نافذة في جدار القلب

ناصر كمال بخيت


نظر أمامه فرآها جالسة خلف مكتبها، منهمكةً في العمل كعادتها كل صباح. خطفت ملامحها الرقيقة عينيه للحظة، قبل أن يختفي هذا الجمال فجأة... رأى ظلامًا كثيفًا ينبعث منها ويتمدد ببطء في المكان، ككتلةٍ حيّة تزحف نحو من حولها. أخذت تلتف حول العاملين واحدًا تلو الآخر، ثم اندفعت نحوه مرة واحدة، فاجتاحت جسده قشعريرة حادة جعلته يتمسك بكل قوته بحافة المكتب. رفعت المرأة عينيها نحوه، فوجدته يحدّق فيها طويلًا. تجهمت سريعًا، وأشاحت بوجهها متذمرةً بعيدًا عنه.

لم تكن تلك النظرات تمرّ مرورًا عابرًا وسط الناس. النساء يعتبرنها مغازلةً رخيصة، والرجال يفكرون فيها بريبةٍ ونفور، بينما يقف هو عاجزًا عن تفسير ما يحدث له. منذ طفولته، والأشياء تظهر له بطريقة مختلفة، كأن شيئًا خفيًا ينبعث من داخل البشر دون أن يراه أحد سواه.

يتذكر أول مرة بدا له الأمر جليًا. لقد كان طفلًا صغيرًا يبكي بعنف بين ذراعي والدته، قبل أن يلمح في صدرها دائرةً دافئةً من الضوء أحاطته بسكينةٍ وغبطة. هدأ تدريجيًا وهو يتشبث بثيابها، ثم تحولت دموعه إلى ضحكاتٍ بريئة. بعد أيام، حملته جارتهم المقرّبة وهي تضحك في وجهه بحنان، لكن جسده ارتعش فجأة؛ فقد لمح وهجًا مشتعلًا يخرج من صدرها ويقترب منه كجمرة نار، فانفجر في بكاءٍ هستيري حتى انتزعته أمه من بين ذراعيها.

كبر معه هذا الكابوس، وظل يعيش في عالم يختلف عمّا يراه الآخرون. عالم يضج بأطيافٍ قبيحة وصرخاتٍ حاقدة. ذات مرة، دُعي إلى عيد ميلاد ابنة أخيه. كانت القاعة مكتظةً بالضحكات والتهاني وأصوات الموسيقى، لكنه ما إن دخل حتى شعر بالاختناق. وجد نفسه محاطًا بوجوهٍ غاضبة، وحولها كائنات مجهولة تنظر إليه ثم تتوحد ثانيةً مع الجمع. لقد تطور الأمر، وصار يشم روائح منفّرة لا تُحتمل. أخذ يدور حول نفسه مذعورًا، محاولًا التقاط أنفاسه، قبل أن يندفع خارج القاعة وسط نظرات الدهشة من الحاضرين، مما جعل الخلاف يدبّ بين أخيه وزوجته:
- لماذا غادر هكذا؟ لقد أحرجنا أمام الضيوف.
- ربما تذكر شيئًا هامًا. أعلم أنه غريب الأطوار، ولكنه في النهاية هو أخي.

ومنذ تلك الليلة، ازداد ابتعاد العائلة عنه، حتى صار منبوذًا بينهم وغير مرحبٍ به في مناسباتهم. ومع تراكم الأزمات، بدأ ينهار من الداخل. لم يعد يحتمل أن يراه الناس مجنونًا أو مريضًا، بينما هو يعرف أنه مسلوب الحرية في الرؤية. ذات ليلة، جلس أمام المرآة طويلًا، يحدّق في عينيه وهو يحمل لهما كل بغض العالم؛ فهما السبب فيما وصل إليه. وضع يديه على وجهه في أسى حتى كادت دموعه تسيل، ثم واتته فكرة حولت حزنه إلى بارقة أمل. لماذا لا يستخدم حاسته تلك في قضية أسمى؟ عقد العزم أن ينفذ ما قرره حالًا ودون تأخير.

راح يتجول كل يومٍ في المدينة ليكشف أسرارها. بدأ يكتب عن كل شيءٍ فيها، حتى صار لديه كتابٌ يفيض بكل الخبايا. رأى أنه لا بدّ أن يعرف الناس ما يعرفه. أرسل الكتاب إلى صحيفةٍ كبرى في مدينته، لتنشر فصوله على حلقاتٍ أسبوعية. انتظر طويلًا، لكنه لم يتلقَّ ردًّا. ومع مرور الوقت، أخذ يرى حوله ظلالًا تتحرك في الطرقات، كأنها تراقب ما يفعل. كانت تندفع بسرعة البرق لتدخل وتخرج من الجدران أو أعمدة الإنارة أو الأشجار، وكأنها قادمة من عالمٍ موازٍ. تبادر إلى ذهنه أنه سمع صوتًا يخرج منها:
- نحن في انتظارك!

تسلّل الخوف إلى نفسه، وامتلأ قلبه بالقلق؛ لذلك تقوقع في غرفته واعتزل الجميع. جلس القرفصاء في تلك الليلة على الأرض، وهو يخفي رأسه بين يديه، لا يعلم كم من الوقت قد مضى عندما سمع الصوت ثانيةً. نظر، فوجد ضوءًا يتسلل من الجدار المقابل أمامه، لتبرز منه كل تلك الأطياف التي كان يراها طوال حياته. كانت تتجه نحوه في تؤدة. حاول مقاومتها، لكنها راحت تدور حوله كإعصار يلتفّ به. في تلك اللحظة أدرك أنه طوال حياته ظل يهرب منها، لكنه لم يحاول مرةً أن يقترب منها أو يفهمها. ترك نفسه لها، فأحس بالألفة معها، وبالغربة في غرفته.

في الصباح، استيقظ الجيران على أصواتٍ مرتفعة، وكأن شجارًا عنيفًا يصدر من منزله. لم تُفلح طرقاتهم المستمرة في فتح الباب، فاقتحمه بعضهم. راحوا يتجولون في المسكن، فلم يجدوا أحدًا، بل أوراقًا متناثرة على السرير. أمسك بها أحدهم ليجد رسومًا غير واضحة المعالم، لكنها لا تحتوي حروفًا أو كلمات تفسرها. تظهر إحدى تلك الرسوم شرخًا في جدارٍ يدلف بداخله شخص ما. لم يعثروا على صاحب الشقة، ولم يظهر بعدها ثانيةً. لم يكلّف أحدٌ نفسه عناء البحث عنه، وادّعت أسرته أنه سافر إلى بلادٍ بعيدة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها