أمل!

جلال برجس


كتب في ورقةٍ مُلقاةٍ على طاولته: أشعر بالوحدة رغم ضجيج مَنْ حولي، ويداهمني البرد رغم شمس تموز، أشعر بالخوف رغم أنَّ لي بيتًا وعائلة، وأشعر أيضًا بالقلق. أرخى رأسه على مسند الكرسيّ، وراح يراقب السقف، ويفكّر: ما الذي حدث لي بحيث تغمر روحي غمامة سوداء موحشة، فتجعل منّي كئيبًا إلى درجة لا تُطاق؟ هل هذه أعراض مرض نفسيّ؟ أم أنَّ هناك أمرًا آخر؟

في الأشهر الأخيرة، تهشّمت علاقته بالمرأة التي أحبّها، إذ سئمت من تبدّلاته المزاجيّة، ومن حزنه الذي حاولت أن تقصيه عنه بشتّى الطرق، وحين فشلت، اختلقت خلافًا، وأنهت علاقتها به. حين حدث ذلك لم يكن قادرًا على تحديد شكل ردّة فعله نحو انتهاء تلك العلاقة، إذ كان يشعر ببرود غريب، وفي الآن نفسه يحسّ بنار تتلوى في دواخله، الشيء الوحيد الذي تيقّن منه، أنّه يشعر بأنَّه تائه في مدينة لا إشارات لشوارعها، ولا أسماء لأحيائها، ولا أيّ شيء يدلّه على جهته.

وقف إلى نافذة غرفته، وراح يتأمّل البيوت المترامية حتى طرف الأفق، تساءل في سره: كم بيتًا من هذه البيوت ينعم أهله بالطمأنينة؟ وكيف ينظر المطمئنون إلى الحياة؟ عاد إلى طاولته وكتب في الورقة ذاتها: من المؤكد أنَّ الطمأنينة بيت لا يباع ولا يُشترى.

غادر بيته يعقد يديه وراء ظهره، ويمشي على الرصيف دونما جهة يُيَمِّم شطرها، فعل ذلك لأنّه قرأ نصيحة حول فوائد المشي، وكيف يمكن أن يتخلّص الإنسان من الأفكار السوداويّة، في الحقيقة كانت تلك الأفكار تهاجم مخيّلته بضراوة، وتزجّه في دائرة الخوف ممّا سيأتي. جلس على مقعد على الرصيف ينظر إلى المارّة، يفتّش عن الطمأنينة في وجوههم، رأى وجوهًا عابسة، ووجوهًا حزينة، ووجوهًا مبتهجة، ووجوهًا محايدة.

واصل مشيه وهو يفكّر، بل كان يُحدِّث نفسه: كلّ ما في الأمر أنَّك إنسان جبان، تخشى ممّا يمكن أن يحدث لك، أو لمن يخصونك، دون أن تعي أنَّ لكلّ أزمة حلًّا، ما دام الموت هو نهاية المطاف.

فكّر في الموت الذي يخشاه الجميع، كان لأول مـرّة يفكّر فيه، ولأول مرّة يراه خلاصًا، وحين استقرَّت تلك الفكرة في ذاكرته، رفضها، فقرَّر أن يلجأ لطبيب نفسي، لكنّه خشي تلك العقاقير التي يمكن أن تجعل منه كائنًا كسولًا، وخاملًا، وبليدًا، وبدينًا، فكّر في ذلك؛ لأنَّه منذ سنين لم يشعر بأنّه سعيد كما ينبغي أن يكون الإنسان في بعض أيامه على الأقل.

شعر بحاجة لفنجان قهوة، فدخل إلى المقهى الذي اعتاد أن يلتقي فيه المرأة التي كان يحبّها، دون أن يدري أنّها في الداخل، تجلس إلى الطاولة ذاتها التي كانا يجلسان إليها قرب نافذة تطلّ على جانب جميل من المدينة. رآها تنظر عبر النافذة، ربما تراقب الشارع الذي كان يعجّ بالمارّة، أو أنّها تفكّر في أمر ما، دون أن يدري أنَّها تقاسي غيابه الفادح رغم قرارها، جلس إلى طاولة لا تبعد عن طاولتها إلّا قليلًا، وراح يتأمّل الشارع تارة، وتارة أخرى يختلس النظرات إليها.

لم يكن في المقهى غيرهما في ذلك الصباح، ولا صوت سوى الأصوات التي تأتي من الشارع، لكنّه فجأة ما عاد يسمع لا جلبة الشارع، ولا حتى خطوات عامل المقهى حينما وضع أمامه فنجان قهوة وغادر؛ لينشغل بتنظيف الأواني، خاف من فكرة أنَّه ما عاد يسمع شيئًا، وأصيب بالارتباك.

التفتت المرأة نحوه في اللحظة نفسها التي نظر فيها إليها، قالت شيئًا لم يسمعه، وحينما سألها مستفسرًا عمّا قالت، وجدها تضع يدها قرب أذنها محاولة أن تسمع ما يقول، رفعت وتيرة صوتها ليسمعها، لكن دون فائدة لأيّ أحد منهما.

نهضا بفزع وخرجا إلى الشارع، كلّ واحدٍ منهما يصرخ، ويحاول الحديث مع المارّة، ويسعى إلى أن يسمع شيئًا دون طائل، فقد اختفت كلّ الأصوات. مشيا جنبًا إلى جنب على الرصيف، يجمعهما إحساس فادح بالخسارة، إلى أن وصلا عربة لعجوز يبيع القهوة، كان يجلس خلف عربته يتصفّح جريدة، وقربه راديو بحجم كفّ اليد، حينما سمعاه يبثّ أغنية لفيروز: "ايه في أمل".

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها