لشهر رمضان المعظم.. وعلى امتداد العالم العربي والإسلامي، خصوصية ثقافية ومجتمعية واضحة؛ فهو موسم استدعاء الموروث في العادات والتقاليد وطقوس المائدة، بل وحتى على مستوى تجديد الأزياء والأثاث في محيط الأسرة. تختلف طقوس المائدة الرمضانية باختلاف البلدان والبيئات، لكنها تتشارك جميعاً الاحتفاء بقدوم شهر رمضان وبالمائدة التي تجمع أفراد الأسرة، وأحياناً تتجاوز نطاق الأسرة إلى الأهل والجيران.
تحضيرات باكرة:
يبدأ الإعداد والتحضير لشهر رمضان في السودان منذ وقت مبكر، ربما قبل ثلاثة أشهر من مقدمه المبارك. فيتم تحضير البهارات وسحنها وحفظها، وتخزين اللحوم المجففة والخضروات، إلى جانب تجديد الأثاث والأزياء التي تتسم بالطابع التقليدي التراثي. وتنشط النساء في التسوق وإعداد مستلزمات رمضان، والتي تُعرف في العامية السودانية بـ(المقاضي).
الحلو مر.. سيد المائدة:
يُعد مشروب الحلو مر سيد المائدة الرمضانية في السودان، ويتم تحضير وتجفيف رقائق (الأبري) قبل شهر أو أكثر من حلول شهر رمضان المبارك. والعنصر الأساسي في هذا المشروب هو دقيق الذرة المخمّر، بعد إعادة إنبات الذرة مرة أخرى (Malting)، وهي تجربة تساعد في إزالة بعض العناصر من الذرة تمهيداً لتخميرها، وبذلك يصبح الحلو مر أحد عبقريات تقنيات صناعة الأغذية في السودان، ويصنّفه العلماء ضمن الأغذية المخمّرة Fermented Food.
يُنقع الحلو مر في الماء البارد، فيتخذ لوناً أحمر مائلاً إلى البني، وهو لون جميل يزوّد الصائم بفيتامين B Complex ويُضاف إليه العرديب والأعشاب والحبهان والكمون والقرفة، وتمثل هذه العناصر مجتمعة توليفة غنية بمضادات الأكسدة.
الحلو مر مبرد طبيعي، ويساعد في تحسين الهضم، ويُعد درعاً مناعياً متكاملاً لاحتوائه على مجموعة متنوعة من البهارات. ويوجد نوعان من الأبري: (الأبري الأبيض) و(الأبري الأحمر) المعروف بالحلو مر. أما الأبري الأبيض فيُطبخ على طريقة الخبز، وتكون تركيبة البهارات فيه أقل، وهو مشروب منعش لا يحتاج إلا إلى إضافة ماء مثلج وسكر. وتناسب هذه المشروبات الرمضانية المعدّة بهذه الطريقة أجواء السودان الحارة نسبياً.

أطباق طقسية:
تتصدر أطباق المائدة السودانية (العصيدة)، وهي كسرة من الذرة تُعدّ في شكل مكور، وتؤكل بإدام من اللحم القديد والبصل المحمّر والتوابل. ويوجد إدام آخر من اللحم القديد مع الروب أو الزبادي بذات التركيبة. وتُعد مائدة وسط السودان ملخصاً لأطباق تكوّنت من عدة مصادر؛ بعضها من غرب السودان، وبعضها من شماله ووسطه. فالبليلة العدسية، أو بليلة اللوبياء، طبق من شمال السودان، وعصيدة (الدخن) من غربه، أما الحلو مر فهو مشروب يمثل كل أجزاء السودان تقريباً، بل يُرسل إلى المغتربين خارج الوطن ليذكّرهم بطعم الوطن ونكهته.
موائد جماعية:
نادراً ما يتم تناول إفطار شهر رمضان داخل أسوار المنزل؛ إذْ تُصف الأطباق على مستوى الحي بطريقة تشاركية جماعية لأهل الحي، ويكون الأطفال جزءاً أصيلاً منها، يشاركون الكبار هذه اللحظات التي تمتزج فيها الشعائر الدينية بالطقوس والعادات والمعتقدات الموروثة. ويُستهل الإفطار الجماعي في السودان بـ(تحليل الصيام)؛ أي تناول التمر وبعض الفواكه المجففة مثل الزبيب والتين، ثم العصير والماء، بعدها أداء صلاة المغرب جماعة. وبعد الصلاة يجتمع أهل الحي على مائدة الإفطار التي يتخللها الأنس والسمر مع تناول الشاي والقهوة، ثم ينفض السامر لصلاة العشاء والتراويح.
وجبة السحور:
يتم التركيز في وجبة السحور على العصائر والوجبات الخفيفة، مثل الأرز باللبن أو النشّاة المكوّنة من دقيق الذرة والقمردين. كما توجد رقائق القمح مع اللبن، والتي تُعرف بـ(الرقاق)، وهي وجبة خفيفة لكنها مليئة بالطاقة، تعين الصائم على صيام اليوم التالي دون أن يعاني من العطش.
طقوس استثنائية:
توجد طقوس رمضانية استثنائية في شرق السودان، إذْ تقتصر مائدة الإفطار على بعض المشروبات والتمر والقهوة، بينما تكون الوجبة الرئيسية هي وجبة العشاء من (السلات)، وهو لحم خروف طازج يُشوى على الحجارة والفحم مع العجوة. ويتم إعداد السلات بشكل جماعي بواسطة الرجال أنفسهم في ساحة تبعد عن مساكن الحي. تتقاسم المجموعة تناول السلات محافظين على درجة حرارة اللحم الطازج الشهي. يُعد السلات من الوجبات الأساسية لدى قبائل (البجا) في شرق السودان، ويمتاز بكونه لحماً خالياً من الدهون والكوليسترول؛ لأنه يُشوى على الحجارة على طريقة (الباربكيو) الإفريقية. ويُعد تناول القهوة عند البجا من الطقوس المهمة جداً، ويستمر حتى موعد السحور.
موائد على الهواء الطلق:
في قرى السودان البعيدة، يفضل أهل الريف تناول الإفطار في مساحات مفتوحة في الهواء الطلق، وأداء صلاة المغرب جماعة. وتكون في القرية أكثر من ساحة يجتمع فيها الأهل والجيران لتناول وجبة الإفطار في شهر رمضان المعظم. ويتعهد شباب الحي بتنظيف هذه الساحات وإعدادها بمفروشات من السجاد أو الأبُسطة، فتكون جلسة الإفطار أشبه بالجلسة العربية التي تجمع بين السمر ومناقشة القضايا الاجتماعية وحلول بعض المشكلات، على طريقة الديوانية في الخليج العربي.
طقس الرحمتات:
وهو طقس رمضاني خاص بالأطفال، عبارة عن هدايا من التمر المنقوع تُقدَّم في قلل صغيرة للأطفال في نهاية أيام الشهر الفضيل، وتُسمى (الرحمتات). وهي كلمة مركبة من كلمتي (الرحمة) و(تأتي). ويُقصد من تقديم هذه الهدايا لأحباب الله الأطفال نية البركة والرحمة والثواب. ويسعد الأطفال بها، ويطوفون على منازل الحي لتلقي هذه الهدايا.
أعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية بالخير والبركة، وتقبّل الله الصيام والقيام.