آثار كارثية.. كيف غيرت برامج الأطفال الحديثة سلوك أطفالنا؟

مظفر إسماعيل


لطالما اعتبرت برامج الأطفال، أو أفلام الكرتون، إحدى أكثر وسائل الترفيه انتشاراً في مختلف المجتمعات، وأهم العناصر المساهمة في تشكيل وعي الأطفال وسلوكهم وقيمهم. حيث لعبت برامج الأطفال، منذ النصف الثاني من القرن الماضي، دوراً تربوياً وتعليمياً بارزاً، فكانت رديفاً أساسيّاً للأسرة والمدرسة في زرع القيم وتوجيه السلوك والدوافع لدى الأطفال وحتى الشُّبان.


ولكن، ونتيجة للتحولات الإعلامية والتقنية التي بدأت بالتسارع بعد عام 2000، شهدت برامج الأطفال كمنتج تلفزيوني، تغييرات جوهرية في المضمون والأهداف، لتتحول من مصدر تربية مثالي إلى مصدر خطر بحاجة للكثير من الحذر أثناء عرضها على الطفل.

في هذا المقال، سنتحدث عن برامج الأطفال خلال فترتين، إحداهما قبل عام 2000، والأخرى بعده، في مقارنة تهدف إلى تحليل اختلاف انعكاساتها على تربية وسلوك الأطفال، في ظل التحولات التي شهدتها الثقافة الإعلامية المعاصرة.
 

توازن التعليم والترفيه في برامج أطفال القرن الماضي:

اتصفت برامج الأطفال القديمة، التي أنتجت قبل عام 2000، بجانب تربوي بارز، يعمد إلى الجمع بين الفائدة والمتعة، مع التركيز الشديد على تنمية المهارات المعرفية وبناء القيم الاجتماعية.

وكانت غالبية الشخصيات الكرتونية حينها، تحمل في طياتها أسمى وأوضح الرسائل الأخلاقية، مع طرح بعض المشكلات البسيطة، التي تعمل على تحفيز الطفل على التفكير والتعاطف.

فمن منا ينسى البرنامج الشهير "شارع سمسم"، الذي تم عرضه بالنسخة العربية "افتح يا سمسم"، والذي ساهم في تعليم الأحرف والأرقام، مع التركيز على تعزيز قيم كثيرة وثمينة، كالتعاون واحترام الآخرين.

ومن لا يتذكر الأعمال الكرتونية الشيقة، مثل "عدنان ولينا، سالي، هايدي، الفتى النبيل، وداعا ماركو، ساندي بيل، زهرة البراري"، وغيرها من الأعمال ذات الأبعاد الإنسانية العميقة، بما تناولته من مفاهيم الظلم والحرية والصبر والانتماء، مقدمة أقرب النماذج السلوكية إلى الواقع، على الرغم من طابعها الخيالي وقصصها المركبة.

هذه البرامج العظيمة، وغيرها الكثير مما أنتج في القرن الماضي، تميزت بإيقاع سردي هادئ ولغة بسيطة تجمع بين الدقة والسلاسة، لتتيح للطفل استيعاب الفكرة بسهولة، ومتابعة التطورات التي تحملها قصة العمل.

من جهة أخرى، يتضح لمن تابع برامج الأطفال القديمة والحديثة، الفرق الكبير من ناحية الإعلانات التجارية، والتي كانت محدودة ومنفصلة عن المحتوى، سعيا للحفاظ على مضمون نقي للرسالة التربوية، والإبقاء على الطفل متلقياً للتجربة، لا هدفاً استهلاكياً مباشراً كما يحدث في السنوات الأخيرة.

السرعة والتسويق في برامج الأطفال الحديثة:

وعلى الضفة الأخرى تكمن المصائب، حيث شهدت برامج الأطفال خلال السنوات الأخيرة، تحولًا جذرياً لافتاً من حيث طبيعتها وأهدافها، فتم الاستغناء عن المضمون الإنساني الثمين، واستبداله بالعمل على السرعة البصرية، والألوان الخاطفة والكثيفة، والمؤثرات الصوتية الجاذبة، كعناصر أساسية للاستحواذ على انتباه الأطفال، خاصة بعد ارتفاع حدة وشراسة المنافسة بين وسائل الإعلام التلفزيونية والرقمية.

وبمتابعة دقيقة لأفلام الأطفال الحديثة، يتضح أنها تركز على الفوضى والصراخ الهادفين للترفيه فقط، مع اختصار البعد التعليمي إلى حد كبير.

كما أن الكثير من البرامج الجديدة، افتقرت، بقصد أو دون قصد، إلى المضمون الأخلاقي المتماسك، فاستبدلت الرسائل النبيلة والقيم السامية بالطابع التجاري، حيث أصبح يتم تصميم الشخصيات الكرتونية في معظم الأحيان، بهدف تسويق الألعاب الحديثة وما يتعلق بها من منتجات، فتحول الطفل إلى وسيلة بعد أن كانت تربيته وتنشئته بالشكل المثالي هدفاً لكل المنتجين.

وهنا لا بُد من التذكير بأن أحد أبرز أسباب الانحطاط الذي يعيشه واقع برامج الأطفال، هو سهولة نشر المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية المنتشرة بكثيرة، وما نتج عنه من انتشار واضح لمحتويات غير خاضعة للرقابة التربوية الكافية.

لذا أصبحنا نتفاجأ بما يتم عرضه أمام أعين الأطفال، من مشاهد كارثية وشخصيات تؤدي سلوكيات لا تناسب أعمار الأطفال، من العنف الجسدي والنفسي، إلى الفوضى والقيم الاستهلاكية، إلى الإيحاءات الجنسية، وغيرها من قيم تعمد إلى تدمير الأجيال بدلا من تأسيسها بالشكل الصحيح.

كيف انعكس تبدل بنية برامج الأطفال على سلوكهم؟

دراسات كثيرة أفادت بأن التحول الإعلامي الذي شهدته صناعة برامج الأطفال مؤخراً، تسبب بمجموعة من الآثار السلبية خاصة في مجال التربية والسلوك. ومن أبرز تلك الأضرار على الصعيد السلوكي والنفسي، مسألة الإدمان الرقمي للطفل وتعلقه المفرط بالشاشة، وما يرافقه من عزلة اجتماعية وسلوك عدواني، إضافة إلى أضرار جسدية تتنوع بين أمراض العيون والتلكؤ اللغوي وتأخر النطق، علاوة على مشاكل متعلقة بالتركيز، وغيرها.

ومن هنا نستنتج أن السبب الرئيسي لابتعاد الأطفال عن الأنشطة التعليمية والاجتماعية، هو الإيقاع السريع للمحتوى الحديث، وما يسهم به من إضعاف للتركيز والانتباه.

في الحقيقة، غياب رسائل القيم الواضحة، وما تحمله البرامج الحديثة من نماذج سلوكية مضطربة، يشوش المنظومة الأخلاقية لدى الأطفال، ويرفع من قابليتهم على تقليد وتبني السلوكيات العدوانية واللاإنسانية.

وتكشف غالبية الدراسات التربوية الحديثة عن وجود علاقة مباشرة بين الإفراط في مشاهدة المحتوى الحديث، وخاصة السريع منه، وظاهرة الاضطرابات في السلوك والانتباه لدى أطفال القرن الحالي.

دور الأسرة والمؤسسات الثقافية في التصدي للظاهرة:

يبقى السؤال الأهم هنا، ما الحل لحماية الطفل من خطورة برامج الأطفال الحديثة؟

في الحقيقة، تعتبر حماية الطفل من تأثيرات المحتوى الجديد، إحدى أهم التحديات في شتى المجتمعات، فأمام هذه العقبات الكثيرة، تبرز أهمية دور الأسرة والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وضرورة التنسيق بين شتى المؤسسات، للنجاح في توجيه الأطفال نحو برامج واعية وبناءة.

فمن واجب الأسرة اختيار البرامج المناسبة للأطفال، وتحديد الوقت الأنسب للمشاهدة، مع ضرورة الحوار بين الأهل والأطفال، ومناقشة المسلسلات الكرتونية والبرامج التي يتابعونها، بغية ضبط تأثيرها عليهم، وتصويب مكتسباتهم منها.

وعلى الصعيد العربي، يتوجب على المؤسسات التنسيق لإنتاج محتوى عربياً هادفاً، يُعيد إلى الأذهان البرامج القديمة، مع مواكبة التطور الحالي بشكل مدروس، كمزيج بين الحداثة والعراقة، بهدف الحفاظ على دور برامج الأطفال في بناء القيم النبيلة للطفل.

 

وفي الختام، وبعد المقارنة بين برامج أطفال القرن الماضي، ونظيراتها الحديثة، أصبحنا ندرك عمق التحول من الخطاب التربوي الهادف إلى بناء الإنسان، إلى الخطاب السريع التسويقي التجاري، والاختلاف الكبير في تأثير برامج الأطفال على الطفل.

لذا؛ أصبحنا نعرف بوضوح السبب الذي حول الطفل من متقمص لدور الفتى النبيل والكريم والخلوق والصبور والمتعاون، إلى متقمص لدور الشرير والمنحرف، الذي يعتبر الأذى والعنف دليلا على قوته ورجولته.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها