نهاية التجارة الحرة وعودة الحمائية الاقتصادية في الولايات المتحدة

بقلم: برنار غيون Bernard Guilhon

ترجمة: حافظ إدوخراز

تُشير السياسات الجمركية التي تنتهجها الولايات المتحدة مؤخرًّا إلى تحوّلٍ عميق قد طرأ على النّموذج الاقتصادي الذي تعتمده واشنطن. لقد أصبحت هذه الأخيرة تتبنّى حمائيةً اقتصادية صريحة ترتكز على إعادة توطين الإنتاج الصناعي داخل البلاد، وعلى تعزيز شعار «صُنع في الولايات المتحدة». ويؤدي هذا المنعطف الحاصل في السياسة التجارية الأمريكية إلى إعادة رسم قواعد اللعبة التجارية الدولية، كما يسهم في إعادة تشكيل العولمة وتدفّقات التجارة الدولية على نحوٍ عميق.

تتيح قراءةٌ سريعة لمسار العولمة خلال العقود الأخيرة تتبّع المراحل الأساسية التي أفضت إلى الوضع الرّاهن، كما تُسهم في إلقاء الضوء على مسألة تراجع الإيديولوجيا اللّيبرالية لصالح تصاعد النّزعة التدخّلية الاستراتيجية في الولايات المتحدة.

وتمثّل الفترة الممتدة من عام 1990 إلى 2019 مرحلةً من العولمة الفائقة التي اتّسمت بانتشار إيديولوجيا نيوليبرالية أساسها الشركات والأسواق، كما تميزت بتبنّي سياسات تجارية متوائمة مع القواعد العالمية لتدفّقات التجارة الدولية والاستثمار كما صاغتها منظمة التجارة العالمية وتوافق عليها أعضاء هذه المنظمة.

يعكس نظام التجارة الدولية القائم على سلاسل القيمة المُعولمَة، النّفوذ الأحادي للولايات المتحدة بوصفها القوة الفائقة الوحيدة في العالم خلال تسعينيات القرن الماضي والعقدين الأوّلين من القرن الحالي. وقد أفضى هذا النظام إلى محصّلةٍ إيجابية، بحيث أسهم في تقارب معدلات النمو بين بلدان الشمال والجنوب خلال الفترة الممتدة من عام 2003 إلى 2019. غير أنّ الفوارق الاجتماعية والاقتصادية قد أخذت في الاتّساع في أواخر هذه المرحلة التي شهدت تراجعًا عن العولمة، وإن ظلّ هذا التراجع نسبيًّا. ويعود ذلك إلى سببين رئيسيين.

فمن جهةٍ أولى، وبفعل الأزمة المالية العالمية، لم تعد الدول الفقيرة المثقلة بالديون قادرةً على استثمار مزاياها النسبية ضمن سلاسل قيمة إقليمية تضمن لها موقعًا على خريطة الإنتاج. وينطبق هذا الوضع مثلًا على كلٍّ من بنغلاديش وكمبوديا في قطاعي النسيج والملابس وصناعة الأثاث، في حين أن دولًا أخرى مثل تركيا ورومانيا وبلغاريا قد استفادت من هذا التحول.

ومن جهةٍ ثانية، فقد أصبحت الاعتبارات الجيوسياسية أكثر أهميةً من أية دوافع اقتصادية، مما أدى إلى التّشديد على المخاطر الجيوسياسية أكثر على مستوى قرارات اختيار مواقع الإنتاج من لدن الشركات العالمية. وقد أسفر ذلك عن تفكّكٍ تدريجي للفضاء الاقتصادي العالمي، حيث جرى نقل بعض حلقات سلاسل القيمة، ولا سيما في قطاعي صناعة الطيران والتقنيات الرقمية، من الصين إلى فيتنام على سبيل المثال.
 

✲ من التجارة الحرة إلى السعي نحو القوة ✲

ترى الولايات المتحدة أنّ الخطر المتزايد والمتمثّل في احتمال تراجعها الاقتصادي والتكنولوجي النّسبي بالمقارنة مع الصين يعزّز من ثقل الهاجس الأمني. ولذا فقد بات من الضروري تأمين بعض الإمدادات الاستراتيجية مثل المعادن النادرة والبطاريات، وتطوير التكنولوجيات الحيوية والحرجة التي تلبّي احتياجات الاقتصاد ومتطلّبات الأمن القومي. كما تبيّن للمسؤولين الأمريكيين أنّ التفاعلات الدولية قد أسهمت في تفاقم العجز التجاري وتزايد المديونية المالية للدولة.

وقد برزت موازين القوة على الساحة في مرحلتين. ففي المرحلة الأولى، تفاعلت الولايات المتحدة مع التحولات الطّارئة عندما أقرّت بأنّ مكاسب الصين على مستوى القوة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية تؤدي بالضرورة إلى تآكل القوة النسبية للولايات المتحدة، واعترفت بأنّ القوة على الصعيد العالمي تخضع لمنطق المحصّلة الصفرية.

ويستند النموذج الجديد الذي تبنّته الإدارة الأمريكية إلى فكرةٍ مفادها أنّ السياسات الصناعية لا تتعارض مطلقًا مع آليات السوق، بل تتيح على العكس تعزيز مواقع ارتكاز فاعلة داخل أسواق ذات أهمية اقتصادية وجيوسياسية استراتيجية. وعلى هذا الأساس، فقد أخذت أشكالٌ متعددة من الحمائية الاقتصادية في الظهور على الساحة، وهو ما تجسّد في إقرار قانونين عام 2022 في عهد إدارة الرئيس الأسبق جو بايدن: قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم (Chips and Science Act) المتعلق بتصنيع أشباه الموصلات، وقانون خفض التضخم (Inflation Reduction Act)المرتبط بالتحول الطاقي نحو الطاقات النظيفة والمتجددة.

لكن الرئيس الحالي دونالد ترامب وعلى النقيض من سلفه، يرى أنّ إزالة الكربون من القطاع الصناعي لا تفضي إلى إعادة تصنيع الولايات المتحدة. ومن ثمّ، فقد أقدم في السابع من يوليو عام 2025 على إنهاء خطة الإعانات والإعفاءات الضريبية التي خصّصتها الإدارة السابقة لدعم التحول الطاقي في أمريكا.

تتجلّى علاقات القوة بين الولايات المتحدة وشركائها من خلال فرض الرسوم الجمركية التي من المفترض أن تحقّق أهدافًا اقتصادية وأخرى تتعلق بالأمن القومي. وتقوم الفكرة على أنّ كلّما كانت هذه الرسوم مرتفعة كلما كانت الشركات الأجنبية محفزّةً أكثر على الاستثمار داخل الولايات المتحدة تفاديًا لتحمّل أعباء هذه الرسوم. غير أنّ الشركات الأجنبية قد تُثنيها عن ذلك كلفة اليد العاملة المرتفعة في الولايات المتحدة؛ إذْ إنها تزيد بنحو ستة عشر ضعفًا عن مثيلتها في فيتنام وأحد عشر ضعفًا قياسًا بالمكسيك، هذا فضلًا عن الصّعوبات المرتبطة بتأمين السلع الوسيطة الاستراتيجية التي تدخل في عملية الإنتاج، وهي عقبات كانت اتفاقيات التجارة الحرة تسهم في تذليلها بشكل كبير.

وتُشكّل الرسوم الجمركية الجديدة أساس سياسة «المعاملة بالمثل» التي تنتهجها واشنطن والتي تهدف إلى إعادة التوازن للتجارة بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين، ولا سيما مع البلدان النامية. غير أنّ السعي إلى تحقيق الإنصاف من خلال هذه السياسة «المتبادلة» في العلاقات التجارية يفضي في الواقع إلى وضعٍ غير متماثل. ففيما يتعلق بفيتنام على سبيل المثال، سيتمكن المصدّرون الأمريكيون من الولوج إلى السوق الفيتنامية من دون فرض أية رسوم جمركية على سلعهم، في حين يُلزَم المصدّرون الفيتناميون بتحمّل ضريبة قدرها عشرون في المائة.

وفي هذا السياق، تترافق العولمة القائمة على الصّفقات والمفاوضات وفرض العقوبات، كما هو الحال مع الهند مثلًا، مع إجراءاتٍ حمائية متزايدة من أبرزها تشديد الرّقابة على الواردات التي قد يُنظر إليها باعتبارها تمثل تهديدًا للأمن القومي، وفرض قيودٍ على الاستثمارات الواردة على الولايات المتحدة والخارجة منها، فضلًا عن استحواذ الدولة الأمريكية على حصّة تبلغ عشرة في المائة من رأسمال شركة «إنتل»، وهو ما يثير تساؤلاتٍ حول بروز ملامح لرأسمالية الدولة التي بدأت تتشكّل في الولايات المتحدة.

✲ نهاية الأرثوذكسية الليبرالية ✲

في يناير 2025، فرض مكتب الصناعة والأمن (وكالة تابعة لوزارة التجارة الأمريكية) قيودًا رسمية على تصدير معدّات الحوسبة المتقدمة الجديدة؛ إذْ أضحت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (TSMC) مُلزَمةً بالحصول على ترخيصٍ مُسبق لأي عملية شحنٍ لمنتجاتها خارج تراب الولايات المتحدة. وينضاف إلى ذلك إخضاع كميات كبيرة من البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي لإجراءات رقابية مشددة.

والمقصود من ذلك هو استغلال التّشابكات الاقتصادية (تدفّقات السلع، والمعارف المحمية ببراءات الاختراع، والبيانات، والتحويلات المالية)، وتوظيفها كأدواتٍ للعرقلة وممارسة الإكراه. وبذلك؛ فإن الأرثوذكسية الليبرالية التي عُرفت بها الولايات المتحدة تُزاح جانبًا لصالح منطق الميزة الاستراتيجية، سعيًا إلى تبوّءِ موقعٍ قيادي لا ينازع فيه الولايات المتحدة أحدٌ على الساحة العالمية.

وعلى افتراض أن الاتحاد الأوروبي سيظلّ في المستقبل منطقةً للتجارة الحرة قادرةً على مواصلة إشعاعها وبناء قواعد قائمة على الإنصاف بالتعاون مع دول أخرى؛ فإن العولمة ستُعاد هيكلتها وفقًا لنظام يتكون من طابقين متداخلين: طابق للتجارة الحرة يخص السلع ذات القيمة المنخفضة والمتوسطة، وطابق آخر للسلع الاستراتيجية التي يكون نطاق تداولها محدودًا وفقَ صيغة «فناءٌ صغير وسياج مرتفع» (Small yard, high fence)، وذلك بسبب حواجز الولوج التي تكون عصيّة على الاختراق، والتي تستند إلى اعتبارات جيوسياسية أو صناعية.

 

المصدر ◂  
Originally Published: October 23, 2025

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها