بين الوحي والواقع

أصول الفقه.. بوصلة المُفكّر

عبدالقاهر عارفي


ليست أزمة الفكر دائمًا أزمة معلومات. قد يقرأ الإنسان كثيرًا، ويتابع السياسة والاقتصاد والاجتماع، ويعرف من أخبار العالم ما لم يكن متاحًا لأجيال قبله، ثم يظل السؤال الأصعب قائمًا: كيف يفكر فيما عرف؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فمعرفة الواقع شيء، ومعرفة الكيفية التي يُقرأ بها هذا الواقع في ضوء الوحي شيء آخر. وقد يحسن المفكر وصف ظاهرة اجتماعية أو سياسية، ثم يختل نظره عندما ينتقل من الوصف إلى الحكم عليها؛ وقد يعرف النص، ثم يتعجل في الاستدلال به؛ وقد يعرف حكمًا شرعيًا، ثم يضعه في غير موضعه لأن الواقعة نفسها لم تُفهم كما ينبغي.

وبين الوحي والواقع تقع هذه المساحة الدقيقة: مساحة الفهم والاستدلال والاجتهاد والتنزيل. وفيها تحديدًا تظهر قيمة أصول الفقه.

ولا يعني ذلك أن يتحول كل مفكر إلى فقيه مجتهد أو مفتٍ، ولا أن يُختزل الفكر الإسلامي في علم واحد؛ إنما المقصود أن يمتلك المفكر قدرًا من التكوين الأصولي يجعله أكثر وعيًا بالسؤال الذي يسبق الجواب: ما الدليل؟ وماذا يدل عليه فعلًا؟ وما حدود دلالته؟ وما الذي نقطع به، وما الذي يبقى مجالًا للاجتهاد؟

فأصول الفقه لا يفكر بدلًا عن المفكر، ولا يقدم إليه أجوبة جاهزة عن أسئلة عصره؛ لكنه يمنحه شيئًا ربما كان أهم من الجواب الجاهز: يعلمه كيف يسلك إلى الجواب طريقًا منضبطًا.

 

حين لا تكفي معرفة الواقع

تزداد أهمية هذا المنهج كلما ازدادت الحياة تعقيدًا.

خذ مثلًا الذكاء الاصطناعي، أو زراعة الأعضاء، أو التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. لا يكفي أن نُعجب بالتقنية أو نخاف منها، كما لا يكفي أن نستدعي نصًا جزئيًا ثم نتصور أن القضية انتهت. قبل الحكم نحتاج إلى أن نعرف: ما حقيقة الشيء الذي نحكم عليه أصلًا؟

وهنا يلتقي الفقيه بالطبيب، والباحث الشرعي بالاقتصادي، والمفكر بالمتخصص التقني. فالطبيب أقدر على شرح حقيقة الإجراء الطبي، والاقتصادي أدرى ببنية المعاملة وآثارها، والمتخصص في التقنية أعرف بإمكاناتها ومخاطرها. ثم يأتي النظر الشرعي ليتعامل مع هذا التصور في ضوء الأدلة والقواعد والمقاصد.

وهذه مسألة تبدو بسيطة، لكنها شديدة الأهمية: صحة المنهج لا تنقذنا إذا كان تصورنا للواقع نفسه خاطئًا.

قد تكون طريقة الاستدلال منطقية، لكن المقدمات التي بنينا عليها الحكم غير صحيحة. وقد يكون النص الذي استشهدنا به صحيحًا، لكن الواقعة التي أنزلناه عليها ليست هي الواقعة التي تصورناها.

ولهذا كان من علامات النضج أن يعرف الإنسان حدود معرفته. المفكر الراشد ليس من يملك جوابًا في كل شيء، بل من يعرف متى يتقدم بعلمه، ومتى يسأل، ومتى يتوقف، ومتى يقول: هذه المسألة تحتاج إلى أهلها.

العقل لا يفقد مكانه

قد يتوهم بعض الناس أن الدعوة إلى التأصيل الأصولي تعني التضييق على العقل، والحقيقة أن أصول الفقه لا يستطيع أن يعمل أصلًا من غير عقل.

العقل هو الذي يفهم الخطاب، ويربط بين مقدمات الحجة ونتائجها، ويقرأ الواقع، ويوازن، ويرجح، وينظر في المآلات. لكن الفرق بين العقل المنهجي والعقل المنفلت هو أن الأول لا يكتفي بأن تكون الفكرة مقنعة لصاحبها.

وظيفة الأصول ليست أن تقول للعقل: لا تفكر، بل أن تسأله: كيف فكرت؟ وبأي دليل استدللت؟ وكيف انتقلت من الدليل إلى النتيجة؟ وهل تحتمل مقدماتك فعلًا النتيجة التي بنيتها عليها؟

وهنا تتغير طبيعة التفكير.

فليس كل ما نراه نافعًا يصبح بمجرد ذلك مصلحة معتبرة. وقد أعاد الغزالي مفهوم المصلحة في هذا الباب إلى المحافظة على مقصود الشرع، وذكر في مقدمتها حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال1. وهكذا لا تصبح المصلحة اسمًا نضعه على كل ما نستحسنه، بل معنى يُوزن في ضوء الشرع ومقاصده.

لكن النظر لا يتوقف عند الحاضر. فقد يبدو القرار نافعًا اليوم، ثم يكشف الغد عن مفسدة كانت كامنة في نتائجه. ولهذا قرر الشاطبي أن "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا"، وأن المجتهد لا يستقيم نظره في التنزيل دون اعتبار ما يؤول إليه الفعل2.

والإنسان بطبيعته يميل إلى رؤية النتائج القريبة. قد تعجبه الفكرة لأنها تحل مشكلة اليوم، بينما المنهج يسأله أيضًا: وماذا ستصنع غدًا؟

والأمر نفسه في الوسائل. فقد قرر العز بن عبد السلام ارتباط الوسائل بالمقاصد وتفاوت مراتبها بحسب ما تفضي إليه3. لكن صلاح الغاية لا يمنح كل طريق إليها صفة المشروعية. قد يكون مقصد الإنسان حسنًا، ثم يفسده الطريق الذي اختاره للوصول إليه.

هذه ليست أسئلة فقهية مجردة فحسب؛ إنها جزء من تكوين العقل الذي يريد أن يتحرك بين المبادئ والواقع من غير أن يفقد أحدهما.

حين يتحول الخلاف إلى امتحان للمنهج

ومن ثمرات التكوين الأصولي أن يدرك المفكر أن الأفكار والأحكام ليست كلها في مرتبة واحدة. هناك ما هو قطعي، وهناك ما هو ظني، وهناك مسائل استقر دليلها وأخرى بقي فيها مجال للاجتهاد.

قد يبدو هذا التفريق نظريًا، لكن أثره في حياتنا الفكرية كبير. كم من مسألة اجتهادية تحولت إلى معركة؟ وكم من رأي رفعه صاحبه، من حيث لا يشعر، إلى منزلة لا يحتملها دليله؟

حين يعرف المفكر أن المسألة ظنية يصبح أقدر على فهم وجود رأي آخر، وحين يدرك أن قوة النتيجة لا يجوز أن تتجاوز قوة مقدماتها، يتعلم ألا يتحدث بلغة القطع فيما لا يملك عليه إلا دليلًا محتملًا.

لكن المنهج وحده لا يكفي.

فقد يعرف الإنسان قواعد الاستدلال، ثم يستخدمها للانتصار لرأي أحبه قبل أن يبدأ البحث. وقد يكون واسع العلم، لكنه يريد الغلبة أكثر مما يريد الحقيقة.

ولهذا يحتاج العقل إلى شيء آخر: تزكية صاحبه.

لقد نبه القرآن إلى أن العلم نفسه لا يمنع الاختلاف إذا دخل البغي إلى النفوس: {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} [الجاثية: 17]. فالمشكلة هنا لم تكن غياب المعرفة، بل فساد شيء في الإرادة.

ومن هنا تكتمل ثلاثية يحتاجها المفكر: أصول تضبط طريقة التفكير، ومقاصد تضبط الوجهة، وتزكية تهذب صاحب الفكر.

بين التراث والحاضر

لا يدعو التأصيل الأصولي إلى أن نبدأ من الصفر، كما لا يعني أن تتحول اجتهادات السابقين إلى نهاية للتفكير. فالتراث الأصولي حصيلة قرون من النظر في الأدلة، ودلالات الألفاظ، وطرائق الاستنباط، والمصالح والمفاسد، والمآلات، والعرف، وتغير الأحوال. ومن غير الرشد أن نتصرف كأن هذه الخبرة لم توجد.

لكن احترام التراث شيء، وتحويل كل اجتهاد تاريخي إلى حكم ثابت لكل زمان ومكان شيء آخر.

ولهذا ينبغي أن نكون أكثر دقة حين نتحدث عن «تغير الأحكام بتغير الزمان». فليس كل حكم يتغير لمجرد أن الزمن تغير؛ وإنما قد تتغير الفتوى أو طريقة التنزيل بسبب تغير العرف أو الحال أو المناط أو غير ذلك من المؤثرات المعتبرة. وقد أفرد ابن القيم لهذا المعنى فصلًا معروفًا في إعلام الموقعين بعنوان «تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد»4.

وهنا تظهر وظيفة أصول الفقه بوصفه جسرًا لا جدارًا: جسرًا يصل الوفاء للتراث بالقدرة على قراءة الحاضر.

فنستفيد من السابقين من غير أن نمنح اجتهاداتهم العصمة، ونقرأ عصرنا من غير أن نجعله حاكمًا على الوحي.

فالأصالة ليست انغلاقًا، والانفتاح ليس ذوبانًا، والتجديد ليس قطيعة.

ومن هذا المنطلق لا نرفض فكرة لمجرد أنها نشأت خارج المجال الإسلامي، ولا نقبلها لمجرد أنها حديثة أو ناجحة في مكان آخر. نفهم سياقها، ونفحص مقدماتها، وننظر في آثارها، ونأخذ ما فيها من حق وخير، وننقد ما يحتاج إلى النقد.

وهذه مهمة لا يستطيع علم واحد أن يقوم بها. فأصول الفقه لا يغني عن الفقه والمقاصد، والعلوم الشرعية لا تغني عن التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة والطب والتقنية. نحن لا نحتاج إلى مفكر يدعي الموسوعية، بل إلى عقل يعرف كيف يتكامل مع المعارف وأصحابها.

ومن هذا التكامل تتشكل المنهجية المنشودة: مرجعية تضبط، وعقل ينظر، ومقاصد توجه، وواقع يُفهم، وتخصصات تتكامل.

بوصلة لا خريطة جاهزة

إن حاجة المفكر الإسلامي إلى أصول الفقه ليست حاجة إلى مزيد من المصطلحات. فالمصطلح الذي لا يحسن صاحبه استعماله قد يزيد الكلام ولا يزيد البصيرة.

الحاجة الحقيقية إلى منهج.

منهج يجعل المفكر أكثر حذرًا قبل أن ينسب إلى الوحي ما لا يدل عليه، وأكثر وعيًا قبل أن يحول اجتهاده إلى حقيقة مطلقة، وأكثر قدرة على التمييز بين الثابت والمتغير، وبين المقصد والوسيلة، وبين المصلحة القريبة ومآلاتها البعيدة، وبين ما يعرفه بنفسه وما يحتاج فيه إلى أهل الاختصاص.

وأصول الفقه، بهذا المعنى، ليست خريطة جاهزة لكل قضية سيواجهها الإنسان. فالخريطة تتغير بتغير الأرض، أما البوصلة فوظيفتها أن تمنع المسافر من فقدان الاتجاه.

ولهذا؛ يمكن لأصول الفقه أن يبقى حيًا في عصر لم يعرف علماؤه الأوائل الذكاء الاصطناعي ولا الهندسة الجينية ولا الاقتصاد الرقمي؛ ليس لأنه يحمل أجوبة تفصيلية جاهزة لهذه الأسئلة، بل لأنه يحمل أدوات تساعد العقل المسلم على أن يسأل بطريقة صحيحة، وأن يفهم قبل أن يحكم، وأن يزن قبل أن يرجح.

وإذا اجتمع إلى ذلك فهم للواقع، ووعي بالمقاصد، واستفادة من أهل الخبرة، وتزكية للنفس، أمكن أن يتشكل فكر يجمع بين أصالة المرجعية وسعة النظر، وبين قوة الحجة وأخلاق الاختلاف.

فالتجديد الذي تحتاج إليه الأمة ليس قطيعة مع تراثها، كما أن الوفاء للتراث ليس تكرارًا آليًا لاجتهادات السابقين.

لا ننكر ماضينا، ولا نجعل الحاضر حاكمًا علينا، ولا نخاطر بمستقبلنا؛ بل ننطلق من أصول راسخة، بعقل مفتوح ووعي بالواقع، لبناء مستقبل يليق برسالة أمة الوحي.

 


الإحالات والمراجع:
[1] أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1413هـ/1993م، ص: 174–175.
[2] أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1417هـ/1997م، ج5، ص: 177–178.
[3] العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، راجعه وعلق عليه طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، طبعة منقحة، 1414هـ/1991م، ج1، ص: 53–54.
[4] ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق وتعليق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط1، 1423هـ، فصل «تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد».

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها