ترويض الأدوات الحديثة، وتحويلها من عناصر تنظيمية باردة إلى حوامل للمعنى والانتماء.

الذاكرة الثقافية:

أدبياً، يمكن فهم تحوّل الرمز الدولي 971 من أداة اتصال محايدة إلى علامة دلالية في الوعي الإماراتي في ضوء ما يطرحه يان أسمان حول الذاكرة الثقافية بوصفها بناءً رمزيًا لا يقوم على الوقائع التاريخية وحدها، بل على العلامات المختزِلة القادرة على حمل المعنى عبر الزمن. فالذاكرة الثقافية، بحسب أسمان، لا تحفظ الماضي كما حدث، بل كما يُعاد تمثيله من خلال وسائط رمزية قابلة للتكرار والاستدعاء في الحياة اليومية، مثل الأرقام، والأسماء، والتواريخ، والطقوس  (Assmann, 2003).

ومن هذا المنظور، لا تكتسب المصادفة العددية بين 971 وسنة قيام الدولة (1971) دلالتها من قصد تقني سابق، بل من تبنّي الوعي الجمعي لها بوصفها وسيطًا للذاكرة، اختزل لحظة التأسيس في علامة رقمية قصيرة وسهلة التداول. وهكذا، ينتقل الرقم من نطاق ما يسميه أسمان «الذاكرة التواصلية»، حيث يُتداول بوصفه ملاحظة عابرة إلى نطاق «الذاكرة الثقافية»، حين يستقر في الخطاب العام، ويُعاد إنتاجه رمزيًا في الإعلام والممارسات اليومية، فيغدو حاملًا لمعنى وطني يتجاوز وظيفته الأصلية.

يمكن مقارنة هذا التصور بما يطرحه عبد السلام المسدي، الذي يرى أن الهُوية لا تُختزن في الخطابات المطوّلة بقدر ما تستقر في العلامات المختزِلة القابلة للتداول اليومي؛ إذْ تتحول بعض الرموز بفعل التكرار الاجتماعي إلى مستودعات للذاكرة والمعنى، حتى وإن لم تُنشأ ابتداءً لهذا الغرض (المسدي، 1999). فالذاكرة الوطنية تُبنى عبر الاقتصاد الرمزي لا عبر التراكم الوصفي.
 


مراجع:
◅ المسدي، عبد السلام. (1999). الهوية العربية والأمن العربي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
◅ أسمان، يان. (2003). الذاكرة الحضارية: الكتابة والذِكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى. (ترجمة عبدالحليم عبدالغني رجب). القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.
◅ منشور متداول على منصة تواصل مهني، نُشر في عام 2023، وتضمّن نقاشًا عامًا حول توافق الرمز الدولي لدولة الإمارات (+971) مع سنة قيام الاتحاد (1971).

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها