في تجرِبة وليد الصراف لا يبدو الشعر كتابة عابرة على بياض الورق بل يبدو قدراً يُرافق الشاعر منذ اللحظة الأولى، ويكبر معه حتى يغدو وطناً داخلياً لا يستطيع مغادرته. شاعر يرى نفسه امتداداً لأربعة عشر قرناً من الشعر العربي، لكنه لا يرضى أن يكون ظلاً لأحد، ولا أن يسير في أثر شاعر آخر بل يشق لنفسه طريقاً بين الذاكرة والراهن، وبين جلال التراث وأسئلة الإنسان المعاصر. وفي تجربته يتجاور الشعر والطب والسرد والنقد، وتتحول الموصل من مدينة في الذاكرة إلى جرح شعري مفتوح. هنا يتحدث وليد الصراف عن بداياته وعن الشعر الذي اختاره قدراً، وعن شهادات الكبار والجوائز والموصل والنقد، ومصير القصيدة في زمن تتسع فيه المنابر، ويضيق فيه الإصغاء إلى الشعر الحقيقي.

● كيف بدأت علاقتك بالشعر ومتى شعرت أن الكتابة أصبحت حاجة لا تستطيع التخلي عنها؟
عندما يولد الإنسان يجد منذ اللحظة الأولى حاجة إلى التعبير فيبكي؛ لأنه لا يملك اللغة ولم يتعلم الأسماء بعد. وشيئاً فشيئاً يتعلم الابتسام، ويتعلم الكلام ويمارسه في مدى بين الابتسام والبكاء. هذا يحصل مع كل طفل. والشعر هو تعبير أعمق عن الإنسان ويتطور بتطوره. وكانت جريدة الحدباء أول من نشر نتاجي وأنا طالب في الرابع الإعدادي.
● هل واجهت في بداياتك من حاول أن يثنيك عن الشعر؟ وهل تعرضت لموقف جعلك تعيد التفكير في مستقبل الشعر؟
نعم؛ سمعت من البعض عبارات التثبيط، ولكن شجرة الشعر راسخة الجذور.
أحد الشعراء المسنين وقتها رحمه الله حين رآني في جريدة الحدباء، وعلم أنني حصلت على معدل يؤهلني لدخول كلية الطب، قال لي: اترك الشعر. فاستغربت، وقلت له: الشعر أهم من الطب.
● هل شعرت منذ البداية أن الشعر قدر لا تستطيع الفكاك منه؟
منذ اللحظات الأولى أحسست أن الشعر هو قدري، وأنه النافذة الوحيدة المفتوحة على السجن الذي هو عمري.
كن للقصيدة لا تكن لسواها
واجعل سنينك كلهن فداها
● كيف تنظر إلى الجوائز التي حصلت عليها وما الذي تركته في تجربتك؟
قيمة الجائزة أنها أحياناً وليس دائماً تمنحك شهادات من كبار. الكبير عبد الرزاق عبد الواحد مثلا أمسك الميكروفون وقال كلاماً أذهلني. إنني لا أقف اليوم أمام وليد الصراف، وبمجرد أن عدت إلى الفندق أحسست أن الرجل كريم، وأنه بالغ حين سمع مني أبياتاً لم يكن يتوقع أن يسمعها من الشباب. ولو قرأها الآن لتلاشى إعجابه بها تماماً. فمن أنا ليقول عني هذا الكلام؟ ونسيت هذه الكلمات الكبيرة من هذا الكبير. ولو كانت قد لازمتني لأصابتني بالسكتة الإبداعية، ولتوقفت عن كتابة الشعر. لم يدركني الغرور وقتها وظل الغرور بعدها كلمة أسمع لفظها ولا أعرف معناها.
● ما الشهادات التي بقيت في وجدانك من النقاد والمبدعين؟
كلمة صلاح فضل؛ عندما قال لي ما زال الشعر يطالبك بدية زليخة في نهاية مغايرة أيها الشاعر العملاق. وعندما لعنني إعجاباً في برنامج أمير الشعراء. أما كلمات الدكتور علي جواد الطاهر فأنا مدين لها ما حييت.
● هل كتبت في القصة والرواية إلى جانب الشعر؟
نعم، كنت أفعل ذلك، وقد قلت مرة إنني أحتاج أحياناً إلى أن أغادر البيت الخليلي لأتمشى في فضاء السرد، ثم أعود إليه مرة أخرى. والبيت الخليلي تصوره البعض آيلا للسقوط ولكنني وبعد أن كتب عني الطاهر أيقنت أنه بيتنا الذي يكنفنا دون كل البيوت، وأننا لا بد أن نمد أسلاك الكهرباء إليه، ونحدث أثاثه بين فترة وأخرى. فالعمارة هُوية ومن لا شخصية له أو من هو غير قادر على التحديث لا يجد حرجاً أن يسكن في بيت غيره بل في العراء. وأنا عندما أغادره إلى السرد؛ فإنني أدخل السرد وأنا مليء بأجوائه وفضاءاته.
● هل تشعر أن ما قلته في مسيرتك الشعرية حتى الآن يمثل كل ما تريد قوله؟
بل إنني لم أقل شيئاً حتى الآن، وكل ما قلته سابقاً كان تمريناً على أن أقول شيئاً. وكم كتبت وركنت في الدرج. إن انهماك الشاعر في الشعر يشبه انهماك العالم الذي يسعى إلى اختراع جديد بل هو أعمق وأهم.
● كيف تنظر إلى التراث وأنت شاعر يعيش في زمن مختلف عن زمن أسلافه؟
التراث ليس الماضي الذي مضى وانقضى، بل هو ما بقي حياً من الماضي. وأنا لست كائناً عمره ستون عاماً بل أنا كائن عمره أربعة عشر قرناً، ويشغلني ما يشغل كائناً عمره أربعة عشر قرناً. فأنا لا أحاكي ولا أردد ما قيل من قبلي، بل أستدرك على ما فات الآخرين، والأهم أنني أصنع شيئاً يخصني وحدي ولا يخص أحداً من الماضين.
● كثيراً ما جرى تشبيهك بالمتنبي فكيف تنظر إلى هذه المقارنة؟
أول مَن شبهني بالمتنبي شيخ النّقاد علي جواد الطاهر حين قال وهو يتحدث عن المتنبي: إنه أنار الطريق، وركز الصوى، وترك الخيار للموهوبين أن يجدوا أنفسهم، وأن يكونوا هم أنفسهم. وقال لي سر يا وليد كما أنت وما قدمته يغرينا بالأمل ولا يغرك فيه الثناء. وكتب عبد الرزاق عبد الواحد له جزالة المتنبي، وصنعة أبي تمام، ورشاقة البحتري. هذا المزيج العجيب يمكن أن يتحقق بأعلى تجلياته لوليد الصراف إذا بقي خطه البياني يصعد هذا الصعود. كان فرحي غامراً بهاتين الشهادتين، وكان أكبر من فرحي بنيل شهادة الدكتوراه في تخصصي الطبي. لكنني وبكل وضوح أقول: إنني لا علاقة لي بالمتنبي لا من قريب ولا من بعيد. المتنبي ذروة الشعر العربي، ولم يأت حتى الآن شاعر يبلغه. وأنا لا ألهث وراء المتنبي ولا وراء أي شاعر آخر، بل أسير في ساحتي أنا، ولا يعنيني إطلاقاً أن أبلغ أحداً. أريد أن أبلغ نفسي وكفى.
● هل أفادك الطب في فهم الشعر أم أن الشعر هو الذي أعاد تشكيل رؤيتك للطب؟
بالتأكيد. اكتشفت أن الإنسان بنية تتكون من وحدات بناء وتعمل بقوانين، ولكن ثمة بنية خفية تكمن وراء هذه البنية المنظورة. واكتشفت أن الشعر يشبه الجسد البشري، فهو بنية تختفي خلفها بنية لا تلمس. لقد تداخل الطب والشعر تداخلا لا أستطيع فصمه. لكن البنية الجسدية تنهار في أي لحظة، أما الشعر فقد تدوم بنيته بعد صاحبه طويلا.
● أي قصيدة شعرت أنها تجاوزت حدود الورقة لتصبح جزءاً من حياة الناس؟
قصيدة حدباء لا تقنطي. لقد خطت بحروف ذهبية وأصبحت نصباً قرب جسر السويس وشعاراً لبلدية الموصل، وصنع تمثال مجسم بوحي منها في منطقة الغابات في الموصل، وخطت على جدارية من الجلد، وعلقت في رئاسة جامعة الموصل، ولحنها ملحنون، ورسمها رسامون، وقدمت في عمل مسرحي في هولندا، وسارت في مواكب مهرجان الربيع، وقرأها طلاب في مدارسهم.
● هل تنطلق القصة والرواية والصحافة عندك من المنبع الشعري نفسه؟
نعم؛ كلها تنبع من الشعر ولكنني أعي تماماً أن للسرد قوانينه. حين أكتب قصة يعمل عقلي بمنظومة غير تلك التي يعمل بها عندما أكتب شعراً. وأكثر من مرة كتبت القصيدة نفسها قصة، وكان القارئ لا يشعر وهو يقرأ القصة أنها كانت قصيدة.
● كيف ترى الفرق بين مشرط الجراح ومشرط الشاعر؟
مشرط الجراح وحدة قياس عالمية؛ لأن الجسد البشري واحد. أما مشرط الشاعر فهو مختلف. وعندما يضع الشاعر سماعته على صدر الإنسان العراقي؛ فإنه يسمع خرير دجلة والفرات، وأنين الناس الذين جاعوا وعطشوا وقاسوا في الحروب.
● كيف ترى مستقبل الشعر العربي في زمن تراجع فيه حضور الكلمة؟
لا أحد يستطيع أن يحدس مستقبل الشعر لأنه غيب. لكن وسط هذه الحياة المادية التي تطورت وسائلها بشكل مخيف، دون أن يواكب ذلك تطور مماثل في الغايات تراجع الشعر كثيراً. البعض يقول: إن العصر عصر رواية ثم يقول في الوقت نفسه إنه عصر السرعة، ولا أدري كيف يتفق هذا مع ذاك. إذنْ؛ يبقى الشعر هو الوعاء الأصغر والأبسط، ولكنه يحتوي الأعمق والأنفذ والأثمن، وأنا متفائل أن العرب لا بُد يظهر فيهم الموهوب الفذ في كل زمان ومكان الذي يسبح ضد التيار، ويقول: ما يجعل العصر يستدير إليه ويشيح عن كل شيء.
● ماذا عن علاقاتك كشاعر مع شعراء عرب؟
سأخص بالذكر خمسة من الراحلين، والسادس سأحار فيمن أختار من أصدقائي الأحياء. رحم الله الشاعر اليمني ياسين البكالي الذي التقيته في جدة، والشاعر المصري عبدالله الشوربجي الذي التقيته في الكويت، والشاعر السوري محمد محي الدين مينو الذي التقيته في الإمارات، وتبادلنا الكتب الورقية عبر البريد، والشاعر والسياسي السوري حسن النيفي الذي اختلفنا أنا وهو في حلقة تلفزيونية في اسطنبول في الجواهري، وخرجنا أصدقاء، وشاعر لبنان الكبير محمد علي شمس الدين الذي زرته في بيته في بيروت، وغمرني قبلها بما أخجلني من ظنه الحسن دون حدود بشعري، وقد قلت فيه ما ينطبق على جميع الراحلين إنه تحول من إنسان نصافحه حين يفتح بابه لنا إلى إنسان نصافحه حين نفتح ديوانه، وللشمس لا نقول وداعاً بل إلى لقاء.