الفن وتحديات الثورة الرقمية

هشام بن الشاوي


الفن ليس مجرد نشاط شكلي أو تعبير عن الذّاتِ أو انعكاس للثقافة، بل ضرورة وجودية تنبع من طبيعة الإنسان ذاتها، باعتباره كائناً خيالياً إدراكيّاً، وتجربة معرفية تُعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله، والعمل الفني مرآة للخيال الإنساني بوصفه قدرة فاعلة قادرة على إعادة تشكيل الواقع وتوسيع حدوده.


وقد ساير المبدعون الثورة الرقمية، وطوروا أدواتهم الإبداعية، وقد نجحت الوسائط الرقمية في التعبير عن الانفعالات المختلفة بضغطة زر، عبر تطبيقات وبرامج إلكترونية، اختصرت الكثير من مراحل العمل اليدوي، وقد أثر هذا التوجه على تجارِب العديد من الفنانين، الذين واكبوا التطور الرقمي في إنتاج العمل الفني، واعتبروه ضرورة جمالية تُعيد صياغة العلاقة بين الأشياء والأشكال، ومع تغلغل الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، ظهرت أدوات قادرة على إنتاج مقاطع موسيقية، قصائد شعرية وأفلام قصيرة، كما خلق الذكاء الاصطناعي في مجال الفنون التشكيلية نقلة نوعية، لا تزال تثير الجدل حول مدى مشروعية الفن المصنوع وفقاً للذكاء الاصطناعي من الناحية الإبداعية والناحية الأخلاقية أيضاً.

على الطرف الآخر، ابتعد بعض الفنانين "التقليديين" عن "الآلة"، وتمسكوا بموادهم الأولية كالألوان والقماش وغيرها، ودمج فريق ثالث العمل اليدوي بالرقمي، وعبروا عن مشاعرهم وأفكارهم بطرق جديدة ومبتكرة، وفتحت آفاقاً تفاعلية بين المتلقي والعمل الفني/ التفاعلي، علماً أن الفن الرقمي لا زال غير معترَف به بجدّية في العالم العربي، بينما خلق الذكاء الاصطناعي ثورة في عالم الفنون البصرية، عبر ما يعرف بالــAI Art، كما ساعدت التكنولوجيا الحديثة على تفعيل دور الفنان المصمم Designer، لما أتاحته له من وسائل وتقنيات وبرامج حاسوبية تعمل على تطوير وتجويد منتوجه الفني، مسايرة لمتطلبات السوق.

 يُخطئ الكثيرون منا اليوم لأنهم لا يزالون يعيشون على فكرة صارت هشة، هي أن الفن هو ما نراه في الأروقة والمتاحف، بل حتى ما بدأنا نلحظه من فنٍّ معاصرٍ ينبني على المنشأة الفنية في الفضاء أو على المنجزات أو على الفيديو، حسب فريد الزاهي؛ فما إن بدأنا نتحدث عن فن معاصر حتى وجدنا أنفسنا ندخل تجرِبةً أخرى خرجت من معطف الفن الحديث والمعاصر معاً، خاصة مع تحوُّل العلاقة الاستهلاكية من علاقة نفعية إلى علاقة جمالية أيضاً. 

ويستشهد الزاهي بـ"الديزايْنر" (المصمم الفني) الذي صار نجم الفنون الراهنة؛ لأنه أعاد للواجهة ما كاد الفن الحديث يطويه ويرميه في عدم النسيان، أعني الفنون التقليدية. فالمصمم استعاد الزخرفي، ونزع عنه طابعه التزويقي الديكوري، واستعاد صنعة (أي احترافية) ودقة هذه الصنائع.

لقد أفُل نجم التأمل الجمالي والتذوق المبني على اختيارات ذاتية لندخل عصر الإحساس الجمالي. إننا إذن ننتقل من الاستطيقا إلى الأيسطيزيس؛ أي من الجماليات إلى الحس الجمالي. هذه الطفرة مهمة جدًّا لأنها تشكِّل انزياحاً عن كل ما يشكِّل أساس العمل الفني الحديث: الفردية والذاتية والحيز الفضائي المحدود، وغيرها من المحددات التي تظل حصرية مهما كانت حركيَّتها وحريتها.

ويرى حسين نشوان أن تأثير الثورة التقنية على الفنان العربي بقي في حدود النمطية الثقافية، التي أنتجها المجتمع الاستهلاكي، فعلى صعيد التقسيم الفني، بقي الرسم الديجتال في حقل التصنيف التقني أو الحرفي، ومع ازدياد أعداد خريجي الأكاديميات التي تدرس الجرافيك، إلا أن عملهم الفني ظل رهين التصميم الإعلاني التجاري وليس الصناعي، وأفادت مصانع الأقمشة والأثاث من المكنكة التكنولوجية للوسط الفني، لكن بقيت مساهمتها محدودة في الاشتغال الفني باستثناء تجارِب (الأنستوليشن)، و(الميديا أرت)، إلا أن مثل هذه الفنون التي نشأت في الغرب لم تجد لها أصداء، وبقيت مجرد تجارب عابرة.

ويُشير محمد العامري إلى أن التكنولوجيا لم تصل بعد في مقدرتها إلى ابتداع فن جديد؛ لأن الإبداع الأساسي يتمثل في قدرة إنسان مبتكر على منح التكنولوجيا القدرة على إنجاز عمل ما؛ فما تفعله التكنولوجيا هو محض خيال الإنسان وبتوجيه منه، لكن ما تفعله هو تسريع المنتج زمنياً ليس إلا.

وقد مكنت الطفرة التقنية في العالم الافتراضي من تسخير العلوم لصالح الفنون، فلم يعد يصعب على صناع الأفلام من تصوير مشاهد كانت مستحيلة، ومجرد التفكير فيها كان وكأنه ضرب من الجنون، ورغم ذلك يعتبر كثير من المبدعين أن التكنولوجيا ساهمت في قصور المخيلة الإبداعية، وفقاً للعامري، مما سيؤدي إلى الاعتماد الكامل على التقانة بعيداً عن الحس الإنساني المشفوع بالعاطفة التي لا تمتلكها التكنولوجيا، دون أن ننسى أن الإبداع الفني ينطوي دائماً على رؤية الفنان الخاصة به وحده غير القابلة للتكرار. تلك الرؤية قد تحمل تشابهاً مع رؤية فنان آخر، ولكنها تظل لها خصوصيتها الفريدة التي تميزه عن غيره. 

علما أن "الخسارة الكبرى التي تتسبب بها التكنولوجيا على البعد الفني والإبداعي هي خسارة البعد التأملي للفن"، حسب غسان أبو لبن، والذي لا يعتبر الفن والتكنولوجيا خصمين، لكن تفاعلهما الحالي يحتاج إلى نقد على مستوى التفاعل والتجرِبة، يسائل التكنولوجيا ولا يرفضها، ويعيد ترتيب المفاهيم وتعريفها ضمن البعد الإنساني المعرفي، القائم على التجرِبة الحرة، بعيداً عن التحيز، تقريباً من إنسانيته المتأملة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها