على سبيل الألم؟!

فتيحة عبد الرحمن بقة

بعد غيابٍ فتحتُ حقيبتي ورحت أفتّشُ فيها عن شيءٍ منّي أفتقده، تعثرتْ أناملي هذه المرة بعلبة صغيرة قد كُتب على وجهها "أردميس شتاء 2015"، شعرت بنكز في قلبي وارتعاشة في يدي؛ لكني لم أتراجع عن فتح العلبة. رفعت غطاءها فانبعث لروحي عبق المسك وعبق الذكريات، أغمضت عينيّ أستنشقه، وأبحرت في يم كان يحمل قارب أسراري، وشيء من عنائي والكثير من صبري.

وتحسست يد أردميس وهي تعانقني، وأنفاس حزنها تبلل كتفي ودموعها وأنا أمسحها بين أناملي، تحسست المكان والزمان ولسعة البرد القارس وقتها، وسمعت صوتي الحزين وهو يُغنّي لها فيروز وأغاني الست... كان المكان مستشفى الأورام بالعاصمة، وكان الوقت يوحي بأن عقاربه توقفت من شدة الخوف، وكان برد الهلع أشد وأمر من هطول المطر الذي كان لعدة ليال متواصلة.

أردميس روح تشبه زهرة الياسمين في رقتها، عذبة كنفحة صباح منبعث من بين أكمام الورد، هادئة كصبري وكظل نخلة مالت بعناقيدها الرطبة باتجاه النهر.

قبل أن تصر أردميس أن أعتني بها، وقبل أن أزفها كانت قد ألفتني واعتادتْ عِناقي وطعامي، ففي الأيام الأولى كانت تجلس على سريرها صامتة متأملة.. ويملأ الرعب عينيها، تنظر للأسرة من حولها وكأنها تلمح أشباحاً، وسرعان ما تبدد كل هذا من أول محاولة لي معها، اقتربت منها وكلمةً بعد ابتسامةٍ أمسكت بيدها بين يديّ وطمأنتها، ثم أخذتها إلى الغرفة المجاورة لترى مثيلاتها يجتمعن حول مائدة سمر يتقاسمن أطراف الوجع، ويستهزئن بالعلل ويراوغن ساعات الانتظار، ويحطمن بالمزح طابور الموعد الذي حدده الأطباء.

كنتُ طيلة الأيام -وبعد أن أنتهي من واجباتي- مع مريضتي، أحرص على أن أذهب لأردميس وأشعرها أنها لم تغادر سورية، وأنّ الجزائر أيضاً وطنها، وأن من تراهم الآن هم أهلها.

لم أكن أشعر بالتعب بقدر ما كنت أشعر بالمتعة والألم، إلى أن حان دورها فدخل عليَّ رئيسُ القسم يدعوني فتبعته دون سؤال، كنت أشعر بيقين المحب أنها تريدني، وكنت على أهبة مما قد يكون.

دخلت عليها وإذا بها تلتفت لتحضنني، شاكستها ملء غصتي حتى تمازجت دموعنا، وراحت كل واحدة منا تمسح دمعة الأخرى.

وأنا أتأمل ما في العلبة تحسست الدمع، وتحسست ملابسها التي جردتها منها قطعة قطعة، وتحسست قبلها خصلة شعرها التي أصرت على الدكتور أن أتولى أنا قصها، وانتابتني رعشة ونبضي يتحسس صوتها، وهي تجهش بالبكاء مع أول طقطقة للمقص، رغم أني كنت أغني لها وأقبلها تارة أخرى، وأكتم بكائي تارات أخر إلا أنّنِي حين استلقت على طاولة العمليات، وهممت لأغطي جسدها البارد شدتني إليها لتعانقني للمرة الأخيرة، بادلتها الحسرة والبكاء فأحست كم أنا أشاطرها الخوف والألم... مرت الأيام وخصلة شعر أردميس ترقد بين ذكرياتي.

رحلت التّجرِبة وما رحل صبري، ولست أدري إن كانت هذه التجرِبة أخذت مني أم أعطتني صبراً على صبري.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها