صومعة حسان.. تحفة من عبق التاريخ

محمد بندحو

تنتصب صومعة حسان شامخةً في وسط العاصمة المغربية الرباط معلنةً عن عظمة من مروا من هناك، فهي في نظر المؤرخين الأخت الشقيقة لصومعة الكتبية بمراكش، وصومعة الخيرالدا في إشبيلية، واستمدت صومعة حسان اسمها الذي لازمها إلى اليوم من جماعة "بنو الحسان"، الذين كانوا يعيشون على مقربة من موقع الصومعة في ذلك الوقت.

وتجمع المراجع التاريخية أن صومعة حسان بُنيت في عهد السلطان يعقوب المنصور الموحّدي بعد رجوعه من الأندلس منتصراً في "معركة الأرك" ضدّ ملك قشتالة، ألفونسو الثامن، عام 1195م، فقد أراد السلطان احتفاء بنصره أن يبني مسجداً كبيراً مُتقن الصنع، فسخّر لإنجازه سبع مئة (700) أسير من المعركة، فبدأت الأشغال آنذاك في إنجاز أكبر مسجد في المنطقة، لكن هذه الأشغال توقفت بعد وفاة السلطان عام 1199، ومن ذلك الوقت تعرض المسجد إلى مجموعة كبيرة من العوامل ساهمت مساهمة مباشرة في تصدع وتلاشي أجزائه، ومن ذلك على سبيل المثال: إقدام قراصنة عدْوَتي الرباط وسلا، في عهد أحد أبناء السلطان المولى إسماعيل العلوي، على نهب ما تبقّى من أخشاب المسجد ليصنعوا منها سفينة "الكراكجية"، إضافةً إلى زلزال لشبونة عام 1755، والذي مسّ أيضاً مدناً مغربية مثل الرباط ومكناس، والحريق الذي شبّ في جنبات المسجد بعد وقت قصير من الزلزال، والذي أتى على ما تبقّى من أخشابه وزاد وضعه تدهوراً. كما كان للأمطار ورطوبة البحر والتقلّبات الجوية لمستها على البناء؛ إذ استحالت إحدى جنباته إلى اللون الرمادي.

لكن رغم كل هذه الظروف ما تزال آثار المسجد وصومعته موجودة حتى اليوم، وهي تشير إلى ضخامة حجم المبنى الأصلي الذي كان فيه، إذ قدر المؤرخون مساحة هذا المسجد بنحو 2550 متراً مربعاً.

ويبلغ ارتفاع صومعة حسان أربعة وأربعين (44) متراً، وكان من المخطط أن يصل علوها إلى ثمانين (80) متراً، تتخذ شكلاً مربعاً، ولها مطلع ملتو من الداخل يسهّل الوصول إلى الجزء العلوي منها، وخلال الصعود يمر هذا المطلع عبر ست (6) غرف تشكل طبقات، أقيم حولها سور يَرتفع نحو تسعةِ (9) أمتارٍ تقريباً، وبعرضٍ يصل إلى مترٍ ونصف.

وقد استخدم في بنائها نوع من الحجارة يدعى "الصلد"، واختير موقع بنائها بناء على قوة تحمل المكان لها؛ فالموقع متين جداً ويستطيع تحمل الوزن والثقل الكبير للصومعة، وأثبت ذلك طبيعيًا من خلال الزلزال الذي ضرب الرباط عام 1755، فلولا قوة الأرض ومتانتها ومتانة البناء لاندثرت هذه الصومعة ومنارتها، كما حصل مع باقي البناء من قوة الزلزال. أما عن الجدران الأربعة أو الواجهات الخارجية من صومعة حسان، فقد زينت بنقوش جميلة وزخارف رائعة تعود في تشكيلها إلى النمط المغربي الأندلسي من القرن الثاني عشر.

وتتخلَّل الساحة المحيطة بها مئتا (200) عمود دائري من الرخام، منحوتة بشكل جميل وجذاب، كان يتوقع أن تحدد الإطار العام لأكبر مسجد في العالم الإسلامي لو أتيح له أن ينتهي في ذلك الوقت، كما تتخللها مجموعة من النافورات المزينة بأشكال ورسوم إسلامية تعكس صورة واضحة وحية عن الفن الإسلامي الراقي، كما يوجد لها بابان رئيسيان، يقف أمام كل باب فارسان يرتديان الملابس المغربية التراثية ويمتطيان حصانين، هذا وتتزين ساحتها بالعديد من المصابيح القديمة التقليدية، فزائر الصومعة في الليل سيندهش من جمالية المكان، خاصة مع الإضاءة القوية الموجهة لها.

وقد زاد الصومعة كذلك جمالاً وبهاءً إطلالتها على مصب نهر أبي رقراق أحد روافد المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى توفر ساحتها على ضريح الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، وهو مبنى مشيد بالرخام الأبيض ومتوج بقرميد أخضر، تقود أدراجه إلى أربعة أبواب يتولى حراستها جنود بلباس مخزني مميز، شرع في إنشائه سنة 1962 وشارك في إنجازه أكثر من أربع مئة (400) صانع تقليدي تنافسوا في إبداع تحفة فنية تجعل الناظر يتيه في تفاصيل دقيقة، تجتمع لتشكل لوحة ناطقة بعبقرية الصانع المغربي.

ونظراً لأهمية المكان وجماليته فقد أصبح قبلة للزوار من كل حدب وصوب، حيث يتوافد عليه يومياً حسب معطيات إدارة الضريح ست مئة (600) زائر يومياً، مغاربة وأجانب، ويتضاعف هذا العدد في العطل والمناسبات، حيث يزوره عشرة آلاف (10000) زائر يومياً، كما أنه أصبح قبلة للوفود الرسمية الزائرة للمغرب، بل أكثر من ذلك صار في السنوات الأخيرة نقطة في جدول أفراح وأعراس أهل مدينتي الرباط وسلا؛ إذ يقصده المحتفلون لأخذ الصور التذكارية لهم ولذويهم، فالمكان برمته يعد مجالاً رحباً للاستقرار، وخاصة النفسي، فهو يبعث على التعايش الديني والتثاقف بين العديد من الديانات والحضارات.

وللحفاظ على صومعة حسان والساحة المحاذية لها بكل ما تحمل من مآثر وزخارف، ونظراً لطبيعتها المعمارية الأصيلة، وتفرد الصومعة بالمقارنة مع غيرها من المآثر التاريخية، فقد قامت منظمة اليونسكو للتراث العالمي بضمها إلى القائمة الأولية في الفئة الثقافية سنة 1995.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها