
إن تنظيم المجتمع وحياته وحركته، بل فوضاه وخموده وركوده، كل هذه الأمور ذات علاقة وظيفية بنظام الأفكار المنتشرة في ذلك المجتمع؛ فإذا ما تغير هذا النظام بطريقة أو بأخرى فإن جميع الخصائص الاجتماعية الأخرى تتعدل في الاتجاه نفسه. إن الأفكار تكون في مجموعها جزءاً هاماً من أدوات تطور مجتمع معين، كما أن مختلف مراحل تطوره هي في الحقيقة أشكال متنوعة لحركة تطوره الفكري، فإذا ما كانت إحدى هذه المراحل تنطبق على ما يسمى النهضة؛ فإن معنى هذا أن المجتمع في هذه المرحلة يتمتع بنظام رائع من الأفكار، وإن هذا النظام يتيح لكل مشكلة من مشاكله الحيوية حلًا مناسباً. بهذا افتتح المفكر الكبير مالك بن نبي مقاربة مشكلة الثقافة.
في نظر ابن نبي ليس في مقدورنا اليوم أن نُعالج موضوعاً كهذا، دون أن نجد أنفسنا -في حالة من التطور الراهنة في العالم العربي– أمام مشكلة لغوية وتاريخية. وإن الفعل "ثقف" أصل لغوي يتصل تاريخه بلغة ما قبل الإسلام، ولا شك أن الذي اشتق كلمة "ثقافة" كان صنّاعاً ماهراً في علم العربية حريصاً على تجويد اللفظ وصفائه. ولكن "يبدو لنا أن كلمة ثقافة التي كان من حظها أن تختار لهذا المعنى، لم تكتسب بعد قوة التحديد الضرورية لتصبح علماً على مفهوم معين". ويعرفها ابن نبي على أنها علاقة متبادلة، هذا التبادل يربط بين شقين متحدين أحد عضويها الفرد، والثاني المجتمع؛ وهي متفقة في الوجود مع عملية تثقيف.
والفروق الموجودة بين تفسيرات الثقافة المختلفة باختلاف المدارس من جانب، وباختلاف المدرسة الواحدة من جانب آخر، هذه الفروق إنما هي ترجع في جوهرها إلى هذا التبادل، الذي يبتغي كل فرد أن يعطي الأسبقية لأحد الجانبين حسب استعداده وأفكاره، فبعض الناس يقدم الجانب النفسي وبالتالي الفرد، معتبرين الثقافة قضية الإنسان، وآخرون يقدمون الجانب الاجتماعي ذاهبين إلى أن الثقافة قضية المجتمع.
واختلاف هذه الآراء جميعاً ناشئ عن تفسير العلاقة المتبادلة، سواء تقدم في تحديد هذه العلاقة جانب الفرد أم جانب المجتمع، جانب الفكرة أم جانب الشيء، فإذا فصلنا هذه الأمور وقدمنا واحداً من بينها على ما سواه، انتهى بنا المطاف إلى نظريات عرجاء تخجل ولا تستطيع المشي؛ ولقد يحدث أن ينتهي المطاف إلى معارك بين المدارس المختلفة، تحاول فيها النظرية التي تعرج بيمناها أن تزدري قرينتها التي تعرج بيسراها.
لذلك نجد مالك بن نبي يعتبر أن الفكر والشيء -إذن- مرتبطان ومتعاونان تعاون الذراع والعجلة في الآلات التي تغير حركة أفقية إلى حركة دائرية؛ فالذراع هو الفكر، والعجلة هي الشيء. والذراع هو -ولا شك- العضو المحرك، ومعلوم أنه لا يستطيع أن يتجاوز ما يطلق عليه (النقط الميتة) في حركته، إذا لم تساعده العجلة على اجتيازها بفضل ما لديها من طاقة مختزنة.
وبالتالي لا مجال لأن ننكر دور الشيء في خلق الثقافة، ولكننا لا يمكن أن نُخضع له الفكرة، بل ينبغي أن نعترف لها بأسبقية معينة في هذا المجال، وبقدر ما يصعب علينا ملاحظة هذه الأسبقية في المرحلة الديناميكية، في نمو ثقافة معينة وفي حركتها، فإنها تكون ظاهرة في المرحلة الاستاتيكية، أي في بداية تحريك الذراع والعجلة، عندما تبدأ عملية التثقيف. والواقع يضيف ابن نبي أن أي مجتمع في بدايته لا يكون قد شاد بعد (عالم أشيائه)، بل كل ما هنالك أن (عالم أفكاره) يبدأ في التكوين، دون أن يشتمل أحياناً إلا على بوادر تفكير إيديولوجي.

من هذا المنطلق يصرح ابن نبي أن الثقافة هي التعبير الحسي عن علاقة الفرد بهذا العالم؛ أي بالمجال الروحي الذي ينمي فيه وجوده النفسي، فهي نتيجة هذا الاتصال بذلك المناخ. فالفرد إذا ما فقد صلته بالمجال الحيوي قررنا أنه مات موتاً مادياً، وكذلك الأمر إذا فقد صلته بالمجال الثقافي فإنه يموت موتاً ثقافياً. فالثقافة إذن هي حياة المجتمع التي بدونها يصبح مجتمعاً ميتاً.
ونظراً لكون الثقافة بهذه الصورة والحجم، يقترح ابن نبي ضرورة توجيه الأفكار، إذْ يرى أن مشكلة الثقافة من الوجهة التربوية هي في جوهرها مشكلة توجيه الأفكار، فالتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت، فهناك ملايين السواعد العاملة والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية، صالحة لأن تستخدم في كل وقت، والمهم هو أن ندير هذا الجهاز الهائل المكون من ملايين السواعد والعقول، في أحسن ظروفه الزمنية والإنتاجية. هذا الجهاز حين يتحرك يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود، وفي هذا تكمن أساساً فكرة توجيه الإنسان الذي تحركه دوافع دينية؛ وبلغة الاجتماع: الإنسان الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى (الجماعة) ومعنى (الكفاح).
ومن توجيه الأفكار، يقترح ابن نبي توجيه الثقافة، فهي باعتبارها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية، التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعوياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي وُلد فيه، فهي إذنْ المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته. وتوجيهها يعد أساس المحافظة على المجتمع وقيمه وفلسفته وحضارته، وبالتالي التوجيه يكون في إطار بيئة الإنسان التي وُلد فيها، وإلا يصبح الفرد عرضة للموت الهوياتي الثقافي.
فالثقافة إذن تشتمل في معناها العام على إطار حياة واحدة، يجمع بين راعي الغنم والعالم جمعاً توحد معه بينهما مقتضيات مشتركة، وهي تهتم في معناها بكل طبقة من طبقات المجتمع فيما يناسبها من وظيفة تقوم بها، وما لهذه الوظيفة من شروط خاصة؛ وعلى ذلك فإن الثقافة تتدخل في شؤون الفرد، وفي بناء المجتمع.
وإذا أردنا إيضاحاً أشمل لوظيفة الثقافة فلنمثلها بوظيفة الدم، فهو يتركب من الكريات الحمراء والبيضاء، وكلاهما يسبح في سائل واحد من البلازما ليغذي الجسد، والثقافة هي ذلك الدم في جسم المجتمع يغذي حضارته، ويحمل أفكار الصفوة كما يحمل أفكار العامة، وكل من هذه الأفكار منسجم في سائل واحد من الاستعدادات المتشابهة، والاتجاهات الموحدة والأذواق المناسبة.
وكما أنا الثقافة تحدد بعناصرها المستمدة من الروح الأخلاقي فإنها تتحدد أيضاً بالجمال، وإذا كانت الثقافة قبل كل شيء محيطاً، فمن الواضح أن العنصر الجمالي يؤدي دوراً رئيسياً، إذْ إن المقدرة الخلاقة مرتبطة دائماً بالانفعال الجمالي، بل إن مقدرة الفرد على التأثير مرتبطة أيضاً ببعض المقاييس الجمالية، على أن القيمة الجمالية يجب أن ننظر إليها خاصة من الوجهة التربوية، فهي تسهم في خلق نموذج إنشائي متميز يهب الحياة نسقاً معيناً، واتجاهاً ثابتاً في التاريخ بفضل ما وهب من أذواق وتناسب جمالي.
إجمالًا، إن الثقافة كانت وستبقى المحرك الرئيس للفرد وللمجتمع والحضارة، فلا وجود لمجتمع وحضارة حية بدون ثقافة، بدون هذه الأخيرة يعني الحكم على المجتمع بالموت، لذلك تعد مشكلة الثقافة من المشاكل العويصة التي تفرض دوماً اليقظة من قِبل كل المؤسسات الحكومية وغيرها، لكون المشكلة تحتاج مقاربة تشاركية لتكون النتائج في مستوى التطلعات، بل تكون الدول قد وضعت صمام أمان ضد ما يضر الثقافة الأم، مع التنبيه إلى ضرورة انفتاح الثقافات على بعضها البعض.