قراءة في "قاموس علم الجمال"

إضاءة على تاريخه وأهميته

أحمد عزيز الحسين


يشكل فوزُ كتاب "قاموس علم الجمال" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - قطر-2022) بجائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالميّة للتّرجمة في دورتها الحادية عشرة حدثاً ثقافياً مهماً، بسبب افتقار المكتبة العربية إلى قاموس كهذا، وحاجة الباحثين الشباب إلى جهاز مفاهيمي في علم الجمال يثري أبحاثهم النقدية في حقل نظرية الأدب والفنّ، وقد نقله إلى العربية مترجمان معروفان، أوّلهما بسام بركة أستاذ اللسانيات الفرنسية والعربية في الجامعة اللبنانية، والثاني هو علي نجيب إبراهيم الذي يحمل درجة دكتوراه دولة في جماليات الرواية من السوربون، ويعمل محاضراً في الترجمة وجماليات الأدب العربي في الجامعات الفرنسية.

 

إضاءة على القاموس

وقد صدرت هذه الطّبعة الجديدة باللُّغة الفرنسيّة عن المنشورات الجامعية الفرنسية PUF، وهي مطابقة تمامًا للطبعة الأولى الصادرة منه في باريس عام 1990، وقد تولّت آن سوريو ( Anne Souriau)، الإشراف على القاموس بعد رحيل والدها إتيان سوريو في عام 1966، وتواصلت مع "المطبوعات الجامعية في فرنسا" (PUF) لإصداره ضمن سلسلة المعاجم لديها، وانضمّ إلى فريق العمل مُساهمون جُدُد من كبار الباحثين الفرنسيّين؛ بحيث أمسى القاموسُ عملا جَماعيّاً، وحرصَتْ (آنْ)، في تقديمها له، على الإشارة إلى أنّ مستقبل أيّ قاموسٍ يتمثَّل في الخدمات التي يُمكنه أنْ يقدّمها إلى الشباب والتلامذة في المستقبل، وفي الآليّة التي تجعله سهل المُتناوَل، كما نبّهتْ إلى أنّ تطوّر اللغة يمكن أن يُفضِي إلى سوء فهم بعض المصطلحات، ويُشكِّل حائلا دون فهم بعض النُّصوص القديمة، وذكرت أنّ القاموس لا يُمكن أنْ يتنبّأ بتطوّر اللغة في المستقبل، وهو مُجبَرٌ على التّوقُّف عند لحظة محدَّدة بعينها كي يرصد حالة اللغة التي صُنِع فيها، ورأتْ أنّه من الضروري إعادةُ طباعة هذا القاموس بغية تجنُّب المناقشات حول التفسير الخاطئ لبعض المصطلحات، ولاسيما عندما يشرعُ المُؤلفون اللاحقون في قراءة أعمال مُؤلِّفي عصرنا الراهن.

حول أهميّة القاموس

يُقدِّم هذا القاموسُ، في الواقع، مَقطعًا مُتحرّكًا لما كان عليه علمُ الجمال في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية؛ ويُمثّل، في شكله الموجَز الحاليّ، ما يُقارب قرنًا من علم الجمال فيها، ولهذا يجب إعادة طباعته كما هو من دون أي إضافة، على غِرار قاموس الفلسفة التّقنيّ والنّقديّ الذي ألّفه أندريه لالاند ( André Lalande) ليكون مَعْلمًا من معالم علم الجمال، وهو في طَوْر التكوين المؤسَّساتي والفكري؛ ذلك أنّ إضافة مُلحقاتٍ مُعاصرة إليه، وصياغتها وفق ذوق العصر، يعنيان تشويشَ هذا الخطّ التاريخيّ الطويل الذي قطعه علم الجمال في فرنسا، وهو خطٌّ بالغُ التعقيد في الأصل. لذا، يجب أن يُقدَّم هذا التاريخُ إلى القارئ بصفته وثيقةً، والمُحافظة على وَجْهه الحَيَويّ بوصفه عِلمًا في طَوْر التحوّل؛ ولذا يُعَدُّ هذا القاموس أثراً أنموذجيّاً يُسهِّل قراءة مُكتسَبات هذا العلم النظرية والتطبيقية من خلال تطوُّرها، وفي السِّياق الذي تناسجت معه.

ثلاث فترات من تاريخ "القاموس"

ومن الضّروري الإشارة إلى أنّ تاريخ مشروع القاموس مرّ في ثلاث فتراتٍ مُتمايزة ومُتّصلة في ما بينها؛ تمثِّل الأولى منها فترة دخول علم الجمال البطيء إلى فرنسا، اعتباراً من ولادته في ألمانيا على يدي (بومغارتن Baumgarten) الذي اقترح كلمة جديدة استعارها من اللاتينية الجديدة oesthetica في عام 1735، وأضفى عليها الطابع الألماني Ästhetik، ومروراً بالفيلسوف فيكتور باش ( Victor Basch) المعرِّف النقديّ بالفكر الجَماليّ عند كانط في فرنسا، أما في المرحلة الثانية فيرتبط القاموس بتاريخ علم الجمال عبر إدخاله في التعليم الجامعي وتحديد مفهومه العلمي. ومع أنّ بول سوريو، والد إتيان سوريو، وهو فيلسوف وعالم في علم الجمال، هو أوّلُ من لهج به، وعبّر عن أسفه لعَدم وجود كرسيّ جامعيّ مكرَّس له في السوربون في عام 1907، إلا أنّ فيكتور باش هو أوَّل من أدخله إلى هذه الجامعة، وشغل كرسيّ الأستاذية فيه عام 1928، وقد خلفه كلٌّ من شارل لالو وإتيان سوريو، وهذا ما ربط مصيرَ عِلم الجَمال ومَصير القاموس نفسه بتاريخ جامعة السُّوربون. أما المرحلة الثالثة في تاريخ هذا القاموس، فتتجلّى في انتزاعه من إطار الفلسفة وميتافيزيقا الجمال أو الذَّوْق المِعياري، وتحريره من الخطابات المُتنافسة التي تضبط مَعايير الفنّ في فرنسا.

حضور إتيان سوريو في القاموس

وينبغي أن يُشار هنا إلى أنّ المشهد الثاني من ظهور القاموس يقع في الفترة التي خلف فيها إتيان سوريو سلفَه شارل لالو على كرسيّ علم الجمال وفلسفة الفنّ في السوربون، في عام 1945. وقد كان سوريو وقتها أستاذًا في جامعتي أكس وليون، ثم انضمّ إلى السوربون بعد عودته من الأسْر في عام 1941، وعُيِّن أستاذاً مُحاضراً في الفلسفة العامة في الفترة التي اضطُّرَّ فيها ليون برونشفيك (Léon Brunswicg) إلى ترك كرسي الفلسفة العامّة في السوربون والهرب لائذًا بمنطقة حرّة مات فيها سرًاً في عام 1944.

وفي عام 1945، وبعد أن عُيِّن إتيان سوريو برتبة أستاذ، انتقل من الفلسفة العامة إلى كرسيّ علم الجمال وعلم الفنون الذي ظلّ يحتفظ به حتى أُحيل إلى التّقاعد في عام 1966. كذلك يتطابق تطوّر هذا العلم، في جوانب عدّة منه، مع حياة هذا الأستاذ المهنيّة اللامعة، ويشعّ نورُه في مشهد الفنون في فرنسا أيضاً بفضل مجلة "علم الجمال" ومسؤوليّاته الأكاديميّة الكثيرة، وحياته المهنيّة اللامعة، فضلا عن الدّعم الذي قدّمه للمُبدِعين، وما كتبه حول الفنّ في ميادين متنوِّعة جدّاً، وهذا ما يُعلِّل كيف أنّ ابنته (آنْ) جعلت هذا القاموس يحمل اسمه عند صدوره في عام 1990، حتّى لو لم يكن مُؤلِّفوه قد تخطَّوْا، في تصنيفهم، الحرف D عند وفاته في عام 1979. وإتيان سوريو مثل فيكتور باش تماماً، يؤلِّف بين الجانب التنظيمي من علم الجمال النظري ومَسار علم الجمال المُقارَن الذي يقوم في أساسه على "مُقارنة الأعمال فيما بينها، ويحدِّد المسارات التي تجمع بينها".

وتُفضِي بنا القراءةُ الأولى لهذا القاموس إلى الحُكم عليه بأنه ثمرةُ مشروع عملٍ جماعيّ يتجلى فيه التنوُّعُّ في التفكير الجماليّ، وفي الوقت نفسه، يبقى مَسكوناً بطيف إتيان سوريو الحاضر دائماً في متنه، ولذا فإن موادّ القاموس تتغذّى من روح سوريو وكُتبه ودُروسه. وثمّة إنجازٌ آخر تحقق في هذا القاموس بفضل سوريو هو: نزع الأسطوريّ عن العاديّ، وهو ما يقوم به كلُّ مؤلف للمادة المُعجميّة، وثمّةَ، من جهةٍ ثانية، تكريسُ فكرٍ فلسفيٍّ فريدٍ من نوعه.

هذه المنهجية المُعتمَدة ليست بعيدة كلَّ البُعْدِ عمّا نجِده في مادة "الجميل"؛ مثلا، إذْ إنّ إتيان سوريو يُذكِّر فيها بهذا التوتُّر الذي يسكن كلَّ تفكيرٍ في هذا المفهوم؛ فالجمال، من جهة، خاصيّةُ ما هو جميل، وهو يتعلق، من جهةٍ أخرى، بتجربةٍ مباشرة تهدف إلى الإجماع لكنّها تقبع أولًا في دائرة ما يعيشه المرء من شعورٍ ذاتيّ.

لقد قرأ سوريو كتاب تولستوي ( Tolstoï ) "ما الفنّ"؟ لكن، في نظر هذا الأخير، ينبغي تحديد علم الجمال بأنه "علم الفنّ لا علم الجمال"، فالجمال لا يرتبط بالضرورة بالفنّ، لشدّة ما ينشأ فيه من علاقات بينه وبين الأخلاق والطبيعة. ولهذا لا يمكن إهمال قراءة سوريو لأعمال تولستوي؛ إذْ إنّ نهاية مادّة "الفــنّ" تتجاوب تجاوُبَ الصدى مع الجمال، ما دام سوريو يحدِّد علم الجمال بكونه علمَ الفنّ؛ وليس هو العلم الذي يُؤسَّس على قيمة الجمال. وبهذه المناسبة، يكون الرُّجوع المُعلَن إلى كتاب تولستوي تحيّةَ ولاءٍ له، واعتراف بوجود تناغُمٍ في التفكير بين الرّجلين.

ثُلَّةُ سوريو

كذلك، يُمكن أن يُعَدّ هذا القاموس مفترقَ طرُقٍ نظريّ يجمع بين ألان، وفاليري، وظِلّ سوريو الذي يظهر في كتبه، وكذلك في ميوله الجامعية، مع فيكتور باش الشارح الكبير لعِلْم الجمال عند كانط، ومع شارل لالو الذي يتمسّك بالتفكير حول الروابط المتقاربة والمتباعدة معا بين الفن والحياة.

يستخلص إتيان سوريو من النقاش بين فيكتور باش وشارل لالو أنّ "الفنّ هو أولًا حِرفة"، ومهنة تقوم على "صنع أشياء يأمل الفنان أن يحصل منها على فائدةٍ مادية أو معنوية". وثانياً، يرى أنّ وظيفة الفنّ مورفولوجية: أي إنّ الفنّ يُبدِع الأشياء، أشياء من الواجب أنْ يُحلَّل مضمونُها وقِوامُها هكذا، ومن خلال الخطوط الأساسية في هذا القاموس، يتراءى غِنى علمِ الجمال باللغة الفرنسية في القرن العشرين، وهو علمٌ لا يمكن اختصارُه في بعض الأسماء الكبيرة من الممثلين للظاهراتية.

ولئن وُجِدَت مجموعةُ سوريو وجوداً فعليّاً، فإن ذلك يرجع إلى موقفٍ فريد من نوعه وبسيط في قليل أو كثير، ومتراجع عن الظاهراتية التي تعاصره؛ إذْ إنّ مشروع القاموس يُنادي بأن يُعتَدَّ بتنوّع الفنون، وإذا فُهِم أنّ الفن حدثٌ أو إيقاع، فإنه بذلك يُفضِي بسهولة إلى التبعية للفلسفة النظرية.

 وعلى كلِّ حال، يُذكّر سوريو بذلك في تصدير نصٍّ موجَز وظريف له عنوانه "الحُكم الجماليّ. بيان بالنظريات. مقالة في المنهجية"؛ يوضِّح فيه رأيه حول هذه العزيمة الجماعية التي تحرّك معًا مشروعَ القاموس ومشروعَ مجلة علم الجمال معاً.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها