
التراث المغربي غنيّ ومتنوع بشقيْهِ المادي والمعنوي، وأمام مُعطيات ومغريات الحياة العصرية يطل علينا "الزليج" المغربي، وهو فن عريق من بلاط فسيفسائي بأشكال هندسية ملوّنة، بل هو لغة بصرية تستمد ألقها من التلاقح الثقافي بين الحضارتين الأندلسية والمغربية، وتعتمد صناعة الزليج على آليات وأدوات تقنية مغربية تتطلب مهارات متميزة ودراية واسعة بمختلف مراحل الإنتاج، قبل أن تصبح منتوجاً نهائياً وبجودة عالية؛ إذْ صنّفها بعض المعلمين القدامى بأنها أجمل وأحسن الحرِف العربية تزييناً للنباتات، كالبيوت الفخمة، والقصور والمساجد وغيرها.
◄ من الطين إلى الإبداع
تبدأ رحلة صناعة الزليج المغربي من عمق الأرض، حيث يُستخرج الطين الخام ليغمس في الماء لفترة طويلة داخل أحواض مخصصة، مما يكسبه الليونة والمرونة المطلوبة، بعد ذلك تأتي مرحلة العجن اليدوي، حيث تتداخل الخبرة الحرفية مع قوة الأيدي لتكوين عجينة متماسكة تُقطع بدقة إلى مستطيلات، تترك القطع لتجف قليلاً قبل أن تدخل الفرن، حيث تشوى تحت درجة حرارة متباينة تبعاً لنوعية الطين، بعد خروجها من الفرن، تبدأ مرحلة التزيين حيث تُصبغ بألوان طبيعية مستخلصة من المعادن والنباتات، مستمدة طاقتها من عناصر الطبيعة ذاتها، ثم تُعاد إلى الفرن لتثبيت اللون، وكأنها تنقش هُويتها الخاصة في صلابة الطين. بعدها يأتي دور الحرفي المختص الذي يحمل قلمين أحدهما أزرق والآخر أبيض، يحدد بهما الخطوط والرسومات بدقة متناهية، في عملية تمزج بين الحسابات الهندسية وحس الفنان، لتتحول كل قطعة زليج إلى تحفة تشع ألوناً ولمعاناً من الدقة والإبداع.

◄ عندما يتحول الطين إلى لوحات هندسية
بعد الصباغة، تبدأ مرحلة تقطيع ونقش الزليج وتركيبه في لوحات، وهي من أدق وأهم المراحل التي تتطلب مهارة متناهية وصبراً طويلاً، هنا يمسك الحرفي بمطرقته الحديدية المعروفة بـ"المنقاش"، لينحت المربعات الطينية بطريقة تسهل عليه طرقه، محولاً إياها إلى أشكال هندسية دقيقة تُعرف بـ"الفرم"، وما إن تتجزأ هذه القطع حتى تتحول إلى رسوم وتصاميم متنوعة، حيث تأخذ أشكالاً تقليدية ذات أسماء مثل "الخانم"، و"اللوزة"، و"العرجة"، و"الدرهم"... إلخ.
وبعدها تأتي مرحلة "التفريشة"، وهي بمثابة أشكال هندسية تُرص بعناية لتشكل مربعات، قد تكون على هيئة مربع متناسق أو نجمة متألقة، أو تصاميم معمارية مستوحاة من روح الفن الإسلامي، حيث يتلقى العلم بالجمال في نسيج لا يضاهى من الإبداع البصري.
وتتفاوت درجات الحرارة التي يحتاجها الطين أثناء شيّه في الفرن، فكل نوع له متطلباته الخاصة التي تُكسبه صلابته المميزة، فالطين الأحمر الذي يفيض بحرارة الأرض، يخضع لحرارة تقارب 900 درجة مئوية، بينما يحتاج الطين الأبيض النقي، كبياض الرخام، إلى ما يقارب 1200 درجة مئوية ليصل إلى صلابته النهائية، أما الألوان التي تمنح الزليج المغربي بهاءَه الخاص، فهي مستوحاة من الطبيعة نفسها، إذْ تُستخلص من المعادن والأزهار، وتُذاب في الماء لتصبح صباغة زاهية؛ كأنها ترسم بروح الأرض وألوانها لوحة فسيفسائية تنبض بالحياة.
◄ التقاء الزليج مع عبق التاريخ
يمثل الزليج المغربي جوهرة زخرفية تقليدية، حيث تتجلى روائع الزليج المغربي في العديد من القصور والمساجد والمباني التاريخية في قلب مراكش يبرز قصر الباهية كتحفة معمارية من القرن التاسع عشر، يزدان جدرانه بزخارف زليج متداخلة بألوان زاهية تعكس دقة الحرفيين، أما في الدار البيضاء يتألق مسجد الحسن الثاني، أحد أضخم المساجد في العالم، بلوحات فسيفسائية زاهية من الزليج تحكي قصة براعة الصناعة التقليدية المغربية، أما مدرسة يوسف فهي نموذج متميز للفن الإسلامي، حيث يمتد الزلّيج عبر جدرانها وأعمدتها بإبداع هندسي رائع، أما في مدينة فاس تشهد مدرسة العطارين على عراقة هذا الفن، بحيث تغطي أنماط الزلّيج الدقيقة جدرانها الداخلية، متحولة إلى سجادة بصرية تنطق بأصالة الحضارة المغربية، وفي الرباط فإن قصر المشور السعيد، مقر العرش الملكي يحتضن نقوش الزلّيج التي تمتزج بتفاصيل العمارة التقليدية الفاخرة.
وتعد العلاقة بين الزليج المغربي والزليج الأندلسي علاقة تاريخية وثيقة، حيث انتقل هذا الفن إلى المدن الأندلسية عبر الرحلات التجارية منذ القرن العاشر الميلادي، وبذلك يمكن العثور على نفس تصاميم الزليج المغربي في مدن إسبانيا والبرتغال خاصة في القصور الأندلسية، كقصر الحمراء في غرناطة ومدرسة العنبرة.

◄ الزلّيج بين الفن والعلم
عاش المغرب نهضة ثقافية وفنية في العصور الوسطى، وتحديداً خلال القرن السابع عشر، امتزجت فيها العلوم والفنون لتزهر في كل زاوية من زوايا المعمار المغربي، الذي تحوّل إلى لغة بصرية تسرد حكاية الإبداع والمهارة، حيث لم يعد مجرد زخرفة تكسو الجدران، بل أصبح تعبيراً عن هوية حضارية متجذرة في القصور الفاخرة، والمقابر التاريخية، والنوافير العريقة، وحتى في الحمامات العامة والباحات الرحبة، كان الزليج يتألق بألوانه المبهرة وتصاميمه المتداخلة، مستفيداً من تطور العمارة الإسلامية التي منحته آفاقاً جديدة للابتكار، ومع تطور الحرفة أضاف الصنّاع المغاربة لمساتهم الخاصة، فظهر اللون الأحمر كعنصر جديد يضفي دفئاً على المدن التقليدية، مؤكداً أن الزليج المغربي ليس مجرد فن زخرفي، بل بصمة جمالية تروي قصة المغرب العريق وتاريخه الفني العريق.
◄ خصوصية حرفة الزلّيج وتقنياتها
ما زال الحرفيون في المغرب يُمارسون حرفة الزلّيج باعتبارها ليست مجرد عملية يدوية فقط، بل هي طقس فني تتوارثه الأجيال كأمانة ثقافية، ففي كل قطعة زلّيج، يكمن إرث من الإبداع إذْ لا تعد مجرد بلاطات تزين الجدران والأرضيات، بل هي مرآة تنعكس عليها هوية المغرب المتأصلة في عمق الحضارة الإسلامية والعربية والأندلسية، وما يميز هذا الفن هو استمراريته رغم تعاقب العصور، حيث يظل نابضاً بالحياة محافظاً على طابعه التقليدي، لكنه في الوقت ذاته منفتح على الحداثة، ليظل شاهداً حياً على روعة الفن المغربي وقدرته على تحدي الزمن.

◄ فن يتحدى الزمن
رغم تحديات ومغريات الحياة العصرية، وبفضل تصاميمه الهندسية الفريدة وألوانه الزاهية، حافظ الزلّيج المغربي على مكانته، مستقطباً اهتمام الفنانين والمهندسين المعماريين وعشاق التراث الأصيل، يعود سر استمراريته إلى براعة الحرفيين المغاربة ودرايتهم العميقة بأسس هذه الحرفة، مما جعلها رمزاً للهوية المغربية في الداخل والخارج. ولا يزال الزليجي الفاسي يحظى بسمعة مرموقة في الأوساط الحرفية، حيث استطاع الحفاظ على طابع الزلّيج التقليدي، سواء في أسلوب صناعته أو أشكاله الهندسية المميزة.