صناعة السَّجَّاد في الحضارة الإسلاميَّة

وفيق صفوت مختار


يرجع الفضل إلى السَّلاجقة (1078- 1308م) في إدخال صناعة السَّجَّاد إلى العالم الإسلامي. فصناعة السَّجَّاد المعقُود كانت مقصُورة على قبائل التُّركُمان الرّحْل الَّذين كانُوا يستخدمُونه في بلادهم للوقاية من البرد بدلًا من الفراء، كما استخدموه أيضًا لتغطية أرضيَّات الخيام. ولقد عرف المُسلمون هذا السَّجَّاد عندما دخلت هذه القبائل في الدِّين الإسلامي في القرنين الثَّامن والتَّاسع الميلادي. ومن المُحتمل أن هذه الصِّناعة أدخلت إلى تُركيا عن طريق السَّلاجقة. ويُؤكِّد ذلك بعض قطع من سجَّاد كانت بمسجد علاء الدِّين في «قونيه» ويُحتمل أن يرجع صناعتها إلى القرن الثَّالث عشر، ويظهر التَّبايُن في زخارف هذه السَّجَّادة، فالجُزء الأوسط يحتوي على زخارف هندسيَّة مُتداخلة أمَّا الأطراف فمزخرف بحُرُوف كُوفيَّة كبيرة غير مفهُومة. أمَّا الألوان المُستخدمة فهي أطياف من الأحمر في الجُزء الأوسط من السَّجَّادة والأزرق المُخضَّر مع قليل من الأحمر والأصفر في الإطار. ويُمكن القول إنَّ السَّجَّاد الأناضُولي المعقُود الَّذي تطوَّر بعد ذلك كانت هذه المرحلة هي بدايته.

 

لم يعثر حتَّى الآن على سجّاجيد يُمكن تأكيد نسبتُها إلى العصر المغولي في إيران (1218- 1334م). وإذا أمكن الاعتماد على ما وُجد من رُسُوم للسَّجاجيد في تصاوير مخطُوطات العصر المغولي، نجد أنَّ زخارفها تنحصر في أشكال هندسيَّة مُثمَّنة أو مُتشابكة مع إطارات من الكتابة الكُوفيَّة. ولقد امتدَّت هذه الصِّناعة إلى هضبة أرمينيا وبلاد القوقاز، ويتَّضح من دراسة إحدى السَّجاجيد الَّتي وُجدت في القوقاز، ويرجع تاريخُها إلى حوالي (803ه -1400م)، أنَّ وحدات الحيوانات المغُوليَّة قد تسرَّبت إليها. حيث نرى وحدة لتنين يُقاتل العنقاء مُكرَّرة مع توزيع بسيط وبألوانٍ قليلة ولكنَّها قويَّة، ويُلاحظ أنَّ هذه الحيوانات مُحوَّرة وتأخُذ أشكالًا هندسيَّة. ولقد وُجد نمُوذج لهذا النَّوع من السَّجاجيد في لوحةٍ إيطاليَّةٍ يرجع تاريخُها إلى (844ه - 1440م).

كذلك لم يعثر إلَّا على القليل من السَّجاجيد الَّتي يُمكن تأكيد نسبتُها إلى العصر التيموري في إيران (1370-1502م)، وذلك بالرَّغم من وُجُود سجَّاجيد مرسُومة في صُور مخطُوطات القرن الخامس عشر التيمورية. ويتَّضح من هذه الصُّور أنَّ زخارف هذه السَّجاجيد كانت تتكوَّن من عناصر نباتية وتفريعات مُزهرة داخل جامات ومناطق بدلًا من الزَّخارف الهندسيَّة الَّتي وُجدت في سجَّاجيد صور مخطُوطات العصر المغولي. وأحسن نماذج للسَّجاد التيموري نراها مُصوَّرة في مخطُوطة جلستان الَّتي يرجع تاريخُها إلى عام (830ه - 1426م)، ومخطُوطة البُستان الَّتي صوَّرها بهزاد في عام (893ه - 1447م).

ويُنسب إلى الأندلُس في عصر بني نصر (1232- 1492م)، نوعٌ من السَّجاجيد يتميَّز بزخارف مُتكرِّرة لأشكال مُثمَّنات في صُفُوف تحصر بداخلها زخارف هندسيَّة وأشكال جميلة. ويتكون الإطار الخارجي من أشرطةٍ مُزخرفةٍ بكتاباتٍ كُوفيَّة وأشكال هندسيَّة ورُسُوم آدميَّة مُحوَّرة. ولقد وجدت في بعض سجَّاجيد القرن الخامس عشر الميلادي إشارات مَنْ أوصوا بصناعتها. وتتميَّز هذه السَّجاجيد بألوانها الهادئة كما استخدم اللَّون الأسود في تحديد بعض التَّفاصيل.

ولقد عثر على نماذج من السَّجاجيد المغربيَّة تظهر زخارفها أشكال نجمية مُتكرِّرة، ويُرجَّح أنْ تكُون هذه السَّجاجيد مُعاصرة لسَّجاد الأندلُس ذُو الزَّخارف الهندسيَّة، إلَّا أنها تتميَّز عن السَّجَّاد الإسباني بألوانها الصَّارخة.

ويُعد العصر الصَّفوي (1502-1722م) هُو العصر الذَّهبي لصناعة السَّجَّاد في إيران، حيث زاد إنتاج السَّجاد لكثرة الطَّلب عليها من الغرب. ولقد تأثَّر مُصور صُور مخطُوطات القرن السَّادس عشر الميلادي بتصميمات السَّجاجيد الصَّفويَّة، فاستبدلت الوحدات الهندسيَّة الَّتي ظهرت في سجَّاجيد مخطُوطات العصرين المغولي والتَّيمُّوري، بزخارف ذات عناصر آدميَّة ونباتيَّة. ويُمكن إرجاع أقدم السَّجاجيد الصَّفويَّة إلى عهد «الشَّاه إسماعيل الصَّفوي» (1487- 1524م). واشتهرت مدينة «تبريز» في عصره وعهد خليفته «الشَّاه طهماسب» (1514- 1576م) بكونها من أهم مركز لصناعة السَّجاجيد، بالإضافة إلى المراكز الأخرى الَّتي وُجدت في «هراة» و«قاشان» «وهمذان». ولقد أنتجت هذه المراكز أنواعًا كثيرة من السَّجاجيد لا مثيل لها في الإتقان احتوت على موضُوعات زخرفية مُختلفة.

ويفضُل الباحثُون عادةً تقسيم السَّجاجيد الإيرانيَّة إلى مجمُوعات حسب موضُوعاتها الزُّخرفيَّة عن تقسيمها تبعًا للمراكز الَّتي أنتجتها، وذلك لاشتراك هذه المراكز أحيانًا في الموضُوعات الزُّخرفيَّة الَّتي وُجدت بها ممَّا يصعُب صحَّة نسبتها إلى هذه المراكز.

كان النَّوع الأوَّل الأكثر انتشارًا في السَّجاجيد الصَّفويَّة هُو الَّذي تتركَّز فيه الزَّخارف حول جامة1 في الوسط، وكانت هذه الجامة ذات أشكال مُتنوِّعة، إمَّا مُستديرة أو بيضاويَّة مُسننة أو نجمية الشَّكل، وغالبًا ما تتَّصل بهده الجامة الرَّئيسة من أعلى وأسفل دلايات على شكل إناء. ويُزِّين كُلّ رُكن من أركان السَّجَّادة رُبع جامة كبيرة، وتتكوَّن زخارف هذا النَّوع من السَّجاجيد من رُسُوم لفُرُوع نباتية وبعض تفريعات الزُّهُور المُتشابكة، يُضاف إليها أحيانًا رُسُوم حيوانيَّة صغيرة وطُيُور. ويتَّضح هذا الأُسلُوب في سجَّادة من صناعة «تبريز»، ويُوجد في طرف من أطراف السَّجَّادة مُستطيل به تاريخ صناعتها (عام946ه - 1539م) وبيت شعر للشَّاعر «شمس الدِّين مُحمَّد حافظ الشِّيرازي» (1326- 1390م). ولقد كانت هذه السَّجَّادة موضُوعة بمسجد الشَّيخ «صفي الدِّين الأردبيلي»، إلَّا أنَّها تُوجد حاليًا بمُتحف «فكتوريا وألبرت» Victoria and Albert بلندن. ونُلاحظ أنَّ تفريعات الزُّهُور الموجُودة بهذه السَّجاجيد قريبة من الطَّبيعة، كما أنَّ الجامة المُتوسِّطة تُحيط بها أشكال بيضاويَّة مُدبَّبة.

وهُناك مجمُوعة من السَّجَّاد ذي الجامة المُتوسطة لا تقتصر زخارفها على التَّفريعات النَّباتيَّة المُزهرة، بل تجد بينها رُسُومًا آدميَّة وحيوانيَّة. وأقدم نمُوذج من هذا النَّوع سجَّادة بها تاريخ صناعتها (930ه - 1522م) والموجودة حاليًا بمُتحف «بولدي بيزولي» Poldi Pezzoli في ميلانو بإيطاليا. ويُنسب عدد من هذا النَّوع من السَّجاجيد إلى «هراة» في القرن السَّادس عشر الميلادي. ومن أجمل نماذج هذا النَّوع من السَّجاجيد سجَّادة يتوسطها جامة كبيرة مُزخرفة برُسُوم آدميَّة وحيوانيَّة وأزهار، وتشغل أرضيَّة السَّجَّاد القاتمة رُسُوم حيوانات مُتقابلة مُنفردة أو مُزدوجة، ويحتوي الإطار الأحمر على جامات بها رُسُوم فُهُود تطارد غِزلان، كما تُزخرف بقيَّة أرضيَّة الإطار وحدات لحيوان التِّنين.

ويكثر أحيانًا عدد الجامات في الأبسطة ذات الرُّسُوم النَّباتيَّة والحيوانيَّة، ومن أحسن الأمثلة على ذلك سجَّادة تُنسب إلى صناعة «تبريز» في النَّصف الأوَّل من القرن العاشر الهجري (السَّادس عشر الميلادي)، ويُحيط بالجامة الوُسطى جامات أصغر حجمًا، وتظهر في زخارف هذه الجامات وحدات نباتية وبطات صينيَّة طائرة، وتشغل أرضيَّة السَّجَّاد زخارف من الفنِّ الصِّيني إلى جانب زخارف نباتية وتفريعات مُزهرة وحيوانات طبيعيَّة.

ومن الأبسطة ذات الجامات المُتعدِّدة، سجَّاد رائع يُنسب إنتاجه إلى «تبريز» في النَّصف الأوَّل من القرن السَّادس عشر الميلادي، ولقد استبدلت الجامة الَّتي تتوسَّط السَّجَّادة عادة بمجمُوعاتٍ من الجامات. وتتكوَّن كُلّ مجمُوعة من جامة صغيرة تُحيط بها تسع جامات أصغر حجمًا، ويتكرَّر هذا التَّوزيع على أرضية السَّجَّادة. وتظهر في زخارف بعض الجامات العناصر الصِّينيَّة. حيث تضم الجامات الكبيرة المُلوَّنة باللَّون الأزرق زخارف تصور الصِّراع بين العنقاء والتنين، بينما تظهر في زخارف الجامات الصَّغيرة وحدات نباتية وبطات طائرة. وتحصر هذه الجامات الصَّغيرة جامات أكبر، بها رسم لأربعة أسود، وتملأ أرضيَّة الفراغات الموجُودة بين الجامات زخارف نباتية وتفريعات مُزهرة وأشرطة من السَّحب الصِّينيَّة، ويُحيط بأرضية هذه السَّجَّادة، إطار عريض أحمر تظهر به زخارف من التَّفريعات النَّباتيَّة في مساحةٍ مُحدَّدة.

ونُلاحظ أحيانًا في سجَّاجيد الجامات ذات الحيوانات، أنَّ الأرضيَّة التي تُحيط بالجامة المُتوسِّطة تزخر بأنواع من الأشجار تتخلَّلُها وحدات حيوانيَّة منقُولة عن الطَّبيعة. مثال ذلك سجَّادة من صناعة «تبريز» ترجع إلى النَّصف الأوَّل من القرن العاشر الهجري (السَّادس عشر الميلادي)، قوام زخرفتها منظر طبيعي غني برُسُوم الأشجار المُزهرة والطُّيُور والحيوانات، وتظهر هُنا الأشجار كعنصر رئيس في زخارف هذا النَّوع من السَّجَّاد. وتُزخرف الجامة الوُسطى رُسُوم طُيُور وأزهار، ويظهر بالإطار الدَّاكن الَّذي يُحيط بالسَّجَّادة مراوح نخيلية وزخارف من الأرابيسك والطُّيُور.

ومن أنواع السَّجاجيد الإيرانية مجمُوعة بها زخارف من الزُّهُور تُشبه الزُّهريَّات ولا تتوسَّط هذه الزَّخارف جامات. ويُلاحظ أنَّ هذه الوحدات مُوزَّعة في تنسيق حول مركز السَّجَّادة الأوسط ولا يظهر بهذه السَّجاجيد تأثير تصاوير العصر الصَّفوي، وغالبًا ما يكُون لون الأرضية أزرق أو أحمر، وألوان الأزهار برَّاقة. ويُنسب هذا النَّوع من السَّجاجيد إلى «أصفهان» في النَّصف الثَّاني من القرن العاشر الهجري (السَّادس عشر الميلادي).

ولقد اُشتهرت إيران في العصر الصَّفوي بصناعة السَّجاجيد الحريرية، ومن أشهر هذا النَّوع، سجادة بمُتحف «فكتوريا وألبرت» بلندن. وتُزخرف هذه السَّجَّادة وحدات حيوانيَّة، ولقد اُستُخدمت في صناعتها عقد من الحرير مُتعدِّد الألوان وخُيُوط الذَّهب والفضَّة، كما يظهر في أطراف السَّجَّادة زخارف لآدميين مجنحين. ويُرجَّح من أُسلُوب هذه الزَّخارف أنَّ أحد مُصوِّري مخطُوطات ذلك العهد هُو الَّذي رُبَّما رسم تصميمها. وتتشابه هذه السَّجَّادة مع سجَّادة في المُتحف النَّمساوي تظهر بإطارها أيضًا زخارف لملائكة. ولو أن هذا النَّوع من السَّجَّاد يُنسب إلى «قاشان» إلَّا أنَّه يُحتمل أيضًا أن يكون من صناعة" تبريز" أو «قزوين».

وفي فترة الحُكم العُثماني (1281-1730م) اشتهرت آسيا الصُّغرى بصناعة السَّجَّاد المعقُود مُنْذ القرن الثَّالث عشر الميلادي وذلك في فترة حُكم السَّلاجقة لها، وكان هذا النَّوع من السَّجَّاد من ابتكار قبائل الرَّحل التُّركُمانيَّة الَّتي انتقلت من أواسط آسيا إلى غربها. إلَّا أن معلُوماتنا تقل عن السَّجَّاد التُّركي وتُعد شبه مفقُودة في الفترة التي تلت عصر السَّلاجقة.

يظهر مرَّة ثانية مجمُوعات من السَّجَّاد في الإنتاج الأوَّل للعصر العُثماني في القرن السَّادس عشر الميلادي، ولم يُعرف بصفةٍ قاطعةٍ مراكز إنتاجها، وأغلب الأسماء التي عرفت بها هي أسماء تجاريَّة اشتُقَّت من العناصر الزُّخرفيَّة الموجُودة بالسَّجَّاد، أو من أسماء مُصوِّري القرن السَّادس عشر الميلادي الأُورُوبيِّين الَّتي ظهرت هذه السَّجاجيد في صُورهم، كذلك نُسبت بعض السَّجاجيد التُّركيَّة إلى المراكز الَّتي كانت تُجمع فيها لبيعها.

ومن السَّجاجيد الَّتي عرفت بأسماء المُصوِّرين، سجَّاد «لوتو» الَّذي ظهر في صُور الرَّسَّام الإيطالي «لورانز لوتو Lorenzo Lotto» (1480- 1556م)، ويتميَّز هذا النَّوع بزخارف الأرابيسك الجامدة الصَّفراء مُوزَّعة على السَّجَّاد في ترتيب هندسي على أرضية حمراء. وسجَّاد «هولباين» يُنسب إلى الفنَّان الألماني «هانز هوُلباين الصَّغير» (1497- 1543م) الَّذي أكثر من رسم هذه السَّجاجيد. ويمتاز سجَّاد «هولباين» بطابع هندسي مُستمد من الأُسلُوب السَّلجُوقي، وتتكوَّن زخارفه الهندسيَّة من جامات على هيئة أشكال مُثلَّثة أو مُربَّعات مُنحرفة تكوَّنت من زخارف نباتية وخُطُوط متشابكة. ورُبَّما اُشتُق هذا الأُسلوب من زخارف كانت معرُوفة في آسيا الصَّغرى قبل الفتح الإسلامي. ويسود في هذه السَّجاجيد اللَّونان الأزرق والأحمر على بقيَّة الألوان، وتظهر بإطارات هذه السَّجاجيد رُسُوم مُتشابكة. ونجد أحيانًا في زخارف هذا النَّوع من السَّجاجيد إشارات الحُكاَّم الأُورُوبيِّين الَّذين أوصوا بصناعتها.

ويظهر تطوُّر كبير في زخارف السَّجَّاد التُّركي في القرن السَّادس عشر الميلادي، حيث تتكوَّن زخارفه من وحدات هندسيَّة من نوع آخر. ويُنسب هذا النَّوع إلى مدينة «عشاق» ببلاد الأناضول، ويُمكن تقسيمُه إلى مجمُوعتين النَّوع الأوَّل، تعتمد زخارفه على جامة كبيرة بيضاويَّة تتوسَّط السَّجَّاد، تتكوَّن زخارفها من وحدات الأرابيسك، وتتكرَّر أجزاء هذه الجامة في أركان السَّجَّاد أو في نهايته. وهذا تقليد لطراز سجَّاجيد الجامات الَّتي بدأ في هراة في القرن السَّادس عشر الميلادي. والنَّوع الثَّاني، تتكوَّن زخارفه من مجمُوعة من الأشكال النَّجمية مُوزَّعة في صُفُوف على أرضية السَّجَّادة، وتُشبه هذه الأشكال النَّجمية الجامات الَّتي وُجدت في سجَّاجيد إيران الصَّفويَّة. وتتكوَّن زخارف هذه الأشكال النَّجمية من التَّفريعات النَّباتيَّة الأرابيسك. وتظهر في كُلٍّ من المجمُوعتين زخارف نباتية مُزهرة صغيرة فوق الأرضيَّة الحمراء التي تميِّز بها العصر التركي.

ويُنسب إلى«عشاق» أيضًا نوع من السَّجَّاد عُرف باسم سجَّاجيد الصَّلاة، وقد أنتج هذا النَّوع في مراكز مُتعدِّدة من أهمِّها: «لادك» و«كوردهيس» ومدينة «كولا» القريبة منها ويتميَّز هذا النَّوع من السَّجَّاد برسم محراب يتوسَّط السَّجَّادة بالإضافة إلى زخارف الأرابيسك. ولقد أخذت هذه المحاريب أشكالًا مُتعدِّدة، فتارة يظهر بها عمُودان أو دعامتان كما قد يتدلَّى من قمة عقد المحراب مشكاة2، وقد تشمل السَّجَّادة على محراب مُفرد أو مُزدوج أو ثُلاثي. ويُزخرف أرضيَّة هذه السّجاجيد تعبيرات مُزهرة مُختلفة كالورد والقُرُنفُل والسَّوسن، وتختفي من سجَّاجيد «كولا» الزَّخارف الَّتي تكون عتبة المحراب كما تتميَّز بسيادة اللَّونين الأصفر والأزرق. ولقد ظهرت سجَّاجيد الصَّلاة في المخطُوطات الَّتي تصور شخصيَّات دينيَّة.

ومن أنواع السَّجَّاد التُّركي نوع يُعرف باسم سجَّاد الطُّيُور، ويُزيِّن هذه السَّجاجيد زخارف مُتكرِّرة لأشكال مراوح نخيلية مُحوَّرة تبدو كأنَّها رُسُوم طُيُور محورة. وتظهر هذه الوحدات باللَّونين الأزرق والأحمر فوق الأرضيَّة البيضاء.

ويظهر في تُركيا منذ القرن السَّادس عشر الميلادي مجموعة من السَّجَّاد تختلف كثيرًا في صناعتها وفي أُسلُوب زخارفها الهندسيَّة عمَّا كان مُتَّبعًا في سجَّاجيد آسيا الصُّغرى، ويرجع أقدم هذه السَّجاجيد إلى نهاية القرن السَّادس عشر الميلادي، كما أنَّ بعضها يرجع إلى القرن السَّابع عشر الميلادي. وتتكوَّن الزَّخارف الهندسيَّة من مناطق مُختلفة الأشكال والأحجام مُتراصَّة جنبًا إلى جنب بحيث تختفي الأرضيَّة. وتتوسَّط السَّجَّاد غالبًا منطقة كبيرة هندسيَّة نجمية الشَّكل أو ذات أضلاع مُتعدِّدة. وتتكوَّن زخارف هذه المناطق من تفريعات وزخارف نباتية مُلوَّنة بالألوان الأصفر والأزرق والأخضر فوق أرضيَّة السَّجَّاد الحمراء. ويُحيط بالسَّجَّاد إطار يحتوي على مناطق هندسيَّة ذات زخارف نباتية.

وتُنسب صناعة هذا النَّوع من السَّجاجيد إلى مصانع القاهرة في العصر المملُوكي في الفترة الَّتي استولى العُثمانيون فيها على مصر من المماليك في أوائل القرن العاشر الهجري (السَّادس عشر الميلادي)، وذلك لتشابه زخارفها مع أُسلُوب الزَّخارف المملُوكيَّة، ومن أجمل سجَّاجيد هذه المجمُوعة سجَّادة من الحرير يتَّضح من زخارفها الهندسيَّة أنَّها مملُوكيَّة الأُسلُوب ولا تمُت بصلةٍ إلى الطَّرز القديمة الَّتي وُجدت في تركيا. ويظهر الاختلاف أيضًا في ألوان هذه السَّجاجيد، فيُلاحظ أنَّ اللَّونين الأخضر والأحمر الموجُودين هُما من ابتكار المصانع المملُوكيَّة في مصر، وتتشابه أطياف ألوان الإطار المُحيط بالسَّجَّادة مع ألوان زخارف الوحدات الموجُودة بالسَّجَّاد.

وفي الهند عرفت صناعة السَّجَّاد المعقُود في الفترة مُنْذ القرن الثَّالث عشر الميلادي، ويظهر في إنتاج تلك الفترة تأثُّر الهُنُود بالأساليب الإيرانية، حيث نقلوا رُسُوم الأزهار الموجُودة في السَّجاحيد الإيرانية مع إضافة بعض الأساليب الهنديَّة. ويظهر ذلك في سجَّادة مُزخرفة بوحدات مُزهرة وجامات منثُورة في تكرار مُنتظم على أرضية السَّجَّاد الحمراء. وتصل بين هذه الوحدات فُرُوع تحمل أوراقًا نباتية كبيرة ومرواح نخيلية وأزهار الزنبق. وبالرَّغم من أنَّ هذه الزَّخارف الموجُودة بالسَّجَّاد تذكَّرنا بسجاد «هراة»، إلَّا أنَّ الإطار يمتاز بأسلوب هندي سواء في شكل الوحدات النباتيَّة، أو في اختيار الألوان التي تختلف عن الألوان الإيرانية.

ولا يظهر تأثير الفن الإيراني في السَّجاجيد الَّتي تشتمل على صُور الحيوانات، حيث لا يراعي الفنَّان في توزيع العناصر الموجُودة بالسَّجَّاد التَّناسق الذي يظهر في السَّجَّاد الإيراني، بل يميل في زخرفة السَّجَّاد إلى جمع عدد كبير من العناصر ليكون منها صُورة كبيرة الشَّبه بالمخطُوطات. ومن أشهر سجَّاجيد هذا النَّوع سجَّادة بمُتحف بوسطن تظهر بها وحدات آدميَّة ونباتيَّة وحيوانيَّة وخرافية مُوزَّعة بدون ترابُط بينها على الأرضيَّة الحمراء.

 



الهوامش: 1. جامة: هي زخرفة أو نقش دائري أو بيضاوي الشَّكل، وقد تكون مُحلَّاة بالزَّخارف أو الكتابات، وتوضع كحلي للعمارة أو الأثاث.
2. مشكاة: في اللُّغة والقُرآن: كُوَّة في الحائط، أو عمُود يوضع عليه القنديل، وقد ذكرت في القرآن الكريم (سُورة النُّور: 35). وقي الفن الإسلامي: قناديل زُجاجيَّة مُزخرفة كانت تتدلَّى في المساجد لإضاءتها.
أهم المراجع: 1 -  أرنست كونل: الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي، ط3، ترجمة: أحمد موسي، القاهرة: دار الآثار العربية، 1997م.┋2 - أرنست كونل: فنون الإسلام، ط5، ترجمة: أحمد موسي، زكي محمد حسن، القاهرة: مكتبة النهضة العربية، 1998م.┋3 - زكي محمد حسن: الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي، ط1، القاهرة: وكالة الصحافة العربية، 2018م┋4 - كاظم شمهود: الطراز الفني المغولي وتأثيره على الفن الإسلامي، صحيفة المثقف، العدد: 2109، مايو 2012م.┋5 - محمد عبد العزيز مرزوق: الزخرفة المنسوجة في الأقمشة الفاطمية، القاهرة، دار المعارف، 1942م.┋6 - م. س. ديماند: الفنون الإسلامية، ط4، ترجمة: أحمد محمد عيسى، مراجعة: أحمد فكري، القاهرة: دار المعارف 1985م.┋7 - نعمت إسماعيل علام: فنون الشرق الأوسط في العصور الإسلامية، ط5، القاهرة: دار المعارف، 1992م.
8 -  Creswell‚ K.A.C. (1961). A bibliography of the architecture‚ Arts and Crafts of Islam to 1900‚ New York.
9 -  Ernst.I.Grube, Paul Hamlyn: World of Islam, London, 1970.
10 -  Longmans, Green, and co. Savory, R. M. and Roger Savory,(1976) Introduction to Islamic civilization, Cambridge University Press.
11 -  Savory, Roger (2007). Iran Under the Safavids. Cambridge University Press.
12 -  Stanford Jay Shaw; Ezel Kural. Shaw (1977). History of the Ottoman Empire and Modern Turkey. Cambridge University Press.

 

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها