الناقدة باربرا كاسان

"بوتين وترامب يعلمان أن اللسان لا يصف الواقع فحسب، بل إنه يخلقه"

ترجمة: عبدالرحيم نورالدين


باربرا كاسان (Barbara Cassin) الفرنسية الجنسية من مواليد 1947، فيلسوفة، وعالمة فقه اللغة ومترجمة، ومختصة في البلاغة والفلسفة السوفسطائيتين. ومارست كمديرة أبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي الذي منحها الميدالية الذهبية عن أعمالها، وتم انتخابها لتصبح عضوة في الأكاديمية الفرنسية (ابتداء من أكتوبر 2019). ألفت أكثر من 30 كتاباً منها "مديح الترجمة، تعقيد الكلي" (2016)، و"الحنين.. متى يكون المرء في منزله" (2014)، و"أرخبيل أفكار باربرا كاسان" (2014)، و"أرسطو واللوغوس، حكايات في الفينومينولوجيا العادية" (1997)، و"جاك السوفسطائي: لاكان، اللوغوس والتحليل النفسي" (2012)... إلخ. كما أشرفت على إنجاز "المعجم الأوروبي للفلسفات: قاموس المتعذر ترجمته".


 

هناك اقتناع لدى دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، بأن اللغة قوة قائمة بذاتها، وبأن عليهما التحكم فيها. ولذلك فهما يوجدان في مقدمة الهجوم الدلالي الممارس حالياً. تحلل باربرا كاسان، عالمة فقه اللغة وعضو الأكاديمية الفرنسية، الجوانب المختلفة لهذه اللغة الجديدة التي تهدد الثقافة برمتها، وتطرح السؤال التالي: كيف يمكننا مقاومة هذا العدوان الخارق للعادة؟

 

ما الذي جعلك تقتنعين بأن الكلمات تحولت إلى رهان حرب عالمية تُشنّ أمام أعيننا؟

أدركتُ ذلك من خلال معاينتي لقيام ترامب بحظر عدد من الكلمات، أو على الأقل بمنع استخدامها. وصار من يستخدمها في الوثائق الرسمية، من الآن فصاعداً، معرضاً للحرمان من التمويل. بدت لي هذه القائمة المكونة من 150 كلمة مرعبة للغاية. إنها الدليل، إذا ما لجأنا إلى الاستدلال بالضد، على الأهمية التي تحظى بها الكلمات؛ لأن هذين الرقيبين يأملان من خلال حذفها إزالة الأشياء ذاتها. فإذا ما حظرنا كلمتي "الشمول" أو "الاختلاط"، فربما، بالفعل، سيكون هناك شمول واختلاط أقل.

ما الشيء النوعي الضمني في التلاعب باللغة حالياً، الذي يجعله مختلفاً عن الدعاية المعتادة؟

هو إشهاره في الولايات المتحدة، وكونه ملزماً تماماً للأكاديميين والباحثين والمدرسين إذا ما أرادوا الحصول على التمويل. هذه "الصفقة" العلنية، والواضحة والمعروضة على نحو تام، هي ما وجدته حاملا لعنف غير مسبوق في أيامنا هذه. قارنتها بما فعله بوتين عندما منع الكلام عن "الحرب" فيما يتعلق بأوكرانيا. بالنسبة له، كان يجب أن يستعمل المرء عبارة "عملية عسكرية خاصة"، وإلا يتم سجنه. أو طريقته في عدم ذكر اسم خصمه نافالني [Navalny] حتى لحظة وفاته. اعتقدت أن هذين الرجلين كانا في نهاية المطاف ينظران إلى اللغة بتقدير كبير: إنهما يعتقدان أن الكلمات تخلق الأشياء، وأن إلغاء الكلمات قد يؤدي إلى إزالة الأشياء.

ما خصائص اللغة التي يستخدمها كل من بوتين وترامب؟

أولًا، من يستعمل هذه اللغة يتمتع بنفوذ كبير. إنه لمن الغريب، مع ذلك، أن يقوم رئيس الولايات المتحدة الذي يتحدث بطريقة رديئة جداً، بحظر الكثير من الكلمات. إن لغته لغة طفل في الرابعة عشرة من عمره، بمفردات محدودة للغاية، وقواعد نحوية غير دقيقة. لا أصرح بأنه لم تكن هناك سوابق. أحد الأمثلة اللافتة في فرنسا حدث خلال حكم نيكولا ساركوزي. على موقع رئاسة الجمهورية، لاحظت أخطاء إملائية، عادة ما تكون شائعة بين الأطفال الذين لا يدركون معنى اللسان تمامًا. على سبيل المثال، "à" بدلًا من "a" أو صيغة المصدر بدلًا من اسم المفعول... هذا الاستعراض هو الجديد.

هل هناك اختلاف بين ترامب وبوتين؟

نعم. مع بوتين، لا تُرى الفخاخ بوضوح. إنه عالم لسانيات اجتماعية متميز. إنه يتوجه إلى كل شريحة من شعبه، مكيّفاً أسلوبه معها، لكي يتحدث إليها بشكل مباشر. بالنسبة للشيوعيين السابقين، فإنه يستخدم لغة الخشب القديمة. كما يُجري مقابلات، كجدّ جالس بجانب المدفأة، وهو يفتح ثلاجته. ما أذهلني هو استعماله الـ"مات"، لغة العامة السوقية الروسية. كما في عبارته: "سنقتل الشيشان حتى في المراحيض". إنها علامة تمييز بالعلاقة مع الأوغاد. في أحد الأيام، قال لافروف [وزير الخارجية الروسي – المحرر] للرئيس ماكرون خلال رحلة العودة بالطائرة: "يجب أن نعيش وفق التخيلات". إنها كلمة جميلة تتوافق مع مصطلح "المثال" الأفلاطوني. "التخيلات" معارضة لـ"القانون". يعيش أعضاء المافيا وفق "التخيلات"، لا وفق القانون. هذه اللغة مُرمّزة للغاية ومختارة بدقة. في كلتا الحالتين، يتعلق الأمر بالشعبوية. ستمنحوني صوتكم لأنني أتحدث مثلكم، ولأنني أفكر مثلكم، فإنكم ستفكرون مثلي.

يشترك ترامب وبوتين في كراهيتهما لأوروبا، مع التصريح بذلك علانية. لكن هل أوروبا بريئة من هذه اللغة الجديدة؟

لقد تفوقت أوروبا في إساءة استخدام اللغة الجديدة، ولاسيما خلال حقبة النازية. وقد وصف ذلك بدقة فيكتور كليمبيرر [Victor Klemperer]، اللغوي اليهودي الذي احتجز في "منزل اليهود"، والذي ألف كتاب: " LTI لغة الرايخ الثالث"، حلل فيه طريقة تغلغل النازية في لغة الحياة اليومية.

أحد جوانب اللغة الجديدة هو الاستخدام المنهجي لشكل القلب، والذي يتمثل في جعل الكلمات تقول عكس معناها العميق. ما الأمثلة التي تتبادر إلى ذهنك؟

هذا هو أصل اللغة الجديدة التي حللها أورويل في روايته "1984": الحرب والسلام، الكذب والحقيقة. كان المشهد الأبرز، والذي أذهل العالم، هو خطاب جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، في ميونيخ في فبراير الماضي، عندما قال: إن حرية الكلام تُداس في أوروبا. تعبير مُبالغ فيه، ولكنه فعّال للغاية.

إعادة كتابة التاريخ، وخاصةً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تحتل حيزاً محورياً في اللغة الجديدة. هل لديك انطباع بأن إجماعاً ما آخذ في الانهيار؟

بدا للناس أن التاريخ قد استقر، لكن اليوم، صار سرد القصص، هذه القدرة على إعادة كتابة الماضي كما يشاء كل فرد، يغزو كل شيء. ترامب وبوتين متخصصان في هذه العملية، على سبيل المثال، حظر منظمة "ميموريال" غير الحكومية في روسيا، والتي كانت تُعتبر غير قابلة للمساس [أسسها المنشق أندريه ساخاروف لتوثيق الستالينية ومعسكرات الغولاغ - المحرر]. هذه محظورات واقعية ضد علماء التاريخ. يضاف إلى ذلك إعادة صياغة رومانسية للماضي، لكي تتطابق مع الفظائع التي يُراد ارتكابها.

تستشهدين بديزموند توتو، رئيس الأساقفة الذي حارب نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا، والذي ذكر: "لا تقول اللغة الأشياء فحسب، بل تُنشئها". لماذا، بحسبك، يعتبر هذا صحيحاً بشكل خاص اليوم؟

أنا عالمة بالثقافة الإغريقية، وقد درست بعمق السوفسطائية. أعتبر طريقة اللعب بالكلمات من الروعة بمكان، فهي تستعمل كاستعراض لفلسفة السيادة. لقد تلاعب جميع السياسيين بالكلمات. للسان قوة أدائية، كما حلل ذلك الفيلسوف الإنجليزي جون لانغشو أوستن. إنه لا يصف الواقع فحسب، بل يخلقه. وخير مثال عن الأدائية هو "فَليَكُن نور". فليكن نور، فكان هناك نور. الرب هو أول من استعمل الأدائية، إن جاز لي القول. يمتلك الأقوياء، بما أن لديهم السلطة، القدرة على الأداء أيضاً؛ أي تحويل كلماتهم إلى واقع فعلي. لقد فعل ذلك جميع السياسيين في كل الأزمان. ماذا تعني عبارة الجنيرال ديغول "لقد فهمتكم"؟ أو عبارة أوباما "نعم، نستطيع"؟ إن النشر الفوري لرسائلهم على نطاق عالمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُضاعف هذه القدرة أضعافًا مضاعفة. بحيث يصبح من الصعب جدًا مواجهتها.

لماذا لم تعد الحواجز، المانعة للخطابات المفسدة للعقول من غزو المجال العام، فعّالة؟

نحن مذهولون. ويساهم ترامب بشكل كبير في هذا الإذهال. وكلما قلّت مصداقية ما يقوله، ازداد إلحاحه علينا لتصديقه. لم نعد نعرف معنى عبارة رفض التصديق. في مواجهة هذا، فالفضيلة السياسية الوحيدة هي الحكم. أرسم خطا يمتد من بروتاغوراس إلى ديزموند توتو، مروراً بحنه أرندت. قال بروتاغوراس: الإنسان مقياس كل شيء. ومعنى قوله هو أن على كل فرد أن يتحمل عبء كونه هذا المقياس. إنها دعوة لقيام كل فرد بالحكم. أما حنه أرندت، فإنها تقول بأن المَلَكة السياسية الوحيدة هي الحكم، بما في ذلك حكم الذوق. يمكننا التأمل في هذا لمحاولة جعل كل فرد يقوم بالحكم ويمارس تفكيره النقدي.

لماذا تُواجه هذه القدرة على الحكم صعوبة حالياً؟

يجب تطوير هذه القدرة على الحكم وتعليمها. المشكلة هي أننا اعتقدنا أن أوروبا والحضارة الأوروبية وقيمنا تتصف بالكونية. لكن الكوني يبقى دائماً كوني شخص ما. ولم يسبق لنا القيام بوقفة تأمل. ربما يتوجب علينا اختيار قيمنا، إلا أنها قيمٌ من بين قيم أخرى، مثلما أن الفرنسية لغةٌ من بين لغاتٍ أخرى. لقد اشتغلت على المسير الدائم للمدينة العالمية للغة الفرنسية في بلدة فيلير كوتيري. نحن نبين أن الفرنسية لغةٌ تتغذى من لغاتٍ أخرى، وأنها تغذي اللغات الأخرى أيضاً. هكذا تسير الأمور، من خلال التواصل والتبادل. في مواجهة شخصياتٍ مثل ترامب، نحن بحاجة إلى مؤسساتٍ تُعزز قدرتنا على الحكم. لا سُبل للمقاومة سوى الحكم بما يُكون قوة أوروبا، بما في ذلك تعدد لغاتها، وأديانها، والتنوع الذي يؤلفها، والاهتمام بالآخر عندما يكون مختلفاً.

هل أنتِ قلقة بشأن المخاطر التي تُهدد اللسان؟

لقد وُجد هذا الخطر في كل عصر. في جنوب أفريقيا، عرّض نظام الأبارتايد اللسان للخطر، وكان ذلك واضحاً. كان يطلق على من يراد قتلهم اسم "إرهابيين". وقد عشنا نفس الشيء في فرنسا. أشعر بالقلق اليوم لأننا نتحدث باستمرار عن الحرب. الحديث عنها أصبح بالفعل دراما إنجازية. أتمنى لو لم تُستخدم كلمة "حرب" كثيراً. ربما كنا حينها سنصنّع أسلحة أقل وننفق أموالًا أقل عليها.

هل يمكن اعتبار إعادة تأهيل المدرس والمؤسسات التي تدعمه أحد الحلول في هذا السياق؟

بالتأكيد، المدرسون والمؤسسات هم الحل. إنه أمر أساسي. أنا شخصياً أحاول تشجيع الحكم والنقد من خلال تسليط الضوء على ما هو مهم، واقتراح النظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة، وطرح السؤال: ما رأيك فيما تراه؟ ولنتحدث عنه.

 

 

المصدر ◄ مجلة  L'humanite  لومانيتي ماغازين، عدد 27 نوفمبر 2025.

 

 

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها