إستطيقا الفن.. بين العبقرية وانتقائية الموجودات

رضا إبراهيم محمود


في كتابه الشهير (حياة الشعراء الإنجليز) الصادر عام 1879م، عرف الكاتب الإنجليزي الدكتور صمويل جونسون (1709 – 1784م) العبقري الحقيقي بقوله: "هو بمثابة عقل، ذو قوى عامة كبيرة، تحوله نحو هدف خاص محدد"، بينما عرف جونسون الناس العباقرة في كثير من النشاطات سياسية كانت أو ثقافية، بأنهم دوما ما يتشابهون فيما بينهم بدرجة تتجاوز ذلك التشابه الموجود بين كل عبقري، وبين زملائه الآخرين بنفس مجال النشاط، ومن خلال تلك النظرية؛ فإن الإخوة العقلية على سبيل المثال بين مايكل أنجلو (1475 – 1564م) وجاليليو (1564 – 1642م) هي أكبر من الإخوة التي توجد بينهما، وبين فنان آخر من الدرجة الثالثة.
 

الشقيقة الصغرى للمنطق والجمال

يرجع الاهتمام المنظم بالفن والجمال إلى بداية ظهور الفلسفة اليونانية عامة؛ أيْ إلى أرسطو (384 ق.م – 322 ق.م) وأفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م)، عندما نظر أرسطو إلى الفن عموماً والشعر خصوصاً، على أنه يزيف صورة الواقع ويقدم لنا نموذجاً مشوهاً له، بينما شبه أفلاطون عمل الرسام على سبيل المثال، بتلك العملية التي يدير فيها المرء مرآة من حوله، ليصنع مظاهر وخيالات للأشياء.

لكن ما لبث أن عاود أرسطو، ليؤكد على أن العمل الفني الجيد، يشتمل على اكتمال بالشكل واعتدال بالأسلوب، وبدرجة قد تضمن له أن يكون كلاهما مشبعاً ومقنعاً في ذاته وفي تأثيره، وسرعان ما ظهر أحد الفروع المتعددة للفن وهو (الإستطيقا) أو علم المحاسن وفلسفة الجمال، الذي يرجع تأسيسه للفيلسوف الألماني ألكسندر جوتليب بومجارتن (1714 – 1762م)، بعد ما ذكره بكتابه الموسوم بـ(تأملات فلسفية)، وفي بعض المعلومات المتعلقة بماهية الشعر، مع قيامه بالتفريق بين علم الجمال وبين بقية المعارف الأخرى، ليطلق عليه لفظة الإستطيقا، ومن ثم عين له مجموعة العلوم الفلسفية.

وفي حديثه عن علم المحاسن يقول بومجارتن: "إن علم الجمال هو علم تجارب الشعور، أو علم تجارب الإحساس، وهو الشقيقة الصغرى للمنطق والجمال، وهو أكثر المعارف مثالية"، في حين أكد الفيلسوف والمؤرخ الألماني فريدريش شيلر (1759 – 1805م) في حديثه عنه قائلا: "علم الجمال هو تقدير الجمال، وهو أكثر المصالحة كمالا بين الأجزاء الحسية والعقلانية من طبيعة الإنسان"، وعن الفيلسوف الألماني فريدريش شيلن (1775 – 1854م) فهو كان يرى أن فلسفة الفن، هي العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ما يعني أن الجماليات بدأت، لتكون الاسم لفلسفة الفن.

عن العبقرية والموهبة

هناك ثلة من الخبراء والباحثين ممن حاولوا بمجال الشخصية، إجراء اختبارات حول ما إذا كان العباقرة أو المبدعون لهم سمات قابلة للتحديد، وكان الإجراء المتبع يتمثل باكتشاف مجموعات أشخاص يختلفون في الإبداع، وبنفس الوقت يستدل عبر الاختبارات أو التقديرات، بجعل أولئك الأفراد يقومون بملء مجموعات من الأسئلة الخاصة بالشخصية، وقد اشتملت البحوث حول الإبداع بالنصف الثاني من القرن العشرين على عدد كبير جدّاً من الدراسات، التي ذكرت الارتباطات بين درجات الإبداع، وبين العشرات أو المئات من مكونات الشخصية.

ليظهر أن تلك النتائج كانت مخيبة للآمال، حيث لم يتمخض البحث سوى عن عدد قليل من السمات الشخصية، التي تصلح لأن تكون مؤشرات تنبؤية عامة، فلم يكن المبدعون مجرد نوع منفصل عن الآخرين كالقادة فقط، بل تطلب الأمر أيضاً التمييز بين الأنماط المختلفة من الإبداع، وبين القيادة كل على حدة، عند ذلك تخلى الباحثون عن فكرة النمط العبقري العام، رافضين الفكرة القائلة بأن الشهرة التي تحققت قد يكون لها أساس في مجال الصفات الشخصية، ورغم أن مصطلح العبقرية دوما ما يستخدم باعتباره مرادفاً لمصطلح الموهبة، لكن العبقرية تتضمن العديد من الدلالات والمعاني الخاصة بالندرة الاستثنائية، وأيضاً بالإنجازات العقلية المبكرة.

بينما الموهبة وبالأخص حالة استخدامها بسياقات أكاديمية ودراسية؛ فإن عملية تحديدها تكون أكثر صعوبة، لكن هناك تأكيدات خاصة لدى بعض الخبراء، على ضرورة التمييز بين الموهبة والإبداع، باعتبار أن الموهبة تتعلق بنشاطات الأطفال، أما الإبداع فهو ما يتعلق أكثر بنشاطات الكبار، ما يعني عدم اقتصار صفة الإنجاز العقلي المبكر على مفهوم العبقرية فقط، لكنه يمتد ليشمل أيضاً مفهوم الموهبة، وقد عرف بعض الخبراء العبقرية تعريفاً قائماً على أساس الإنتاج، عبر القول بأن العبقري هو شخص يقوم بالإنتاج عبر مدى طويل من الزمن، لعدد كبير من الأعمال ذات تأثيرات واضحة وكبيرة على المجتمع والآخرين، ولمدة زمنية قد تصل لسنوات ممتدة.

العبقري: أشبه بمجنون!

أثناء تفسيراتهم لمفهوم العبقرية، حدث تباين لعلماء النفس والفلاسفة والمفكرين، التي تظهر بالأعمال الفنية والأدبية والمخترعات واكتشافات العلماء، ومنهم من اتخذ منحنى (ميتافيزيقيا) وتأكيده على أن العبقري هو شخص ملبوس بالجن، أو مشمول بالعناية الإلهية، كونه يصدر في عبقريته أعمال قوى خارجية روحانية، تستخدمه كأداة تعبر من خلالها عن قواها الخارجية، بينما أكد آخرون من المفسرين على أن ظاهرة العبقرية تدل على شذوذ نفسي، لكنه شذوذ لأعلى وليس شذوذ لأسفل؛ لأن العبقري يكون شخصاً غير سوي أشبه بمجنون، وهو جنون لم يدفعه للانحطاط، بل يدفعه جنونه هذا للإبداع والتفوق على الأفراد التقليدين من البشر.

بينما فسر آخرون الوراثة، بأنها هي التي تقف وراء العبقرية؛ لأن العبقرية وراثة نادرة لا تتأتى سوى لقلة قليلة من البشر، وهناك من يشير إلى أنها تتأتى بالاجتهاد والإتقان، فعقب إتقان الشخص فرعاً من فروع العلم أو مجالا من المجالات، يبدأ بعد ذلك بإظهار عبقريته بذلك الفرع أو المجال، وهناك تأكيدات على أن الفنان شخص يمتاز بـ(سرعة الالتقاط) من ناحية، وبـ(دقة الالتقاط) من ناحية أخرى، وبعكس الشخص التقليدي من غير الفنانين ممن لا يستطيع أن يتقبل ما حوله، لما يمكن أن يتقبله الفنان، فلا يكتفي بالتمييز بين الأشياء أو الوقوف على الجمال من حوله، لكنه يتعمد بطريقة لاشعورية لاستيعاب وامتصاص ما يروقه، كالتقاطه نغمة جميلة أو لوناً ملائماً أو أشياء جميلة بالأشكال والأحجام، حيث يتعمد بذلك لتكثيف الخبرات المستفادة من الخارج، ليمتاز بما يعرف بـ(المخزون الخبري الجمالي).

الفنان: وانتقائية الموجودات

حالة الحديث عن الفن، فيجب القول بأنه هو التطور الجميل للأحداث التي تحصل من حولنا، والفن هو إنتاج وتطبيق وإبداع، وعن الفنان فهو الذي يجعل من الخيال ومحاولاته اليائسة واقعاً، ما يعني أنه مبدع باختياراته وعمله، كما أن الفن هو كل عمل أو هواية أو مجال تحتاج إلى فن، وحالة ما أن يصبح المرء فناناً يصبح مبدعاً، والفن هو السعي وراء ابتكار وعمل شيء خاص وفردي يصعب تكراره، وهو الشيء السري الغامض أو الحس الداخلي من المرء، بحيث لا يراه أحد؛ أيْ إنه (العبقرية)، وعن المعنى الانتقائي للفن، فهو معنى له خاصية يمتاز بها الفنان بالقدرة على الانتقائية من بين الموجودات التي تحيط به، أو التي قد يتخيلها من نوعيات معينة ذات صفة متباينة، وينقلها للمستمع أو المشاهد بصيغة أو أخرى، ما يعني أن النتاجات الفنية بذلك المعنى الانتقائي، ليست نتاجات تقليدية أو مقولبة (نمطية) التي سبق تحديد خصائصها من ذي قبل، وبذلك المعنى يصبح الفن معتمداً على وجود اختبارات كثيرة بالمواقف، ويكون على الفنان أن يختار من بينها، على ألا تكون تلك الاختبارات جزافية أو اعتباطية، لكنها تكون على أسس وجيهة، يمكن أن يلمح فيها لاعتبارات أو خصائص معينة، كما وجدت هناك بعض الأسس النفسية، التي يقوم عليها الانتقاء عند المبدع أو الفنان.

علماً بأن عمل الفنان، لم يكن مجرد انعكاس للبيئة التي حوله، لكنه نسيج وحده، بينما الأساس النفسي الأول، فيكون ذلك النمط النفسي الذي يندرج الفنان تحته، والأساس النفسي الذي يحدد انتقاءات الفنان، فهو ما كان متعلقاً بالوقائع الآنية حديثة الوقوع، التي كان من شأنها تحريك وجدان الفنان، ودفعه لمنحى معين واتخاذه وجهات معينة، ووقعه على إنتاج فني ذي طابع ذاتي، وهناك أساس نفسي يحدد انتقاءات الفنان، وهو الأساس التربوي الذي خضع له الفنان بمراحل حياته المتباينة، وتعني التربية بذلك كل المؤثرات المقصودة، والمؤثرات الأخرى غير المقصودة، التي شكلت وجدان الفنان وعقله، وأكسبته مجموعة من المهارات الأدائية.

هيوم: وفكرة الجمال الكامل

عرف عن الفيلسوف والمؤرخ الإنجليزي ديفيد هيوم (1711 – 1776م) اعتماده بمعظم تفسيراته على آليات ونظم عمل داخلية (ميكانزمات) متواجدة بالعقل، وعلى نزعة متشككة فيما يتعلق بالأسس التي تقوم عليها الخبرة، وتتفق نظريته العامة حول الفن مع تلك الاتجاهات في التفكير، ويشير هيوم إلى عدم وجود سلطة تفوق سلطة الذوق بالنسبة لتقييم الأعمال الفنية، وأن الذوق بطبيعة الحال، يمكن أن يستمد من خلال الأعمال الخاصة بالعقل أو نشاطاته، وبمقال له موسوم بـ(معيار الذوق) يعرض هيوم أفكاره عن التذوق والتفضيل الجمالي، ويشير فيه إلى وجود تنوعات متعددة من الذوق في العالم، على غرار وجود تنوعات متعددة للآراء، حتى فيما بين الأفراد ممن عاشوا بالمكان نفسه، وخضعوا لنفس النظم الاجتماعية والسياسية والتعليمية، مؤكداً على صحة رأيه عبر الأمم والعصور.

وبحسب رأي هيوم؛ فإن عواطف البشر وانفعالاتهم، دوماً ما تتفاوت فيما يتعلق بكل أشكال وأنواع الجمال والقيم، بالرغم من أن خطابهم العام يظل هو نفسه، نظراً لوجود مصطلحات معينة بكل لغة تستخدم بالمدح أو الذم، وهي مصطلحات يتفق عليها كل من يستخدمون اللغة نفسها، حيث إن كل فرد يتفق بامتداحه للتفوق والبراعة والتلاؤم والبساطة والروح في الكتابة، وكذلك بذمه للكلام المليء بالادعاء والتكلف في التعبير، وأيضاً تلك البرودة أو البراءة الزائفة بالأداء الفني، لكن عندما يقوم النقاد بفحص تلك الجوانب الدقيقة لهذا التقارب في الأحكام؛ فإن هذه التشابهات بينها تتلاشى بوضوح، ويتضح أن الأفراد يستخدمون أو ينسبون معانٍ مختلفة كلياً لهذه التعبيرات التي يصدرونها.

وتساءل هيوم، عن سبب جعل الأشخاص يتفقون في إعجابهم بـ(هوميروس* وأرسطفان* وسيربانتس*)، رغم اختلاف الأمكنة والأزمنة، ويجعلهم هم أنفسهم يتفقون على النفور من كتاب آخرين؟ وسرعان ما يجيب هيوم، بأنه توجد فيما بين ذلك الاختلاف بالأذواق والأهواء، العديد من المبادئ العامة والمعينة للإعجاب أو الانتقاد، وأن العين الفاحصة الواعية يمكنها تتبع الدلائل الخاصة بتلك العوامل في هذه العمليات الخاصة بالعقل، وأن بعض الأشكال أو الكيفيات الخاصة وبدءاً من البنية الأصلية للنسيج الداخلي للعمل، تعد على نحو مناسب لتحدث شعوراً بالمتعة، في حين تعد أشكال أخرى من أجل إحداث الضيق، أو أي حالات تناقض المتعة.

وما زال الكلام لهيوم، إذْ يشير إلى أنه حالة فشل تلك الأشكال أو الكيفيات بإحداث الأثر المرجو منها؛ فإن ذلك يكون راجعاً لوجود نقائص، كانت موجودة أساساً منذ تلك البذرة الأولى للعمل، فكل مخلوق توجد لديه جوانب قوة ومواطن ضعف، وقد يمر بحالات من القوة والضعف، وجوانب أو حالات قوة الأعضاء أو الحواس فقط، هي التي يمكنها أن تمده بمعيار حقيقي للذوق والعاطفة، وإذا ما توافرت مع قوة الأعضاء كحالة كلية من وحدة العاطفة بين الناس، عند ذلك قد يكون الوصول لفكرة الجمال الكامل، من الأمور الممكنة.

 


الهوامش:
(*) هوميروس، (800 – 701 ق.م) شخصية تاريخية وأسطورية وشاعر ملحمي إغريقي، يعتقد أنه ألف الملحمتين الإغريقيتين (الإلياذة والأوديسه)، لا يزال تأثير أعماله يتردد صداها حتى الآن في الثقافة الغربية.
(*) أرسطفان (446 – 368 ق.م) مؤلف مسرحي كوميدي، يعد من رواد المرح الساخر في اليونان القديمة، ملئت مسرحياته عن آخرها بالمبالغات والنكات اللاذعة والعبارات الهزلية.
(*) سيربانتس (1547 – 1616م) شاعر وروائي وكاتب مسرحي إسباني، يعد من رواد الأدب الإسباني، مبتكر شخصية (دون كيخوت) الشهيرة، قامت إسبانيا بتكريمه بوضع صورته على قطعة العملة الجديدة من فئة الـ (50) سنتا.
(1) الفن – كلاين بل/ تعريب (عادل مصطفى) مؤسسة هنداوي/ القاهرة 2018م.
(2) فلسفة الفن مدخل إلى علم الجمال - جوردون جراهام/ تعريب (محمد يونس) الهيئة العامة لقصور الثقافة/ القاهرة 2013م.
(3) التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، د – شاكر عبد الحميد، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (الكويت) 2001م.
(4) سيكولوجية الإبداع في الفن والآداب، يوسف ميخائل أسعد، الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة) 1986م.
(5) العبقرية والإبداع والقيادة، وين كيث سايمنتن، تعريب د – شاكر عبد الحميد، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (الكويت) 1993م.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها