غرناطة تميمة البقاء.. حين أبَىَ الياسمينُ الرّحيل!

فاروق الدسوقي

في زقاق ضيق من حي البيازين، ساقتني قدماي نحو قلب غرناطة، كانت الشوارع تلتف حولي كأنها تحرس سراً قديماً، الحجارة المرصوفة تحت قدمي تحفظ صدى خطاي، وتدمجها بخطى العابرين من هنا قبل مئات السنين، تأملت البيوت المتراصة بطلائها الأبيض الناصع وهي تعكس شمس الأندلس، فغمرني إحساس يمزج بين الوقار والشجن، استنشقت رائحة الياسمين وهي تعبق في صدري؛ أحسستها الرسالة الأخيرة التي تركها الراحلون خلفهم، لتظل العطر الوحيد الذي يرفض مغادرة المدينة رغم رحيل أصحابها.

بدأت رحلتي بقصر الحمراء، فاستقبلتني جدران قاعاته وكأنها كائنات حية تتنفس؛ غطتها طبقات من الزخارف الجصية، ووقفت طويلا في "فناء الأسود"، هناك، يتوسط الساحة اثنا عشر أسداً من الرخام، تحمل على ظهورها حوضاً يتدفق منه الماء بهندسة عجيبة، تؤرخ الوقت كأدق ساعة عرفها العصر الوسيط.
 

 عبارة "لا غالب إلا الله"

في تلك اللحظة، استحضرت سيرة "بني الأحمر"، أولئك الملوك الذين شيدوا هذا الصرح؛ فغلبني العجب من إصرارهم على بلوغ ذروة الجمال، في وقت كانت فيه أطراف ملكهم تترنح تحت وطأة السقوط، مررت أناملي على عبارة "لا غالب إلا الله" المحفورة في كل زاوية.

تتبعت أثر تلك العبارة في كتب التاريخ لأفهم سر وجودها في كل ركن، تعود الحكاية إلى لحظة دخول الغالب المنكسر، الملك محمد بن الأحمر، مؤسس دولة بني الأحمر، حين رجع إلى غرناطة بعد حصار طويل ومعارك مريرة، فاستقبلته الحشود في الشوارع وهي تهتف بملء حناجرها: "الغالب.. الغالب"!

هزت هذه الكلمة وجدان الملك الذي استشعر في قرارة نفسه ثقل العبارة التي تقوده خلف بريق النصر الزائف وتملأ قلبه بالغرور؛ فالتفت إلى شعبه وأطلق صرخته الخالدة التي لخصت حال الضعف البشري أمام المشيئة الإلهية: "لا غالب إلا الله".

منذ تلك اللحظة، اتخذ بنو الأحمر من هذه الكلمات شعاراً رسمياً لدولتهم، فنقشوها على كل شبر في قصورهم؛ رأيتها منسوجة في الستائر، ومحفورة في الرخام، ومطرزة في السقوف الخشبية.

أيقنت وأنا ألمس هذه الحروف أنها لم تكن مجرد زينة معمارية، تميمة نفسية احتمى بها ملوك الأندلس من خدعة الزمان لهم؛ فكلما تآكلت حدود مملكتهم وضاق الخناق عليهم، هرعوا إلى جدرانهم يقرأون فيها اعترافاً ضمنياً بأن السلطة زائلة، وأن الملك لله وحده.

 باب الغرور

وفي الجانب الجنوبي من أسوار قصر الحمراء، وقفت أواجه "باب الغرور" الذي ينتصب أمامي كشاهد صامت على فصول النهاية، استحضرت في مكاني هذا صبيحة الثاني من يناير عام 1492، حين اجتاز الملك أبو عبد الله الصغير هذه البوابة العظيمة للمرة الأخيرة، ممتطياً جواده في موكب يقطر حزناً، تخيلته يتوقف برهة قبل أن يبتعد، يلتفت بقلب مثقل نحو حراسه، ويصدر أمره الأخير والوحيد الذي نفذ بدقة: "أغلقوا هذا الباب وسمروه، لئلا يطأه أحد من بعدي".

تأملت الحجارة التي رصها الفاتحون امتثالا لطلب الملك المهزوم وتقديراً لمأساته، فبقي الباب في وجهي موصداً بالنسيان لقرون طويلة، يرفض استقبال الداخلين أو توديع الخارجين.
 

 معاهدة تسليم

وهناك، ارتقيت التلة التي تعرف اليوم بـ"زفرة العربي الأخيرة"، فوقفت في الموضع ذاته الذي شهد انكسار التاريخ عام 1492م، يومئذ، تهاوى ملك الأندلس؛ إذْ سقطت غرناطة نتيجة حصار خانق أحكمه الملكان "فرديناند وإيزابيلا" طوقها لشهور طويلة، حتى استنزف زاد المدينة وأيبس عروق الصبر في نفوس ساكنيها.

وجد الملك أبو عبد الله الصغير نفسه أمام واقع شديد القسوة؛ فمملكته غدت جزيرة منسية وسط لجة من الجيوش القشتالية، وجبهته الداخلية تفتتت جراء صراعات داخلية على العرش وسط "بني الأحمر" أنفسهم.

أجبرت الضغوط العسكرية والتمزق السياسي الملك المهزوم على إمضاء معاهدة تسليم، فخرج في موكب يشبه الجنازة ليدفع مفاتيح قصر الحمراء يدا بيد إلى فاتحيه، مغادراً أسوار مدينته بعدما ضاقت خياراته؛ فاختار الرحيل، هناك، تمثل أمامي خيال الملك المهزوم أبي عبد الله الصغير يلقي نظرته الختامية على مآذن غرناطة وقلاع الحمراء، قبل أن يسلم مفاتيح مدينته للملكين الكاثوليكيين "فرديناند وإيزابيلا".

تراءى لي مشهده وهو يغالب دموعه، فتناهى إلى مسمعي صدى كلمات أمه القوية "عائشة الحرة"، وهي تجلده بعبارتها الساخرة: "ابك مثل النساء ملكاً مضاعاً، لم تحافظ عليه كما الرجال"، واستشعرت في تلك اللحظة ثقل المأساة ومرارة امرأة أدركت أن العرش الذي تهاوى تحت ضربات المدافع والفتن الداخلية، يحتاج لصلابة السيوف لا لرقة العواطف.

تركت صخب الممالك وقلق القصور خلف ظهري، وارتقيت نحو "جنة العريف"؛ ذلك الملاذ الأخير الذي اختاره ملوك غرناطة ليكون قصراً صيفياً تذوب فيه الحدود بين البناء والطبيعة. وقفت هناك، أرصد تدفق المياه عبر "ساقية الساقية" بهندستها الصوتية العبقرية، فاستشعرت كيف يتحول خرير الجداول في أذني إلى معزوفة تملأ جنبات الممرات الضيقة. تحت ظلال أشجار الآس والرمان، شعرت بالزمان يتوقف عن الدوران، وأبصرت عبقرية المهندس الأندلسي في كل زاوية.

ثم صعدت نحو الهضاب الوعرة المواجهة للحمراء، حيث ترتفع قمة "الساكرومونتي" الشاهدة على مأساة الذين حفروا بيوتهم في كبد الصخر؛ فهذه الكهوف حفرها الأندلسيون -الذين أجبروا على التنصر- والغجر بأظافرهم، بعدما طردهم الحكم الجديد من بيوتهم داخل المدينة، رأيت في هذه المغارات البيضاء حيلة المستضعف للبقاء؛ إذْ استوطنوا رحم الجبل هرباً من ملاحقة "محاكم التفتيش"، فصار الكهف سكنهم، ومخبأ لصلواتهم الممنوعة، وسجناً اختيارياً يحميهم من النفي أو الإعدام.

وقفت أمام بيوت غرناطة العتيقة، أتأمل تلك الجدران السميكة التي حرست يوما سر "الموريسكيين"؛ أولئك المسلمون الذين تشبثوا بجذورهم فرفضوا الرحيل، وظلوا يوارون مصاحفهم في تجاويف الحوائط، ويخيطون صلواتهم في ثنايا ملابسهم خوفا من عيون الرقيب.

 فن الفلامنكو

وفي تلك العزلة الموحشة، مزج هؤلاء المطرودون أحزانهم فخلقوا فن "الفلامنكو"؛ سمعت في حشرجات أصواتهم صرخة الموريسكي الذي فقد موطنه، وأنين الغجري الذي لا بيت له، لم يكن رقصهم في الساكرومونتي للتسلية، ضرباً بالأقدام على الأرض احتجاجاً على الظلم.

خرجت من تلك الكهوف وأنا أوقن أن "الساكرومونتي" لم يكن مجرد حي، مأوى لكل من رفضه قومه، إذْ رأيت الموسيقى تندلع من أوتار الآلات متمردة، لتجسد أمامي ذاكرة شعب حرم من أرضه فاستوطن اللحن.

وقفت في قلب "الساكرومونتي" أسترق السمع، فاستوقفني صدى كلمة "أوليه" (Olé) وهي تهز جدران الكهف؛ أدركت أنني أنصت لجوهر نداء عربي عتيق سكن الحناجر لقرون، تذكرت ما أجمع عليه المؤرخون عن عودة هذه الكلمة في أصلها إلى لفظ الجلالة "والله"، وكيف نطق بها الأندلسيون الأوائل طوال ثمانية قرون كلما ملك الطرب نفوسهم أو ذهلوا أمام إبداع بشري، فجعلوا من القسم بالله منتهى التعبير عن الانبهار والدهشة.

تأملت كيف طوّع الزمان مخارج الحروف بعد السقوط، فَخُفّتْ الواو وسكنت اللام لتصبح "أوليه" في أفواه الذين ورثوا الأرض وضاع منهم اللسان، استبقوا دون وعي تلك "الآه" العربية المباركة بذكر الله في ذروة الإعجاب، أيقنت حينها أن اللغة العربية رفضت الجلاء مع الجيوش الراحلة، فاستوطنت الدماء وجرت في عروق الفن، لتظل كل "أوليه" تتردد اليوم بمثابة اعتراف خفي بجمال أندلسي قديم استوجب القسم بعظمة الخالق.

أدرت ظهري للحمراء وفي حقيبتي حفنة من ذاكرة، تيقنت أن المدن العظيمة لا تسقط طالما بقيت جدرانها تنطق بأسماء صانعيها، غادرت المدينة والياسمين يودعني بذات العطر الذي استقبلني به، تركت خلفي أبوابا موصدة وقصوراً تحكي مجداً غاب شمسه، أدركت أن التاريخ لا يموت، ينام في ثنايا اللحن وحناجر المغنين، كل زاوية في هذه المدينة علمتني أن الحروف التي نقشت على الجدران كانت أصدق من العروش التي تهاوت.

علمتني هذه الرحلة أن الذكرى لا تموت، وأن الحجر وإن صمت، يظل ينبض بصدق المشاعر التي سكنته يوماً، فما مضى من الأيام صار قصيدة، وما غاب من الوجوه استحال عطراً يملأ الدروب، سأحمل غرناطة في صدري فكرة لا تقبل الرحيل، وأترك قلبي هناك، وديعة بين يدي ياسمينة لا تذبل، تحرس إرثاً عصياً على الغياب.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها