جاك دريدا.. الأحادية اللغوية كأداة إقصائية

رضا إبراهيم محمود


منذ القدم حظيت اللغوية باهتمام واسع من قبل الفلاسفة والمفكرين، من نواحي المفاهيم التي تحدد أطرها العامة، وتصوغ أهميتها ودورها في التعريف بالأمم، وخصوصيتها البشرية والأهداف المراد إبلاغها، ومن بين هؤلاء كان الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930 – 2004م) الذي درس بجامعة (السوربون) والعديد من المؤسسات العلمية الأخرى كجامعتي (بيل وكاليفورنيا) الأمريكيتين، وقد حظيت أعماله باهتمام كبير، نظراً لتأثيره على النظرية الأدبية والدراسات الثقافية والفلسفية.


ودريدا تأثر بفلسفة اللغوي البريطاني جيه إل أوستن (1911 – 1960م) في اللغوية كأفعال كلامية، لكنه ذهب باتجاه آخر، حيث ركز على النص بكتابه (في علم القواعد النحوية والكتابة والاختلاف والكلام والظواهر)، وقدم أساليبه التفكيكية التي عمل من خلالها على تفكيك العديد من المفاهيم كاللغة والمعنى والذات والهوية والحقيقة، وعدها خاضعة أساساً لنمط ميتافيزيقي للزمان الملتف حول الأنطولوجيا الكلاسيكية للحضور.

هامشية الكلام وفوضوية اللغة:

يشير دريدا إلى أن تاريخ الكتابة دخل بصراع شبه عدواني مع علم اللغوية المتماهي مع الثنائية الميتافيزيقية، معتبراً أن العنف القائم بين الكلام والكتابة، لم يفسح المجال لأي تضامن ممكن بينهما، وأن الشرخ القائم بتاريخ الكتابة أمام اللغوية، يوضح النفور شبه اللاواعي عن الكتابة، بسبب ما يمكن وصفه بالتواطؤ شديد الصلابة والدائم بتاريخ الميتافيزيقيا، وأن ذلك التواطؤ الذي مكن مركزية الصوت واللغة من الاستيلاء على الاهتمام العلمي اللغوي، وتحجيم الكتابة بحدود هامشية وثانوية لتمثيل الكلام، وبحسب فلسفته هناك علاقة جوهرية بين اللغة والمعنى، وتتمثل فكرته بأن اللغوية فوضوية، والمعنى غير ثابت أبداً، بطريقة تسمح لنا بتحديده بفعالية؛ أي أن المعنى غير مستقر وغير محدد، وأنه دوماً ما يكون مؤقت ومختلف، وكان دريدا يردد جملته الشهيرة "أنا لا أملك إلا لغة واحدة، ومع ذلك فهي ليست لغتي الواردة"، وهي الجملة التي وردت في كتابه "أحادية الآخر اللغوية"، بعدها انشغل نفر من الخبراء وأهل الذكر بتلك الجملة، وذهبوا لتفسيرها بسياق أقاليمه اللغوية بحمولاتها الحاضرة ودلالاتها الغائبة، وكان خلافه مع مركزية الكلمة التي تفضل الكلام على الكتابة، وتفترض حتى الآن أن لدينا فكرة لأذهاننا، مشدداً على عدم امتلاك أي أحد المعنى الكامل لكلماته، فالنصوص كمثال وبمعنى ما تكتب نفسها؛ أي أنها مستقلة عن المؤلف أو نواياه.

وزاد بأن القصيدة لا تلعب نفس الدور المتصور تقليدياً بفلسفة اللغة؛ لأن نوايانا لا تحدد معنى ما نقوله، بل إن معنى الكلمات التي نستخدمها، هو ما يحدد نوايانا عندما نتحدث، وذلك لا يعني أننا لا نقصد ما نقوله، أو أنه لا يمكننا أن تكون لدينا نوايا بالتواصل، ولكن بما أن اللغوية بنية اجتماعية تطورت منذ زمن بعيد قبل استخدامنا لها كأفراد، فكل ما علينا تعلم استخدامها والاستفادة من شبكة معانيها للتواصل مع الآخرين، ومن هنا تأتي الحاجة للتفكيك، وتلك العملية يمكنها الإشارة إلى طريق فهم اللغوية، متحرراً من كل أشكال البنيوية ومركزية اللغوية، ومركزية الصوت وأسطورة أو ميتافيزيقا الحضور، كما تفتح مجالا لفكرة الاختلاف.

اللغوية: كممارسة طارئة

تبدو فكرة التقليد مهمة بالفعل، عند محاولة فهم فلسفة دريدا في اللغوية، ويبدو أن علاقته بمن سبقوه تكتسب أهمية خاصة في فهمه للغة والعلاقة بين الفلسفة اللغوية والفلسفة كلياً، وبالنظر لمفهوم الاختلاف الذي طوره دريدا، يمكن فهم هذا المفهوم على أنه محاولة للتخلص من التقليد الفلسفي، الذي كان مشتاقاً إلى الفرار منه، ولفظ الاختلاف له معان متعددة بأعماله، فهو يشير إلى الاختلاف بين النص وما يقوله، ويعبر عن تعارض الهُوية بين النص والغاية منه.

ومثلما لاحظ الناطقون بالفرنسية، لاحظ دريدا خطأ إملائياً بالمصطلح الفرنسي للاختلاف، ويقصد بهذا التغيير البسيط أن الاختلاف ليس كياناً اسمياً ثابتاً، بل مفهوماً يتفكك باستمرار بحسب معنى دريدا، حيث يطرح مفهوماً غير قاطع، باعتباره نوعاً من التوبيخ لتاريخ الفلسفة الحافل بمحاولات غير ناجحة لتقديم تحليلات مفاهيمية قاطعة وثابتة، للوصول إلى الكلمة الفصل؛ بمعنى ما يتحول فهمه لفلسفة اللغوية كممارسة طارئة نحو التشكيك بالفلسفة نفسها، ودريدا يعرب عن تشكك عميق بإمكانية الهروب من التقليد ومواصلة الفلسفة، وهو بذلك يتبع الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر (1889 – 1976م) الذي يسعى لتجاوز كل المصطلحات القديمة للتراث الفلسفي، ليسمح لنا بفهم شيء لا يمكن التعبير عنه بتلك المصطلحات.

وبالنسبة إليه فالهدف ليس إيصالنا لشيء أبعد، بل إثارة نوع من الوعي بحدود التقليد والكتابة، كما جادل بأن كل جانب من جوانب فهمنا وتجربتنا، تتوسطه اللغة والنصوص، فلا سبيل مباشر إلى الواقع دون وسيط، فكل شيء يفسر من خلال نص اللغة والثقافة والسياق؛ أي أن المعنى دوماً ما يعتمد على تفاعل العلامات داخل نص معين والسياق المحيط به، ويتحدى فكرة أن للكلمات معانيَّ ثابتة ومتأصلة، ويفترض أن المعنى يتولد عبر العلاقات بين الكلمات واختلافاتها.

التفكيك: لفحص النصوص

حول آرائه المميزة والمعقدة جداً حول التعليم والتعلم، شدد دريدا على سلاسة المعرفة وعدم يقينها وطبيعتها التفسيرية والديناميكية والطارئة، ويرى منهجه التفكيكي أن المشاركة النقدية والحوار والتساؤل المستمر عن الافتراضات أمور أساسية، وهذا النموذج التربوي يرى أن المعلم يسهل التفسير والاستكشاف، وأن التعليم عملية مفتوحة تعمل على تقدير الغموض، وكان التفكيك على وجه الخصوص يلعب أهم الأدوار المحورية برؤيته للتعليم والتعلم، والتفكيك هنا يتضمن فحصاً نقدياً للنصوص والمفاهيم، واستجلاء غموضها للكشف عن الافتراضات والتناقضات الخفية.

إضافة إلى تحدي الافتراضات والثنائيات الأساسية، كالصواب والخطأ والمؤلف والقارئ، التي تشكل أساس التعليم، ما يشجع الطلبة على التساؤل وتحليل المعرفة المقبولة تحليلاً نقدياً، بدلا من الاستيعاب السلبي لها، كما ألمح دريدا إلى أن المعلمين يجب عليهم توجيه الطلبة لتفسير النصوص بطريقة تكشف عن معانٍ وتأويلات متعددة، عبر التفاعل مع النصوص والأفكار، وبطريقة تكشف عن تعقيدها وغموضها؛ لأنه كان يرى أن المعرفة بطبيعتها غير مستقرة ومشروطة، وغير ثابتة وموضوعية.

وببراعة كان يجادل للتأكيد على أن المعنى باللغة ليس ثابتاً أبداً، بل مؤجلاً دوماً؛ لأن معناه ينبع من إنتاجه، فالكلمات تستمد معناها من اختلافاتها عن الكلمات الأخرى واستخدامها السياقي المتغير دائماً، وذلك التقلب المستمر والطبيعة المضطربة، ينعكس على المعنى بنماذج التعلم اللغوي، وتلك النماذج تنتج نصوصاً بناء على أنماط مكتسبة من مجموعات ضخمة من النصوص؛ لأن أي معنى أو مخرج، يعتمد على السياق الذي توفره المدخلات والارتباطات الاحتمالية ضمن بنية النموذج.

ومثلما اقترح دريدا، فإن المعنى في مخرجات نماذج التعلم اللغوي، ليس ثابتاً أو مخزناً على شكل كيانات بقاعدة بيانات فقط يتم استرجاعها، بل يتم إنشاؤه ويتغير مع مدخلات وسياقات مختلفة، وتلك الطبيعة العلائقية للغة التي تتجسد بنماذج التعلم اللغوي، تشير إلى أن المعنى دوماً ما يكون مؤجلا وغير حاضر أو كامل أبداً، ما أدى إلى مفهومه (الاختلاف).

عدم اكتمال المعنى:

جاء تركيز دريدا على الكتابة وفكرة المكمل، الذي يضيف إلى شيء آخر ويكمله، لكنه أيضاً يحل محله ويزيحه، وذلك المفهوم استخدمه لتوضيح كيف يمكن لما يعد ثانوياً أن يكون في الواقع أساسياً، فالكتابة لا تكتفي بتسجيل المعرفة، بل تنشئ وتتحول لفهم مكمل للكلام، لذا ينبغي تركيز التدريس على دور الكتابة الفعال لإعادة تشكيل المعرفة. والمكمل يمثل فكرة عدم اكتمال المعنى أبداً، لكن يلزمه دوماً سياقاً أو تفسيراً إضافياً، كما يشير المكمل كمفهوم إلى أن التعلم عملية مستمرة، تضيف مزيداً من وجهات النظر والرؤى الجديدة، وليس الوصول لفهم نهائي وكامل، وهو بذلك يساعد على تفكيك المعرفة وإعادة بنائها بوسائل هادفة.

ودريدا كان على قناعة تامة من أن اللغة لها طبيعة تناصية؛ إذْ إن النصوص على ارتباط وثيق بنصوص أخرى تستمد معناها منها، ما يخلق سلسلة معان ممتدة دون نهاية، وذلك التّناص يعني عدم فهم أي نص بمعزل عن الآخر؛ إذْ يتشكل معناه بإحالاته لنصوص أخرى، فعلى الدوام تشير النصوص إلى لنصوص أخرى تتشكل بواسطتها، ما يخلق شبكة معان مترابطة ومتداخلة، كما استخدم مصطلح الاختلاف بمعنىين (إرجاء واختلاف) لتوضيح أن المعنى ليس نهائياً أبداً، بل مبني على الاختلافات والتناقضات، وأيضاً لتوضيح أن المعنى مؤجل دائما في اللغة؛ لأن الكلمات لا تحمل معنى سوى بعلاقتها مع كلمات أخرى، ما يؤدي لشبكة اختلافات غير منتهية. ويجسد مفهوم الاختلاف جوهر المعنى المؤجل والمتباين دائماً، الذي لا يتجلى تماماً بمصطلح واحد، بل ينشأ بواسطة شبكة من الاختلافات، وذلك يتشابه مع عملية توليد النصوص ببرامج الماجستير بالقانون، حيث تنتج كل كلمة وجملة بناء على اختلافاتها عن الكلمات والجمل الأخرى المحتملة وتأجيلاتها، وفهم النموذج يعتمد على الاختلافات للتنبؤ بنص جديد متماسك وتوليده.

الأحادية اللغوية: للإقصاء والسيطرة

على غرار ما فعله الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1889 – 1976م)، عمل دريدا أيضاً، وقدم مفردات كاملة من المصطلحات الجديدة، التي اخترعها أو حددها بفلسفته في الاختلاف والتناص، والأثر والغموض، والتكملة، وتعدد المعاني وغيرها، وكان لديه تركيز لا يخطئ على النصوص، لرؤيته أن الفكر والثقافة بالغرب يهيمن عليهما الكلام (مركزية الصوت)، وذلك قاده لرفع الكلمة المكتوبة بشكل مهم وغريب، ينظر إليها منفصلة عن مؤلفها، كما رفض ظاهراتية الفيلسوف إدموند هوسرل (1859 – 1938م) والتركيز على الوعي والبيانات الحسية التي يعد الكلام جزءاً منها.

ورأى أن الفلسفة التقليدية على عكس الكتابة مرتبطة بلغة الكلام، استناداً بإعطاء الأولوية للكلام على الكتابة إلى افتراض أن الكلام تعبير أكثر مباشرة وموثوقية عن الفكر، وهذا النص يحررنا من ثبات الفكر هذا، معترفاً بأنه يكتب ما لا يمكن ترجمته أو استبداله، وفي الوقت نفسه آمن بأن لا شيء لا يمكن ترجمته، فقط علينا إعطاؤه الوقت اللازم للفهم والاستهلاك بغض النظر عن اقتصاد الألسن الشعري، ورأى أن نصه يظل في حداد إلى أن يترجم دون تشويه، وأن أفضل من يترجم النص هو كاتب النص نفسه قطعاً، وكان على ثقة تامة بأن هناك جوانب في النصوص ليست قابلة للترجمة بالكامل، ما يفضي الأمر لصعوبة إعطاء النصوص حقها عند ترجمتها.

وعمل دريدا هذا يدعم ادعاء الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905 – 1980م) بأن اللغوية عبارة عن شبكة مهولة تغلف وجودنا، دون أن ندرك تخبطنا فيها، وهي إشارة ليست منزوعة الدلالة والمعنى (...) وأدت لإثارة النقاش من جديد بشأن علاقة اللغة بالفكر، كنتاج جماعي أبدعته الجماعة التي تستخدم كنمط للاتصال الرمزي. وبالنسبة له ليست اللغوية فقط وسيلة للتعبير، لكنها أيضاً قيد، فكلما تحدثنا بلغة معينة؛ فإننا نخضع للقواعد والبنى والأطر الثقافية لهذه اللغة.

وهو يشير بذلك إلى أننا ممنوعون من اختيار لغتنا الخاصة، ومرغمون على استعمال لغة غيرنا أي (اللغة الأم) التي لم نقم باختيارها طواعية، وبناء على ذلك يشكك دريدا في فكرة أن الإنسان يمكن أن يكون (أحادي اللغة) بشكل نقي، حتى لو تكلم الشخص بلغة واحدة طوال حياته؛ فإن هذه اللغة ليست ملكاً له بصورة كاملة، وبتحليل رؤيته حول اللغوية، يتضح أنه نظر للأحادية اللغوية كأداة سياسية استعمارية، تتخذها الدول لفرض سيطرتها وتحديد هويتها الوطنية، وبذلك الرأي تصبح اللغوية وسيلة إقصاء وسيطرة، تهمش اللغات والثقافات الأخرى لصالح لغة وثقافة واحدة تكون مهيمنة.

 


الهوامش:
1. أحادية الآخر اللغوية أو في الترميم الأصلي (طبعة: 1)، جاك دريدا، تعريب - د عمر مهيبل، الدار العربية للعلوم (ناشرون) الجزائر 2008م.
2. في علم الكتابة (طبعة: 2)، جاك دريدا، تعريب (أنور مغيث، منى طلبة)، المركز القومي للترجمة (القاهرة) 2008م.
3. وجوه الأحادية اللغوية عند جاك دريدا، ملاك أشرف، مجلة الجديد عدد (103 – 104) فبراير 2025م.

 

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها