نِساءٌ عَلى أَجْنِحَةِ النَّغَمَات

تأملاتٌ تأويليةٌ في معرض "نَفَسُ الأجداد، ذاكرةٌ حيةٌ" للفنانة لبنى بنشقرون

نصر الدين شردال

استطاعت الفنانة المغربية لبنى بن شقرون أنْ تثيرَ انتباه المتلقي والمتذوق للفن التشكيلي المغربي المعاصر في الآونة الأخيرة، نظراً لإخلاصها المتواصل في الاشتغال على مواضيع شديدة الارتباط بالهوية المغربية المتجددة، عبر ربطها الماضي بالحاضر، وتركيز أعمالها الصباغية على قضايا متداخلة تهمّ جمالية الحضارة المغربية في مختلف تجلياتها بوعيٍّ فنيٍّ أصيل وجديد؛ يجمعُ بين الواقعية السحرية والتشخيص التجريدي، والانطباعية التأثيرية، والهندسة المعمارية، وفن الأزياء.

ذلك ما يؤكدهُ ويدعمهُ معرضها الفني الجديد الموسوم بـ"نَفَسُ الأجداد- ذاكرة حية"، والذي أُقيم برواق الفنان المغربي الراحل محمد القاسمي بفاس من 12 إلى 24 يونيو 2026م.

تتميز هذه اللوحات الفنية بتعدد أساليبها ومواضيعها وتقنيات رسهما، وعلى العموم، هي لوحات من الحجم الكبير، أعطت فيها الفنانة حرية كبيرة للفُرشات وهي تؤثث فضاء الفراغ، مع إبراز الظل والضوء، وملامح الوجوه، وهيكلة الأشكال الهندسية والمعمارية، وما تبوح به من معان ودلالات تتخطى الأشكال الظاهرة إلى الأنساق الخفية التي يَسْتَنْبِطُها المتأمل/ المتلقي من خلال غوصه في هذه العلامات الفنية المائزة.

تتخذُ الفنانة المغربية ليلى بن شقرون من مناسبات الفرح المغربية العامة والخاصة موضوعاً جمالياً لمعرض لوحاتها الجديدة، وهي لوحات تحفر عميقاً في طبقات الممارسات الاجتماعية، لإبراز الهوية المغربية المتينة بأصولها الضاربة عميقاً في جذور الفرح والنشوة والسعادة، ولعلّ العرس المغربي وحفلات الزواج هو الموضوع الأكثر استقطاباً لاهتمام ريشتها، حيث جسّدت بعض طقوسه على اختلاف مناطق المغرب وجهاته ومدنه وقُرَاهُ.

يتجسدُ العرسُ في هذه اللوحات باعتباره احتفاءً بالعَرُوسِ في أوج زينتها وتألّقها، ففي اللوحة الأولى والكبيرة نسبياً (حوالي أربعة أمتار) تتّضحُ لنا بورتريهات لسبعِ عروساتٍ في ألقٍ بهيجٍ، يرتدين ثياب العرس، وما يرافقه من حلي مذهبة، وتيجان بهية، وأحزمة مرصعة، وأثواب حريرية، وخلفهن تبرزُ جمالية الفنّ المعماري ذو الملامح الدينية... مما يدل على غنى مناطق المغرب في الحِرَفِ والإبداع والتنوع الثقافي.
 

في تأمل اللوحة الثانية:

تُظْهِرُ اللّوحةُ أربعَ نساءٍ، مختلفاتٍ في اللّباس والعُمر والمظهر، وهنَّ في حركات راقصة مُتَمَوِّجَة مع الموسيقى، يستعرضن قفاطنهن.

تظهر العروسُ ذات التاج الذهبي، وأختها الكبرى، وأمها على رأسها المنديل، وأختها الشابة ذات الشعر الأشقر المتطاير في غنجٍ وزهوٍ إلى الخلف... فيما خلفهن تنتصبُ الأعمدةُ ذات الأقواس المزخرفة، شاهدة على تاريخٍ معماريٍ عميقٍ، لتمتد المساحة على طرف المدينة القديمة ذات المئات من المآذن الشامخة، ثمّ ترتمي أقصى اللوحة على الطبيعة الداكنة التي يكلّلها شجر الأرز والنخيل، لتنتهي اللوحة بالظلام الليلي المسدل على جبال الأطلس... خلف النساء الفرحات والرقصات تظهر جدران وأسقف ونوافذ وصالونات ناطقة بفنون الزخرفة المغربية والحضارة الأندلسية، والتشكيلات الفسيفسائية للزليج المغربي الذي تفنن الصانعُ المغربي الفاسي في هندسته وإبداعه...

هكذا -نرى كيف- يتعاضدُ اللّون مع الضوء، والمسافة القريبة مع المسافة البعيدة، مع قدرة الفنانة على الملاءمة بين الكتلة والفراغ، والشكل والمضمون، والرموز والعلامات، الدالة على الهُوية العربية والمغربية.

تركزُ الفنانة على الربط بين الأصالة والمعاصرة، بين الماضي والحاضر، بين المرأة والرجل، بين الصورة والصوت، بين النقش والعلامة... وهذه الثنائيات المتضادة هي ما يؤسسُ للمعاني الجمالية في لوحاتها، ويعطيها طابعاً جدلياً قائماً على التعدّدية والاختلاف.

تعكس هذه اللوحات الجدران والزليج والعلاقات الإنسانية، وعلاقة الإنسان مع المكان، الزواج، الحب، الأخوة، الصداقات، الأعراس، الولادة، الأناقة، الأصالة، والروح المغربية المتجددة.

لا تسعى الفنانة إلى القبض على لحظة الفرح في العائلة المغربية فحسب، بل تسعى إلى القبض على ما وراء الفرح، الحلي وأدوات الزينة والتجميل... هكذا تعكسُ الألوان الخفيفةُ والهادئةُ الهدوءَ والسكونَ وما تنعمُ به النسوةُ خلف أسوار المدينة القديمة من وفرة الإمكانيات، فيما تعكس الألوان الباهتة والمُعتمة ما تعانيه المرأة القروية والجبلية البعيدة في الهامش، غير أنّ الفرحَ علامةٌ لونيةٌ تتأكدُ في كلّ لوحة، باعتباره علامةً أيقونةً وسيمائيةً توجهُ المعنى، وتجمع بين مدلولات كلّ اللّوحات... وهذا ما يؤكدُ على رغبة هذه الشخصيات النسائية المرسومة في تجاوز وضعياتهن، والتّعبير عن فرحتهن وحريتهن، وفي الآن نفسه، تعبّرُ عن تمسكهن وتعلّقهن بعادتِهن وتقاليدهن ووطنهن ومغربيتهن الأصيلة.

استطاعت الفنانة أن تقبض على لحظاتٍ شديدةِ الحساسيةِ من حياةِ الأعراسِ المغربية، وأن تقبض على الصوت، وتوطنه على فضاء اللوحة، من خلال رصد حركات الرقص، وإيقاعات الآلات، وتمايل النساء، ورقصات الضفائر على الأكتاف، وتموّج الألوان المضيئة والباهتة والداكنة وهي تتدرج على فضاءات اللوحات.

ويبقى الموضوع الرئيس في هذه اللوحات هو المرأة المغربية في مختلف مجالات اشتغالها، وقد جعلت منه الفنانة رمزاً وقضية تعبر به من خلالها باللون، وأن تجعل منه عرائس راقصات على أجنحة النّغمات.

تسعى هذه اللوحة إلى بلورة الحضور الجمالي للعَرُوس وهي فوق "العمارية" وسط الفنانات الشعبيات اللواتي يجللن بهاء الموقف، فيما العروسُ في لباسها الذهبي، في جمالٍ وحياءٍ كأنّها محمولةٌ على أجنحة حمائم السعادة والفرح.

في معظم اللوحات الفنية للفنانة تتحول المساحة الفنية إلى نوعٍ من التأريخِ الفنيِّ الحيِّ لمشاهدَ هاربةٍ من ذاكرة أجدادنا، وهنا تكمنُ قيمة الفنّ؛ قيمته في القبض على الهارب والمنسي والهامشي، وتحويلهِ إلى نموذجٍ حيٍّ للذكرى، صامد في وجه الزمن.

وَعيٌ جَماعي:

يحضر الرجل إلى جانب المرأة كمشارك في طقوسها ومساهم في هذه الفرحة بلباسه التقليدي وآلاته وما يستلزمه الانخراط في ممارسة هذا الفرح، سواء كان بشكل فردي أو جماعي متناعم، يدل على رغبته في البناء والتأثيث والمشاركة.

ولعلَّ الفرق الموسيقية والأجواق الشعبية في مقدمة هذه الأصناف، مثل ذلك هذه اللوحة التي أجادت الفنانة في الاشتغال على فضائها الكبير، والاشتغال على الفضاءات الكبيرة سمة مميزة لهذه الفنانة، وهو من أصعب الانشغالات نظراً لما يتطلبه من تركيز وجهد وصعوبات للفراغ والمساحة، والجمع بين التناقضات والألوان والتداخلات، لنتأمل اللوحة:

لا تعبر هذه اللوحة عن ذكريات الفنانة وطفولتها فحسب، وعلاقتها بالسماع الصوفي، والطرب الغرناطي؛ إنما هي تعبيرٌ عن "وعيٍّ جمعيٍّ"، ونداء بصري لأعماقنا، واستجابة سماعية لوجدانِ فنِّ الغناء الأندلسي الذي طالما رافقنا في الحفلات والمناسبات والأعياد.

تشدُّ اللوحة انتباهنا، وتجعلنا نتأمل هندسة الصياغة الفنية الدقيقة لحركات الفنانين العازفين، وأناقتهم المفرطة: الجلابيبُ التقليدية الناصعة البياض (باستثناء الصفراء للقائد في الوسط)، والنعال الصفراء، والطرابيش الحمراء، وحركة الأيدي المتناغمة في إيقاعٍ موّحدٍ.

ألم تستطع الفنانة تحويل الصوت إلى لون؟ وتحويل لحظة الفرح إلى صورة لونية ثابتة؟ إنّها شعرية القبض على اللحظة، القبض على النغم، على الحركة، على اللون، على دخان البخور، وكأنَّ الكمجات تبكي على زمن أندلسي قد لا يعود، لكنّ أنساقه مستمرة في الوجدان والقلوب والذاكرة، دون أن ننسى الزوايا المعتمة التي بِقَدْرِ ما أعتمتْ المكان الخلفي، بقدر ما أضاءت المكان الأمامي، وجعلت اللون الأبيض مهيمنا على فضاء اللوحة وإطارها البصري.

لم تنسَ الفنانة تجسيد الكثير من البورتيرهات لعرائس من مختلف مناطق المغرب في لوحات صغيرة دالة ومعبرة، من خلال اللون، وأن تصل إلى أعماق أنفسهن، وما تبوح به هذه الملامح من محن وقهر وظلم وتطلع وفرح كذلك، وهي ملامح حادة أحياناً، لكنها تحمل جمالا طبيعياً أخاذاً لم تنل منه مغريات الحياة الجديدة، وظلّ محافظاً على أصالته ورقته الفارهة.

 

ختاماً؛
لقد سعت الفنانة المتألقة لبنى بن شقرون من خلال معرضها "نَفَسُ الأجداد، ذاكرة حية"، إلى أن تجدّد التراث، وتغوص في تفاصيله الصغيرة، وتلتقط النقط المشرقة فيه، لإضاءة الحاضر، وأن يكون الفن متنفساً ومَهْرَباً للإنسان من جحيم الآلة، ولهيب التكنولوجية، وزحمة الوقت، وقلق الحاضر.

هكذا تتداخلُ في أعمالِ الفنانة لبنى بن شقرون أشكالٌ عديدةٌ من البوحِ والتّعبيرِ، من العادات والتاريخ والدين والحياة الاجتماعية والثقافية؛ لذا فإنّ أعمالها هذه ليست مجرد رسومات وألوان، بل رموز ورسائل ومواقف دالة، تحققُ المتعة البصرية، وتسترجعُ الأمجاد والذكريات، وتستشرف المستقبل بوهج الحاضر.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها