ليست الأسماء الكبرى في تاريخ الحضارات ألفاظًا تُستعاد للزينة، ولا عناوين تُمنح للمباني على سبيل المجاز، بل هي علامات على معانٍ عميقة استطاعت أن تعبر الأزمنة، وأن تحتفظ بقدرتها على الإيحاء كلما وجدت من يوقظ روحها في زمن جديد. ومن بين هذه الأسماء ينهض اسم بيت الحكمة؛ اسم لا يحيل إلى دار كتب فحسب، بل إلى لحظة من لحظات الوعي العربي والإسلامي حين أدركت الدولة أن الكتاب ليس زينة للقصور، وأن المعرفة ليست ترفًا للنخبة، وأن الحاكم إذا رعى العلم فقد منح حكمه معنى أبقى من سلطان السياسة وأوسع من حدود الإدارة.

في الذاكرة العباسية ارتبط بيت الحكمة ببغداد؛ تلك المدينة التي عرفت كيف تجعل من العقل هيبة أخرى إلى جانب هيبة الخلافة. لم تكن بغداد يومئذ عاصمة للحكم وحده، بل مدينة للكتاب والدرس والمناظرة، تلتقي فيها اللغات والمعارف، ويجتمع في رحابها العلماء والنساخ والمترجمون وأصحاب النظر. وهناك أخذ الكتاب مكانه في قلب المشروع الحضاري، لا بوصفه مادة محفوظة على الرفوف، بل بوصفه قوة قادرة على توسيع أفق الإنسان، وصناعة وعيه، وإدخاله في حوار عميق مع تراث الأمم ومع أسئلة عصره.
ولذلك لم يكن بيت الحكمة بناءً انقضى بانقضاء زمنه، بل صار رمزًا لفكرة لا تشيخ: أن الأمة لا تنهض إلا إذا جعلت للمعرفة بيتًا، وللكتاب مقامًا، وللعقل رعاية. فالكتب قد تتراكم في الخزائن، غير أن الحضارة لا تبدأ من تراكم الكتاب وحده، بل من تحويل الكتاب إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى عادة ثقافية، والعادة الثقافية إلى وعي عام. عند هذه اللحظة يصبح الكتاب جزءًا من مصير المدينة، لا مجرد أثر من آثارها.
ولا ينبغي أن يُقرأ بيت الحكمة القديم قراءة أسطورية تبالغ في تفاصيله، ولا قراءة جافة تُفرغه من دلالته. فالمصادر القديمة تذكر عالم الكتب والمترجمين والخزائن وأصحاب الصنعة العلمية، كما تنبه الدراسات الحديثة إلى أن بيت الحكمة كان جزءًا من حركة أوسع في بغداد العباسية، لا المؤسسة الوحيدة التي صنعت الترجمة والعلم. غير أن هذا لا ينقص من رمزيته، بل يزيدها دقة؛ فقد كان عنوانًا لتحول عميق جعل المعرفة شأنًا من شؤون الدولة والمجتمع معًا، وجعل الكتاب حاضرًا في صلب صورة الحكم لا في هامشه.
ومن هذا المعنى يكتسب بيت الحكمة في الشارقة قيمته الخاصة. فهو لا يستدعي اسم بغداد على سبيل الحنين، ولا يعيد الماضي في صورة لفظية، بل يستعيد روحه في زمن جديد. فالشارقة لم تأخذ الاسم لتعلقه على بناء حديث؛ وإنما لتقول إن الحكمة التي عرفت طريقها إلى بغداد قد وجدت اليوم في الخليج العربي مدينةً تصغي إليها، وحاكمًا يؤمن بها، ومجتمعًا يُدعى إلى أن يجعل الكتاب جزءًا من حياته اليومية.
وليس هذا المعنى غريبًا عن الشارقة؛ تلك المدينة التي اختارت منذ عقود أن تعرف نفسها بالثقافة قبل الواجهة، وبالكتاب قبل البريق، وبالإنسان قبل الحجر. في زمن تتسابق فيه المدن إلى المشهد السريع، آثرت الشارقة أن تبني حضورها من الداخل: مكتبات، ومتاحف، وجامعات، ومسرح، وتراث، ومعارض كتب، ومؤسسات معرفة. ولهذا استحقت في الوجدان العربي أن تُقرأ بوصفها شارقة الشَّرق؛ لا لأنها جهة من جهات الخريطة فحسب، بل لأنها أشرقت بالكتاب على معنى المدينة العربية الحديثة.

وفي قلب هذا المشروع يقف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، لا بوصفه راعيًا للثقافة من بعيد، بل بوصفه واحدًا من أهلها الكبار: كاتبًا، ومؤرخًا، وباحثًا، ومسرحيًا، وصاحب مشروع طويل في خدمة الكتاب والذاكرة واللغة.
وهذه الخصوصية تمنح التجربة الشارقية صدقها وعمقها؛ فالمؤسسات الثقافية فيها لا تبدو قرارات إدارية عابرة، بل امتدادًا طبيعيًا لشخصية حاكم جعل المعرفة جزءًا من مسؤوليته، والكتاب جزءًا من ضمير الحكم، والتاريخ ركيزة من ركائز بناء الإنسان.
وهنا تتجلى الحكمة في معناها الأرفع. فالحِكْمَة ليست كلامًا بليغًا عن العلم، بل قدرة على تحويل العلم إلى مؤسسات. وليست محبة الكتاب أن يُذكر في الخطب، بل أن يُبنى له مكان، وأن تُفتح له أبواب، وأن يُجعل قريبًا من الطفل والطالب والباحث والقارئ والزائر. وقد أدرك سلطان القاسمي أن المدينة لا تخلد بعمارتها وحدها، بل بما تخلقه من وعي، وما تحفظه من ذاكرة، وما تتيحه من فرص للمعرفة.
من هنا جاء بيت الحكمة في الشارقة، معلمًا ثقافيًا ومعماريًا افتتحه صاحب السمو حاكم الشارقة في 9 ديسمبر 2020، قريبًا من المدينة الجامعية، ومرتبطًا بإرث اختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب عام 2019. لم يكن افتتاحه مجرد إضافة إلى مشهد المدينة، بل تثبيتًا لمعنى أعمق: أن الشارقة التي احتفى بها العالم بوصفها مدينة للكتاب أرادت أن تترك لهذا اللقب أثرًا حيًا، لا ذكرى احتفالية عابرة.
واللافت في هذا البيت أنه لا يكرر صورة المكتبة القديمة، ولا يكتفي بصفوف الأرفف وقاعات الصمت، بل يقدم تصورًا جديدًا للمكتبة بوصفها فضاءً للقراءة والبحث والتفاعل والحوار والفن والتقنية واللقاء الإنساني. فهو بيت للكتاب، نعم، لكنه كذلك بيت للإنسان الذي يقرأ ويسأل ويتأمل ويشارك. وفي هذا التحول وفاء عميق للتراث؛ فالوفاء للماضي لا يعني أن ننسخ شكله، بل أن نحيي وظيفته ونمنحها أدوات العصر.
كان بيت الحكمة في بغداد يلبي حاجة زمنه: جمع المعرفة، وحفظ الكتب، ورعاية العلماء، وفتح المجال أمام العقل. أما بيت الحكمة في الشارقة فيلبي حاجة زمن آخر: إعادة وصل الإنسان بالكتاب في عصر تتزاحم فيه الشاشات، وتتدفق فيه المعلومات، ويصبح الوصول إلى النص أيسر من الوصول إلى المعنى. فالعصر الحديث لا يعاني من ندرة المعلومات بقدر ما يعاني من اضطرابها، وهنا تصبح المكتبة الحديثة ضرورة ثقافية؛ لأنها لا تحفظ الكتب فقط، بل تهذب العلاقة بين الإنسان والمعرفة.
إن الربط بين بيت الحكمة العباسي وبيت الحكمة في الشارقة لا يقوم على تشابه الاسم، بل على وحدة الوظيفة الحضارية. هناك، في بغداد، مثّل بيت الحكمة وعي الدولة بقيمة العلم. وهنا، في الشارقة، يمثل بيت الحكمة وعي المدينة الحديثة بقيمة الثقافة. هناك كان الكتاب جزءًا من بناء الحضارة في عصرها، وهنا يغدو الكتاب طريقًا لحماية الإنسان من الفراغ الثقافي، وتثبيت صلته بلغته وذاكرته ومحيطه والعالم.

وقد جاء اختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب عام 2019 اعترافًا دوليًا بمسار الإمارة في خدمة القراءة والكتاب. ولم يكن هذا الاختيار لقبًا احتفاليًا ينتهي بانتهاء عامه، بل تتويجًا لتراكم طويل، ولرؤية جعلت الكتاب في مركز السياسات الثقافية. من هنا بدا بيت الحكمة كأنه الأثر المعماري والمعرفي لذلك التتويج؛ مبنى يقول إن الاحتفاء بالكتاب لا يكون بالمهرجانات وحدها، بل بترك مؤسسة تبقى بعد انقضاء الاحتفال.
وتكمن قوة التجربة الشارقية في أن الثقافة فيها ليست جزيرة منفصلة عن الحياة العامة. فمعرض الشارقة الدولي للكتاب، والمكتبات العامة، والمتاحف، والجامعات، والمراكز الثقافية، ومشروعات النشر والتراث، كلها تشكل سياقًا واحدًا. وبيت الحكمة، في هذا السياق، ليس مبنى منفردًا، بل قلب رمزي داخل جسد ثقافي واسع، يضخ معنى الكتاب في شرايين المدينة.
وليس المقصود أن نجعل الشارقة نسخة جديدة من بغداد؛ فلكل مدينة زمنها وشرطها ورسالتها. بغداد العباسية كانت ابنة عصر الخلافة وحركة العلوم الكبرى، والشارقة المعاصرة ابنة زمن الدولة الحديثة، والتقنية، والمجتمع المتغير، والانفتاح الثقافي. غير أن المدن العظيمة تلتقي في نقطة واحدة: أن المعرفة هي ما يمنح العمران روحه. فقد تبني المدينة طرقًا وأبراجًا وأسواقًا، لكنها لا تمتلك ذاكرة إلا حين تجعل للكتاب مكانًا في قلبها.
ومن هنا يصبح بيت الحكمة في الشارقة بيانًا حضاريًا هادئًا. إنه يقول إن المكتبة لم تفقد دورها في زمن التقنية، وإن الكتاب لم يصبح أثرًا قديمًا، وإن الحكمة يمكن أن تلبس ثوبًا جديدًا دون أن تفقد أصلها. فالمكتبة الحديثة لا تناقض التراث، بل تمده بأدوات العصر؛ والقراءة الرقمية لا تلغي الكتاب، بل توسع طرق الوصول إليه؛ والحوار الثقافي لا يضعف الهُوية، بل يمنحها ثقة أوسع بنفسها.
ولعل أجمل ما في اسم بيت الحكمة أنه يجمع بين المعرفة والاتزان. فالمعرفة قد تكون تراكمًا، أما الحكمة فهي حسن استخدام هذا التراكم. والمعرفة قد تملأ الرفوف، أما الحكمة فتسكن الإنسان. وهذا ما يجعل بيت الحكمة في الشارقة أكثر من مكتبة؛ إنه دعوة إلى أن يكون الكتاب طريقًا إلى التوازن، وأن يكون الانفتاح مقترنًا بالوعي، وأن تكون الحداثة متصلة بالجذور لا قاطعة لها.
وفي زمن سريع يراهن كثيرًا على الصورة العابرة، يبدو مشروع الشارقة الثقافي رهانًا على البقاء. فالصورة تلمع ثم تنطفئ، أما الكتاب فيبقى. والحدث الثقافي ينتهي، أما المؤسسة فتستمر. ومن هنا تبرز قيمة بيت الحكمة: إنه ليس احتفالًا بالثقافة، بل إقامة لها في مكان، ومنحها عنوانًا، وفتحها أمام الناس. إنه يذكّرنا بأن المعرفة لا تُصان بالشعارات، بل بالبيوت التي تأويها، وبالمدن التي تحسن الإصغاء إليها.

وفي النهاية، يظل بيت الحكمة اسمًا يربط بين مجد عربي قديم ورؤية عربية معاصرة. من بغداد التي جعلت الكتاب شأنًا من شؤون الحضارة، إلى الشارقة التي جعلت الكتاب شأنًا من شؤون المدينة الحديثة، يمتد خيط ناصع من الإيمان بالمعرفة. وإذا كان بيت الحكمة العباسي قد حفظ في الذاكرة معنى الدولة التي ترعى العقل، فإن بيت الحكمة في الشارقة يجدد المعنى ذاته في عصرنا: أن الحاكم حين يؤمن بالكتاب لا يبني مكتبة فقط، بل يبني إنسانًا؛ وأن المدينة حين تفتح بيتًا للحكمة لا تضيف مبنى إلى خرائطها، بل تضيف أفقًا إلى روحها.
وهكذا تبدو الشارقة، شارقة الشَّرق، مدينةً تجعل من الكتاب نورًا لعمرانها، ومن الحكمة عنوانًا لمستقبلها، ومن بيت الحكمة جسرًا بين ذاكرة بغداد ورؤية سلطان القاسمي؛ جسرًا يقول إن الحضارة لا تُستعاد بالحنين وحده، بل تُستعاد حين تجد الفكرة القديمة مؤسسة جديدة تحملها إلى الغد.
المراجع:
1. ابن النديم، الفهرست، تحقيق رضا تجدد، طهران، 1971، ص: 255.
2. ياقوت الحموي، معجم الأدباء، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1993، جـ4، ص: 1760–1761.
3. ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق نزار رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت، د.ت، ص: 257–260.
4. القفطي، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، تحقيق يوليوس ليبرت، لايبزيغ، 1903، ص: 171–173.
5. Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early Abbasid Society, Routledge, London and New York, 1998, pp. 28–34.
6. Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, pp. 58–60.
7. Franz Rosenthal, The Classical Heritage in Islam, translated by Emile and Jenny Marmorstein, Routledge, London, 1975, pp. 6–10.
8. George Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance, MIT Press, Cambridge, 2007, pp. 3–10.
9. George Makdisi, The Rise of Colleges: Institutions of Learning in Islam and the West, Edinburgh University Press, 1981, pp. 10–15.
10. Hugh Kennedy, The Court of the Caliphs: The Rise and Fall of Islam’s Greatest Dynasty, Weidenfeld & Nicolson, London, 2004, pp. 178–185.
11. الموقع الرسمي لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، خبر: «سلطان يفتتح بيت الحكمة أحدث نموذج في العالم لمكتبات المستقبل»، 9 ديسمبر 2020.
12. House of Wisdom, Sharjah, “About House of Wisdom”.
13. UNESCO, “Sharjah World Book Capital 2019”.
14. Sharjah World Book Capital 2019.
15. هيئة الشارقة للكتاب، مواد تعريفية عن معرض الشارقة الدولي للكتاب ومشروعات القراءة والنشر.