من المركوز في العرف أن المسرحية جنس أدبي جديد على الأدب العربي، تأثلت لها مقومات انطلاقاً من الاسترفاد من المدارس الغربية والتمسك بأهدابها وأسبابها، وعلى الرغم من وجود مجموعة من الإرهاصات التي عرفها العرب في تاريخهم التليد؛ فإنها لا تتضمن مقومات الظاهرة المسرحية كما تُعُورِفَ عليها عند الغرب، وتبقى بذلك مجرد أشكال لا تصل إلى مرتبة المسرح، الأمر الذي يخلع على هذه الأشكال صفة الفرجة، ويبعدها كل البعد عن مسمى المسرح، ولعل ما دَرَأَ المؤيدين إلى افتراض وجود مسرح عربي قديم إحساس أَزْهَرَ في ضميرهم ناجم أساساً عن غياب الظاهرة المسرحية في ماضي العرب، فَعَدَّدُوا بذلك كل الحجج الناطقة بسَبْقِ العرب إلى هذا الجنس؛ وقالوا على سبيل التمثيل لا الحصر: "إن العرب عرفوا المسرح دون شك في التعازي الشيعية التي كانت تقام احتفالا بمقتل الحسن والحسين، وفي المقامات، وحلقات الذكر الطرائقية، وفي غيرها من الممارسات التي اتصلت بالفرجة أو بالطقس الديني".
وأشاروا أيضاً إلى "رجل اسمه المغازل عاش في القرن الثالث الهجري أيام المعتضد بالله العباسي، كان يستطيع تقليد الشخصيات المختلفة كالأعرابي والزنجي، مع تقديم بعض المشاهد الصادقة من حياتهم وتصرفاتهم"، وغيرها من التبريرات التي رام من خلالها المدافعون إثبات حضور هذا الجنس في البيئة العربية، والتأكيد على أن العرب لهم يَدٌ طُولَى فيه وأنهم تعلقوا بأهدابه منذ القدم. والحاصل أن هذه الأشكال كما سلف تنضوي تحت لواء الفرجة ولا تتشح أبداً بوشاح المسرح.
وقد عرف باتريس بافي في "معجم المسرح" الفرجة بقوله: "تنطبق –الفرجة- على أشكال فنون التمثيل، الرقص، الأوبرا، السينما، الميم، السيرك... وعلى نشاطات أخرى تتضمن مشاركة الجمهور، الرياضة، الطقوس، الشعائر، أشكال التفاعلات الاجتماعية"، وما يعضد هذا القول هو حديث جوليان هلتون في كتابه الموسوم بعنوان: "نظرية العرض المسرحي" عن مجموعة من القواعد التي ينبغي أن ينضبط لها العرض المسرحي حتى يتحقق على الوجه الأمثل، والواقع أن الأشكال التي عرفها العرب تستعصي على التصنيف وتتأبى عن الانخراط في هذه القواعد، وكل هذه الدلائل مجتمعة تقشع ضبابية سبق العرب للمسرح على مسيل التاريخ وامتداده.
تعد الثقافة عماد الأمة وعمودها، وهي السبيل المفضي إلى بناء صرحها ونهضتها، ولا شك أن العالم عرف أول ما عرف الثقافة اليونانية والرومانية وغيرها من الثقافات، فلما "استلم العرب زمام القيادة الفكرية والثقافة العلمية للبشرية في القرن السابع للميلاد، واستمروا في مركزهم المتميز إلى القرن الخامس عشر منه، عرف العالم الثقافة العربية الإسلامية في أوج تألقها، حتى إذا ما تراجع العرب والمسلمون عن مقدمة الركب الثقافي العالمي، ودب الضعف في كيانهم، وتوقفوا عن الإبداع في ميادين الفكر والعلم والمعرفة الإنسانية، انحسر مد ثقافتهم، وغلب عليهم الجمود والتقليد، وضعفوا أمام تيارات الثقافة الغربية العاتية التي أثرت بقوة في آدابهم وفنونهم وطرق معيشتهم".
وقد اتخذت علاقة العرب مع الغرب طابع "علاقة إشكالية، من خلال المقايسة معه؛ لأنه المعيار الذي معه ينطلق تقييم الثقافي والفكري والحضاري، كما أن الغرب في نظر العربي هو المركز الذي تنطلق منه مفاهيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان". وقد فسح تفاعل العرب مع الغرب السبيل لاحبا أمام الثقافة العربية لتنهل من ينابيع مختلفة، وفتح أمامها منافذ الاغتراف من الثقافة الغربية، وهكذا فقد انساب نفع الغرب في بلاد العرب وآفاقها، وهو ما أضفى مسحة من القوة على الثقافة العربية؛ لأنها جمعت إلى جانب ثبات المرتكزات والأسس، الانفتاح على الثقافات الأخرى، والارتشاف من زلال منهلها إِرْوَاءً لظمأ الثقافة وإشباعاً لنهم العرب التَّوَّاقِينَ إلى معرفة إسهامات الغرب في مختلف المجالات والميادين، ومن بينها المسرح.
ظهرت المسرحية في الأدب العربي أول ما ظهرت في لبنان على يد مارون النقاش الذي عمل على ترجمة مسرحية "البخيل" لموليير في منتصف القرن التاسع عشر، وقد كانت مسرحياته "فكاهية غنائية تعنى بالموسيقى أكثر من الحوار، ثم ظهر في دمشق أبو خليل القباني الذي نهض بالفن المسرحي باختيار المسرحيات الشعبية مثل "ألف ليلة وليلة" واستخدام اللغة الفصحى نثراً وشعراً، وبعد الحرب العالمية الأولى ظهر في مصر ثلة من المؤلفين نذكر منهم: محمود تيمور، ثم نبغ اسم توفيق الحكيم الذي قدم مسرحيات عربية مكتملة الموضوع والبناء والحوار والشخصيات، ومتعددة الاتجاهات؛ تاريخية واجتماعية وواقعية وفكرية".
لقد تأثر العرب بالمسرح الغربي منذ البداية الأولى للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدا هذا التأثير بطرق متعددة منها التأثير الفكري، وذلك عن طريق الهجرة من البلاد العربية إلى البلدان الغربية والأوربية، واطلع هؤلاء المهاجرون على هذا الفكر والفن المسرحي في الغرب، وتأثروا به مثل مارون النقاش الذي يعد من أوائل المساهمين في نقل المسرح الغربي إلى البلاد العربية بصورته الحقيقية، تأثر به كل من أبي خليل القباني وغيره، وحاولوا ترجمة عدد من النصوص من المسرح الغربي إلى العربية، وأسسوا بذلك مجموعة من الفرق المسرحية، وقدموا عروضاً على خشبة المسرح. وقد مر المسرح العربي في نشأته الأولى بمرحلة التقليد؛ ذلك أن العرب تعرفوا على المسرح بمعناه الحديث، وقلدوا المسرح الغربي شكلاً ومضموناً. وبعد مرحلة التقليد والمحاكاة شرع الكتاب العرب في تجربة التأليف؛ إذْ أبدعوا مسرحيات عربية تاريخية تنهل من التراث العربي القديم، أو مسرحيات اجتماعية تلامس هموم الشعوب العربية وتجهر بوجوب تجاوز الفروق الاجتماعية بين الأفراد. وقد كان الكتاب العرب يبدعون مسرحيات ترتهن نفسها بمدرسة من المدارس الغربية، وتتمثل أصول وأفكارها.
تأثير المدرسة الكلاسيكية على المسرح العربي:
تقوم المدرسة الكلاسيكية في المسرح على جملة من الأسس والمبادئ:
◅ تهتم هذه المدرسة الفنية بالعقل فقط، فالعمل المسرحي يجب أن يتوجه بكليته إلى عقل المشاهد؛ لأن العقل هو الذي يتحكم في عملية الإدراك كله.
◅ تركز على عظمة اللغة، فلا يمكن لأحد من الممثلين التصريح بكلمة نابية، وأن تكون المأساة شعراً رفيعاً ذا أسلوب فصيح واضح يخاطب العقول قبل أن يخاطب العواطف.
◅ يجب أن يكون العمل الفني متجانساً ويتجه في اتجاه واحد، فلا يجوز الجمع بين التراجيديا والكوميديا.
◅ ضرورة التركيز على ما هو تاريخي وقديم، فالماضي خالد ومقدس.
◅ وحدة المادة أو وحدة النغم: ذلك أن شبح الخوف يخيم على المأساة كلها، فلا يحدث ما يبيحه الرومانسيون من أمور مضحكة بغرض التفريج على المشاهدين.
◅ وجوب أن لا تمثل مشاهد العنف والقتل على المسرح.
وقد سار مجموعة من الكتاب العرب على النهج نفسه الذي سارت عليه المدرسة الكلاسيكية، لعل أبرزهم الشاعر المصري أحمد شوقي في مسرحيته "كليوباترا".
مظاهر التأثر بالمدرسة الكلاسيكية في مسرحية كليوباترا:
مسرحية كليوباترا مسرحية شعرية تاريخية، تستمد أحداثها من التاريخ القديم، وتدور أحداثها بمصر وتحديداً الإسكندرية، وقد جرت الأحداث في آخر أيام كليوباترا ملكة مصر حوالي عام 30 ق.م، وانتهت بموت كليوباترا مخافة أن تؤخذ سبية إلى روما. وقد تجلت ملامح المدرسة الكلاسيكية في مسرحية شوقي هذه ذلك أنه وظف قصة موغلة في التاريخ القديم، كما أنه اقتصر على فضاء واحد وهو الإسكندرية، كما هو مضمن في القصة التاريخية، وعمل كذلك على الاستعاضة عن مجموعة من المشاهد والقصص سيراً في ذلك على منوال الكلاسيكيين الذين يعملون على مشاكلة الواقع في حدود تمثيل المسرحية، ولا يميلون إلى الإكثار من ذكر الأمكنة وتوظيف الأزمنة.
تأثير المدرسة الرومانسية على المسرح العربي:
تعتبر الرومانسية حركة فنية وأدبية وفكرية نشأت في فرنسا أواخر القرن الثامن عشر، وإذا كانت المدرسية الكلاسيكية قامت على مجموعة من الأسس والاعتبارات؛ فإن الرومانسية جاءت متممة لبعض أوجه النقص التي اعترت الكلاسيكية، فركزت أساساً على الجمال الذي يعد "عند الرومانسيين هو مرآة الحقيقة التي يريدون والغاية التي يسعون إليها، فالحقيقة التي ينشدونها ذات طابع ذاتي، لخيال الكاتب وعاطفته المشبوبة، وتتبدى في ثوب حائر". وقد قامت المدرسة الرومانسية على مجموعة من المبادئ نجملها في الآتي:
◂ الخروج عن قوانين الكلاسيكية فيما يخص الوحدات الثلاث الزمان والمكان والفعل.
◂ المزج بين موضوعات المأساة والملهاة والجد والهزل والمنظوم والمنثور في مسرحية واحدة.
◂ استلهام الموضوعات المسرحية من التاريخ الحديث.
◂ المزج بين الشخصيات؛ ذلك أنها جمعت بين السادة والمهمشين بل جعلت الفقراء يتحكمون في الأغنياء.
◂ الإكثار من مشاهد العنف على خشبة المسرح.
ومن بين النماذج التي يتمثل فيها تأثير المد الرومانسي على المسرح العربي مسرحية "قصر الهودج" للكاتب اليمني علي أحمد باكثير.
ملامح الرومانسية في مسرحية قصر الهودج:
تحكي المسرحية عن شهامة الأمراء من خلال قصة حب تمت بين سلمى وابن عم لها يدعى ابن مياح، ذلك أنهما تبادلا الحب قبل أن يجمعهما عش الزوجية، وقد شاءت الأقدار أن يلتقي الخليفة سلمى فهام بحبها، وذهب متنكراً إلى بيت الشيخ عمار والد سلمى، مدعياً أنه ساعي الخليفة، أتى ليخطب سلمى، فقرر ابن مياح أن يهيم على وجهه في الصحراء بعدما عرف أن القادم هو الخليفة نفسه. وبعدما تمكن الخليفة من مراده، جاء ابن مياح إلى ابنة عمه من أجل توديعها في القصر، فقابلته خلسة.. فاكتشف الخليفة أمرهما وقرر سجن ابن مياح، وبعد مدة أطلق سراحهما وعاد الحبيبان إلى القرية ليكملا قصة الحب التي جمعت بينهما.
وتتجلى ملامح تأثر العرب بالمدرسة الرومانسية من خلال هذه المسرحية فيما يلي:
◅ موضوع المسرحية مؤداه الحب، ومن عادة الرومانسيين أنهم ينزعون منزع التعبير عن ما يعتمل في دواخلهم من مشاعر وما يخالج وجدانهم من أحاسيس؛ فنجد أن سلمى وابن مياح يضحيان معاً في سبيل الحب، فهو"–ابن مياح- يخاطر بنفسه من أجل نظرة وداع لحبيبته، وسلمى تضحي بالمال والجاه والعيش الرغيد في قصر أسطوري من أجل ابن عمها وحبيبها ابن مياح".
◅ توظيف لغة سهلة الفهم تنهل من لغة الناس العادية، ونجد لهذا حضوراً في المقطع الآتي:
عمار: ما تقول؟
القادم: لا ولكني رسول!
عمار: رسول إلي؟
القادم: نعم.
عمار: مرحباً بك، خير أتى بك، من أرسلك؟
القادم: مليك البلاد.
عمار: يعيش الخليفة.
القادم: قد قال لي:
عمار: ماذا قال لك؟
القادم: بشأن فتاتك سلمى فهل.. أصرت على رفضها للخليفة؟
المدرسة الواقعية وأثرها في المسرح العربي:
الواقعية هي "مذهب في الأدب والفن يشير إلى محاولة الأديب أو الفنان تصوير الحياة كما هي عليه في الواقع، وتكمن المهمة الرئيسة للفنان في نظر الواقعي، في وصف كل ما يلاحظه بحواسه، بدقة وصدق شديدين، من غير إهمال لما هو قبيح أو مؤلم"، وهكذا فالواقعية تسعى إلى كشف الواقع وتعريته من خلال الأعمال الأدبية. من أبرز رواد هذا الاتجاه بلزاك وفلوبير. ونظراً لما كان يشهده المجتمع العربي من تفاوتات طبقية واختلالات اجتماعية؛ فإنه من البدهي أن يجوس العرب أغوار هذا الاتجاه ويستلهموا أسسه ومبادئه من أجل التعبير عن واقع أليم يصطلي العرب فيه بلظى المعاناة ونار المأساة، ومن بين من تأثروا بالمدرسة الواقعية والتزموا بقواعدها في كتاباتهم الكاتب المصري نعمان عاشور.
ملامح التأثر بالمدرسة الواقعية من خلال مسرحية وابور الطحين:
يرصد نعمان عاشور من خلال مسرحيته صراع الطبقات؛ بين الطبقة الكادحة البرجوازية وتأميم جميع وسائل الإنتاج للشعب وليس للملكية الفردية، فبين الكاتب مدى تسلط الأعيان على "وابور الطحين" وعدم السماح للفلاحين بممارسة حقوقهم المدنية، وما يبرز انتماء المسرحية إلى الاتجاه الواقعي هو تصوير الكاتب لهموم الشعب المصري انطلاقاً من بيان فساد السياسة والسلطة الحاكمة، ووصف معاناة الشعب المصري نتيجة هذا الفساد. وقد تخللت المسرحية مشاهد مضحكة، مؤدية بذلك وظيفتين اثنتين: وظيفة ترفيهية تروم التخفيف من حدة الملل الذي تبعثه المناقشة الدائرة في المسرحية، ووظيفة نقدية تعمل على السخرية من أوضاع المجتمع وأحواله.
المدرسة الرمزية وتأثيرها على المسرح العربي:
تقوم المدرسة الرمزية على "الكشف عن الحقائق النفسية أو معالجة المشاكل الإنسانية الأخلاقية والاجتماعية عن طريق الأساطير والشخصيات التي ترمز لأفكار دون أن يقصد المؤلف تصويرها حية"، ويمكن تلخيص المبادئ التي قامت عليها الرمزية في الآتي:
◅ رفض مبدأ محاكاة الطبيعة.
◅ رفض العقل، والإيمان بأن ملكة الخيال هي الوحيدة التي تمكن الإنسان من إدراك الحقيقة.
◅ استخدام لغة تعتمد المفارقة والتضاد والصور والاستعارات الغريبة.
◅ الإيمان بضرورة الاعتماد على الإيحاء بدلا من التقرير مع استغلال موسيقى الكلمات.
ومن أبرز رواد المدرسة الرمزية نجد الأديب البلجيكي موريس ماترلينك. وقد تأثر الكتاب العرب بهذه المدرسة وأبدعوا نصوصاً تنضبط لقواعدها وأسسها، ونلفي من ضمن هؤلاء الكاتب والشاعر المصري صلاح عبد الصبور.
ملامح الرمزية من خلال مسرحية الحلاج لصلاح عبد الصبور:
تدور أحداث المسرحية حول شخصية الحلاج باعتباره "مثقفاً معاصراً، اتخذ لنفسه موقفاً محدداً ملتزماً تجاه قضايا وطنه المصيرية التي تتلخص في الاستعباد الذي يفرضه الحاكم على الشعب ليحرمه الحرية، والظلم الذي يتعرض له المحكومون في غياب العدل، والكذب والنفاق الذي ينساق إليه الناس خوفاً من قول الصدق، ويحضر الرمز بشكل مطرد في المسرحية، نورد فيما يلي تجلياً من تجلياته:
الشبلي: صمتا، وإليك جوابك كي ترتد إلى نفسك هل تسألني من ذا صنع الفقر؟ من ألقى في عين الفقراء؟ كلمات تفزع من معناها. وإليك جواب سؤالك. الظلم...
لكني ألقي من وجهك، بسؤال مثل سؤالك.
قل: من صنع الموت؟
قل: من صنع العلة والداء؟
قل: من وسم المجذومين؟ والمصروعين؟
قل: من سمل العميان؟ من مد أصابعه في آذان الصم؟
من شد لسان البكم؟ من سود وجه السود؟