ليس يوجدُ في تاريخ الإنسانية مثالٌ معروف لهذا الجموح الغريب والإقبال المطلق على التعامل مع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الذي لا يفتأ يتطور يوماً بعد يوم. لقد عرفت الإنسانية شتى الاختراعات التي ظهرت ثم بادت إلى أن صارت كلاسيكية... رهينة المتاحف أو في الطريق إلى العدم... فالإنسانية هي التي اخترعت المحرك والمحراث والمطبعة والمحرك البخاري والتلغراف، والهاتف والمصباح والطائرة والراديو والتلفاز والكمبيوتر والإنترنت، ثم الهواتف الذكية وسيارات كهربائية... انتهى عصر المحراث والتلغراف وربما سينتهي قريباً عصر الهواتف الذكية وقد ينتهي بعد سنوات طويلة الذكاء الاصطناعي!
لقد انبنى تاريخ الإنسانية دائماً على التوجس من كل شيء والخوف الشديد من الأمور الغريبة التي تحدث أمام الإنسان؛ بل بقي متردداً في الإقبال عليها ومن ثم استهلاكها... إلا أن "إنساننا" الراهن يبدو أن لا شيء يخيفه... لقد أضحى "مدمناً" على إشباع رغباته بكل ما من شأنه تحقيق هذا الإشباع... والأمر وإن كان ليس على إطلاقه، إذ لكل عصر متوجسوه! والإقبال الغريب على استهلاك الذكاء الاصطناعي يبقى من أغرب ما نشاهده يومياً.
وبالرجوع بعجلة التاريخ إلى الخلف نجدُ أمثلة لهذا التوجس أو ما يسمى برهاب التكنولوجيا، حيث لا يخفى على أحد كيف كان التعامل بداية مع "آلة الطباعة" خلال القرن الخامس عشر خشية انتشار الأفكار الخطيرة التي بإمكانها تحطيم بنيان القيم التقليدية وزعزعة استقرارها؛ كما انتشر في أوائل القرن التاسع عشر مجموعة عمال النسيج محتجين على دخول "الآلات الجديدة" خوفاً من أن تسلبهم وظائفهم الشيء الذي دفعهم إلى تدميرها ومهاجمة المصانع. وقوبل أيضاً الراديو بنفس القلق والخوف لكونه يعد أداة قوية للدعاية والتحكم في العقول... بل وصل الأمر إلى مقابلة اختراع لطيف وهو "الدرجات الهوائية" والتي نصفها حالياً بـ"صديقة البيئة"، حيث قوبلت بكثير من النقد بداية القرن التاسع عشر لما يمكن أن تؤدي إليه من انحلال في الأخلاق والفساد الاجتماعي. بل من المضحك أيضاً إيراد مثال آخر أن قلم الحبر الجاف قوبل في فرنسا بالاعتراض لما ينتجه من سوء في الخط، وعدم احترامه المقاييس المعمول بها في علم رسم الخطوط... ومع تسعينيات القرن الماضي عرف الانترنيت وألعابه رهاباً مطبقاً لما لهما من تأثير على الشباب وعلى سلوكهم وخصوصاً ما ينتجانه من عنف، وما يخلقانه من عزلة خطيرة على الصحة العقلية. ثم ما فتئ الإنسان يتعايش مع اختراعاته بشكل أو بآخر، إلى أن قبلها بشكل أقرب منه إلى التطبيع السلوكي والمعرفي... غير أن واحدة من هذه الأمور لم تسيطر على الإنسان وتسلبه حريته مثلما فعل الذكاء الاصطناعي.
إن الإنسان يقبل على استهلاك وسائل الذكاء الاصطناعي إلى درجة أنذر البعض من نهاية الإنسان. والأمر ليس سهلاً... فالإنسان لا ينتهي ما دام قادراً على الاختراع... غير أن الذكاء الاصطناعي يعد سلاحاً جديداً لإبادة الضعفاء والشعوب الكسولة... فكما أن أكل الشوارع قد يهدد السلامة الغدائية لمستهلكيه، حيث يسبب مشاكل صحية مزمنة وأمراض القلب والسمنة والسكري... فإن استهلاك الذكاء الاصطناعي سيزيد من حدة مشاكل معرفية واجتماعية تهدد مستقبل "الشعوب الكسولة" أكبرها وأهمها عموم الجهل؛ لأن من شروط المعرفة النضج في الاستيعاب والتفهم، بينما في الذكاء الاصطناعي المعرفة سريعة إلى درجة عدم التروي في استيعابها وتمحيصها... إن المعرفة التقليدية مبنية على "الاختبار المعرفي" للأفكار بينما في حال الذكاء الاصطناعي المعلومة في أصلها اختيار مبني على خوارزميات معينة مبرمجة في الآلة... بمعنى آلية التفكير المسبق والتمحيص لا يعرفها المستعمل... فلو طلبنا موقفاً معنياً من الآلة، فهي ستجيب بموقف معين من بين ملايين المواقف.. تجعل فكرنا نمطياً... الشيء الذي لو تعاطاه المبتدئون في المعرفة فستخلق عندهم "وهماً معرفياً"، ومن ثم تخلق مجموعة من الجاهلين جهلاً مركباً، يظنون أنهم يعلمون وما هم بعالمين.
لكن لمَ الخوف على الإنسان من الذكاء الاصطناعي؟ الحقيقة أنه لهذا الرهاب ما يبرره هو أنه يعزز مبدأً شمولياً، الأصل فيه التحكم في أجيال المستقبل... والتحكم ليس في الجانب الاقتصادي أو السياسي فقط، بل التحكم في جانب إنتاج المعرفة وتدويرها... وتنميط للحركة النقدية... لن يبقى للمرء مجال نقدي، ما دام الاعتماد على الآلة يقوم بذلك.. إن الشمولية التقليدية تقوم على قمع الحريات وتقييد الحقوق... بينما الشمولية في عصر الذكاء الاصطناعي ستؤدي لا محالة إلى "تعطيل" الإرادة ومن ثم تعطيل الإنتاجية، إلى أن نصير إلى تعطيل جميع وظائف المجتمع...
ما يصبغ على الشمولية "التقليدية" جاذبيتها وفقاً لحنة آرنت في كتابها: "أصول الشمولية" هو أنها توفر دائماً وأبداً كل الأجوبة المريحة والمطمئنة وخبايا الماضي والمستقبل للجماهير؛ الشيء نفسه مع الذكاء الاصطناعي "إنه نوع من الشمولية الجديدة... التي تعطل وسائل النقد والتفكير لدى الجماهير وتجعلها رهينة "المعرفة المصنعة". قد يقول قائل إن المعرفة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي، في مطبخه الخوارزمي، خالية من كل رقابة أو توجيه أو تحكم أو سلطوية... إن القضية التي ندافع عنها لا علاقة لها بهذا القول؛ حيث إن المقصود من وجهة نظرنا هنا هو ما تنتجه الآلة من سلوك مرضي للمجتمع والأجيال المستقبلية على الأقل في جانب البحث العلمي في العلوم الإنسانية التي أزعم أنني أحد المهتمين بها. وذلك أن استعمال الذكاء المصنع في العلوم الإنسانية قد يؤدي إلى انهيار الصرح المعرفي مستقبلاً؛ وعلى ضوء تاريخ العلوم أسجل الملاحظات الآتية:
– براديمات المعرفة: لما كانت المعرفة تأبى التراكم حسب توماس كون، فإن المعرفة يتم بناؤها أساساً ضمن نماذج أو برديمات وممارسات... الأمر الذي يجعل المعرفة في ضوء الذكاء الاصطناعي منتجاً استهلاكياً أكثر من إنتاج وممارسة؛ وضرر ذلك أنه يخلق عارفين بلا معرفة.
– المعرفة تتأثر بشكل كبير بالعوامل الاجتماعية والثقافية: حيث إن الذكاء الاصطناعي سيطغى على كل إرادة اجتماعية وثقافية، فإذا كان بإمكانه أن يخلق لوحة فنية تضاهي الأعمال الفنية الإنسانية جمالاً؛ فإن الأمر سيخلق نوعاً من عيب في الأذواق، بل توقف للحاجة الإبداعية وتعطيلها... بل سيؤدي إلى طفرة في القيم النقدية لدى الإنسان، لن نكتشفها إلى بعد سنين من تطور الإنسان المهول.
إن الذكاء الاصطناعي لا يمكن بحال وصف نجاح تجربته بالعبقرية والفرادة؛ لأمور منها أن الإنسان له وظائف فيزيولوجية ونفسية وعقلية لا بد من استعمالها والحفاظ على مهاراتها، منها الوظيفة الحركية، فلا شيء يمكنه أن يعوض الرياضة البدنية والارتياض الذهني. ولو تعطلت الرياض البدنية فإن ذلك مؤد لمشاكل وأمراض، ولو تعطل الارتياض الذهني فإن ذلك مؤد إلى تعطل للمستقبلات المعرفية والنقدية؛ إن وظيفة الارتياض الذهني أنه مهارة تعمل على فحص الأفكار والمعطيات وأنماط سلوك وتقويمها والتنبيه على قويمها من معوجها.