
يحتل فيلم «ثلاثة» للمخرجة الإماراتية نايلة الخاجة موقعاً لافتاً في سياق السينما الخليجية المعاصرة، ليس فقط لأنه يمثل تجربتها الأولى في الفيلم الروائي الطويل؛ وإنما لأنه يخوض مغامرة جمالية ونوعية تبدو، للوهلة الأولى، بعيدة عن الصورة النمطية التي ارتبطت بالسينما الخليجية، من خلال اختيار الرعب، وبالتحديد الرعب النفسي المرتبط بمسألة المس والجن والإيمان والطب النفسي. غير أن القيمة الحقيقية للفيلم لا تكمن في اختياره موضوعاً مثيراً أو في استثماره للموروث الديني والثقافي من أجل صناعة الخوف؛ وإنما في الطريقة التي يحول بها هذا الموضوع إلى مساحة للتفكير في الأسرة والطفولة والمرض والذاكرة والذنب وحدود المعرفة وتعارض أنماط تفسير الواقع.
عرض «ثلاثة» عالميّاً للمرة الأولى ضمن الدورة الثالثة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي سنة 2023، ثم دخل إلى الصالات في مطلع 2024. وهو فيلم يمتد لنحو ساعة ونصف، وتدور حكايته حول أحمد، وهو فتى في الثالثة عشرة من عمره يبدأ في إظهار أعراض غريبة ومقلقة، فتجد والدته مريم نفسها ممزقة بين التفسير الطبي والنفسي والتفسير الروحي التقليدي. وتزداد الأزمة تعقيداً بسبب وضع الأسرة وانفصال الأم عن زوجها، والضغط الاجتماعي الذي يجعل الأم تحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية ما يحدث لابنها. وقد أكدت الخاجة في أكثر من حوار أن الفيلم يستند إلى تجربة واقعية عايشتها، وأن موضوعه يرتبط بذكرى شخصية شديدة الحضور في ذاكرتها.
من هنا يصبح «ثلاثة» أكثر من فيلم رعب بالمعنى التصنيفي المباشر؛ إنه فيلم عن الخوف من العجز أمام الآخر، وعن عجز اللغة الطبية والدينية والاجتماعية عن الوصول إلى حقيقة واحدة ونهائية. إن السؤال الذي يضعه الفيلم أمام المشاهد ليس ببساطة: هل أحمد مصاب بمرض نفسي أم أن جسده تسكنه كائنات غيبية؟ وإنما سؤال أكثر تعقيداً: ماذا يحدث للإنسان عندما يعجز عن تفسير ما يحدث له أو لمن يحب؟ وكيف يمكن للخوف أن يحول الأسرة إلى فضاء للصراع بين أنظمة معرفية مختلفة؟ وتبدو أهمية الفيلم في أنه لا يقدم إجابة جاهزة. فقد صرحت المخرجة بأنها أرادت ترك المسألة مفتوحة أمام المتلقي، وأنها لا تريد فرض تفسير علمي أو غيبي واحد على التجربة. وهذا الاختيار هو الذي يمنح الفيلم جزءاً مهماً من قوته النقدية؛ لأنه يحول الغموض من مجرد تقنية لإثارة الرعب إلى مبدأ جمالي وسردي.
يبدأ «ثلاثة» من منطقة مألوفة في سينما الرعب: طفل تتغير سلوكياته بصورة تدريجية، وأم تلاحظ أن شيئاً ما يحدث له، ثم تبدأ الأعراض في التصاعد. لكن الفيلم لا يذهب مباشرة إلى تفسير خارق للطبيعة، بل يبني الرعب من خلال الانتظار والمراقبة والتردد. وهذا الاختيار مهم للغاية؛ لأن الرعب الحقيقي في الفيلم لا ينشأ من ظهور الكائن الخارق بقدر ما ينشأ من عدم القدرة على معرفة طبيعة ما يحدث. لقد أشارت بعض القراءات النقدية للفيلم إلى أنه يتجنب الاعتماد المفرط على «قفزات الرعب» المفاجئة، ويعتمد بدلا منها على بناء التوتر تدريجياً، بحيث يصبح ما لا نراه أكثر إثارة للخوف مما نراه فعلاً. وهنا تكمن إحدى أهم سمات اللغة السينمائية للفيلم: تحويل الغياب إلى حضور، والمجهول إلى قوة درامية.
إن الخوف في «ثلاثة» لا يأتي دائماً من الصورة الصادمة؛ وإنما من انتظار الصورة، الكاميرا لا تقدم كل شيء دفعة واحدة، بل تجعل المشاهد يعيش حالة الترقب نفسها التي تعيشها الأم. ومن ثم فإن المتلقي لا يصبح مجرد متفرج على الرعب، بل يتحول إلى طرف في عملية البحث عن تفسير. إنه يعرف بقدر ما تعرفه مريم تقريباً، ويشك كما تشك، ويخاف لأنها تخاف. وهذا يضع الفيلم في تقليد طويل من أفلام الرعب النفسي التي جعلت الإدراك نفسه موضعاً للشك، فالمشكلة ليست دائماً في وجود الوحش، بل في السؤال حول ما إذا كان الوحش موجوداً أصلاً. ومن هذه الزاوية يمكن استحضار أفلام مثل «The Others» و«Repulsion»، وهما من الأعمال التي ذكرت الخاجة نفسها أنها شاهدتها من أجل تحديد اللغة البصرية والنفسية التي تريدها لفيلمها. لكن «ثلاثة» لا يكتفي باستنساخ النموذج الغربي؛ إنه يعيد صياغة هذا النموذج داخل منظومة ثقافية عربية وإسلامية.
وهنا تحديداً تظهر القيمة الجمالية للفيلم. فالجن في «ثلاثة» ليس مجرد نسخة محلية من الشيطان الموجود في أفلام الرعب الغربية، كما أن طقس الرقية ليس مجرد استبدال للكنيسة بالكتاب أو للمسيح بالنص القرآني الكريم. إن الفيلم يحاول نقل بنية الرعب ذاتها من منظومة ثقافية إلى أخرى، ولهذا لاحظت مجلة «سكرين دايلي» أن الفيلم يقوم على صدام بين الطب الغربي والتقاليد العربية في معالجة تجربة المس. إن هذا الصدام ليس مجرد خلفية للحكاية، بل هو أحد محركاتها الأساسية: لدينا طبيب غربي يؤمن بالمنهج التجريبي، ولدينا محيط اجتماعي يرى في المسألة إمكانية لوجود قوة غيبية، وبين الطرفين تقف مريم، لا بوصفها شخصية تملك الحقيقة؛ وإنما بوصفها أماً تبحث عن أي تفسير يمكن أن ينقذ طفلها.
ومن هنا يمكن القول؛ إن الفيلم يبني رعبه على تعدد أنظمة المعرفة: الطب يقدم تفسيراً، والمجتمع يقدم تفسيراً، والدين يقدم تفسيراً، لكن لا أحد يمتلك اليقين الكامل. وبذلك يتحول «الجن» من مجرد شخصية غيبية إلى استعارة للمجهول نفسه؛ أي لكل ما لا يستطيع الإنسان أن يخضعه بسهولة للقياس والتفسير. هذه النقطة تجعل الفيلم قابلا لقراءة سيميائية تتجاوز الحكاية، فالجسد في «ثلاثة» يصبح العلامة المركزية التي تتصارع حولها التأويلات. جسد الطفل هو المكان الذي تظهر عليه الأعراض، لكنه في الوقت نفسه يتحول إلى نص مفتوح: الطبيب يقرأه بطريقة، والأم تقرؤه بطريقة أخرى، والمعالج الديني يقرأه بطريقة ثالثة، ومن ثم فإن السؤال ليس فقط: ماذا يحدث للجسد؟ بل: من يمتلك حق تفسير الجسد؟

إذا كان أحمد هو مركز الأحداث الظاهر؛ فإن مريم هي الشخصية التي تمنح الفيلم عمقه الإنساني، فالرعب هنا ليس قصة فتى مسه الجن بقدر ما هو قصة أم تخشى أن تفقد ابنها. وقد أوضحت الخاجة أن الفيلم يهتم أساساً بحب الأم لطفلها وبالقرارات التي يمكن أن تتخذها تحت ضغط الخوف واليأس. هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة؛ لأن الأم في الفيلم ليست شخصية تقليدية تنتظر أن يأتي رجل لإنقاذها أو إنقاذ طفلها؛ إنها امرأة مطلقة، تدير حياتها وتحاول رعاية ابنها، لكنها تجد نفسها في لحظة الأزمة أمام شبكة من الأحكام الاجتماعية والضغوط العائلية. وهنا يصبح المرض، أيا كان تفسيره، أزمة شخصية وأخلاقية واجتماعية في الوقت نفسه.
فالطفل لا يعاني وحده؛ الأم تعاني أيضاً، بل إن الفيلم يجعل معاناة الأم جزءاً من آلية الرعب. إنها لا تعرف هل أخطأت في تربية ابنها، وهل قصرت في علاقتها بالدين، وهل هناك ذنب ما ارتكبته، وهل ما يحدث عقاب أو ابتلاء أو مرض أو مس. وفي حديثها عن شخصية مريم، أشارت الخاجة إلى أنها أرادت تصوير أم تعيش حالة من اليأس والارتباك وتحمل قدراً كبيراً من الشعور بالذنب، خصوصاً لأنها أم عازبة. وهنا تتحول الأمومة من قيمة عاطفية إلى بنية درامية، فحب الأم لا يجعلها أكثر عقلانية بالضرورة؛ بل قد يدفعها إلى اتخاذ قرارات أكثر خطورة، وهذا ما يجعل الفيلم أكثر تعقيداً من ثنائية «العلم صحيح والخرافة خاطئة». إن الفيلم يقول شيئاً أكثر إنسانية: عندما يتعلق الأمر بإنقاذ طفل، يمكن للخوف أن يجعل الإنسان يتشبث بكل الاحتمالات.
ومن الناحية السيميائية، يحتل البيت موقعاً مركزياً في هذا الصراع، فالبيت يفترض أن يكون فضاء الأمان، لكنه يتحول تدريجيّاً إلى فضاء للتهديد، وهذه واحدة من أقدم تقنيات سينما الرعب: تحويل المكان الحميم إلى مكان غريب. لكن «ثلاثة» يضيف إلى هذه التقنية بعداً ثقافياً؛ فالبيت ليس مجرد فضاء معماري، بل فضاء تتقاطع فيه الأسرة والدين والعادات والذاكرة. إن الرعب يصبح أكثر فعالية عندما يأتي من المكان الذي يفترض أن يحمي الإنسان، فغرفة الطفل لم تعد مجرد غرفة؛ السرير ليس مجرد مكان للنوم؛ الممر ليس مجرد ممر؛ والليل ليس مجرد غياب للضوء. كل عنصر يومي يصبح قابلا لإعادة التأويل، وهذا ما يفسر اعتماد الفيلم على التدرج في صناعة الخوف بدلا من الصدمة المستمرة.
وتظهر هنا أهمية الصورة المعتمة التي اختارتها المخرجة، فقد تحدثت الخاجة عن ميلها إلى اللون الداكن والظلال؛ لأنها ترى أن الظلمة تسمح لها بخلق جو بصري غني وتوسيع إمكانات اللعب بالظلال والألوان. وبالتالي فإن الظلمة في الفيلم ليست مجرد غياب للضوء، وإنما مادة تشكيلية، فالظل يمكن أن يكون علامة على شيء موجود خارج مجال الرؤية، لكنه يمكن أيضاً أن يكون علامة على الخوف نفسه. عندما لا نرى مصدر الخطر، يصبح خيالنا شريكاً في إنتاجه، ولذلك يمكن اعتبار «ثلاثة» في جانب منه فيلما عن العلاقة بين الرؤية وعدم الرؤية: ماذا نرى؟ ماذا لا نرى؟ وماذا نتخيل أننا نراه؟
ومن هنا تتصل الصورة السينمائية بالذاكرة الشخصية للمخرجة، فقد أكدت الخاجة أن أصل الفيلم يرتبط بتجربة حقيقية عاشتها أو شهدتها عن قرب، وأن مشاهدة طفل يعاني من تجربة قاسية تركت أثراً نفسياً عميقاً فيها. ولذلك؛ فإن تحويل التجربة إلى فيلم لا يعني فقط استعادة حدث قديم؛ وإنما إعادة تنظيم الذاكرة بواسطة الصورة. وهذا ما يسمح بقراءة «ثلاثة» باعتباره سينما للذاكرة أكثر منه مجرد سينما للرعب، فالرعب هو الشكل الظاهر، أما الذاكرة فهي المادة العميقة، والمخرجة لا تستعيد الماضي كما حدث؛ وإنما تعيد بناءه وفق منطق الفيلم. وهنا تصبح السينما نوعاً من إعادة امتلاك التجربة؛ أي تحويل شيء مؤلم وغير قابل للسيطرة إلى شيء يمكن تنظيمه داخل إطار سردي وبصري.
وتكتسب تجربة «ثلاثة» أهميتها أيضاً من موقعها داخل السينما الإماراتية المعاصرة، فقد ظلت السينما العربية عموماً أكثر ارتباطاً بالدراما الاجتماعية والكوميديا والأفلام السياسية، بينما ظل الرعب أقل حضوراً، رغم غنى المخيال العربي بالقصص المرتبطة بالجن والأشباح والأرواح واللعنات. وقد أشارت الخاجة نفسها إلى أن الرعب لا يزال أقل حضوراً من الكوميديا والدراما في السينما العربية. ومن ثم فإن اختيارها هذا النوع يحمل بعداً ثقافياً، إنها لا تحاول فقط إنتاج فيلم رعب إماراتي، بل تحاول اختبار قدرة الثقافة المحلية على الدخول في حوار مع نوع سينمائي عالمي شديد الارتباط بالسينما الأميركية والأوروبية.
واللافت أن الفيلم لا يتعامل مع الغرب باعتباره نقيضاً مطلقاً للشرق، فالطبيب الغربي لا يظهر بوصفه عدواً، كما أن المعالج الديني لا يقدم باعتباره مجرد ممثل للخرافة. هناك مسافة نقدية تجاه الطرفين، فالعلم لا يستطيع دائماً تفسير كل شيء من وجهة نظر الشخصيات، والتفسير الروحي لا يخلو من مخاطر عندما يتحول إلى يقين مطلق. وهذا يمنح الفيلم بعداً حوارياً، فالطبيب يدخل إلى عالم الأسرة الإماراتية، ويضطر إلى الاقتراب من ثقافتها كي يفهم ما يحدث. وهنا يصبح «الآخر» جزءاً من الحل وليس مجرد مصدر للتهديد، وقد اعتبرت بعض القراءات أن وجود الطبيب البريطاني داخل قلب الأسرة الإماراتية يمثل أحد العناصر المميزة للفيلم؛ لأنه يتيح بناء علاقة مباشرة بين منظورين ثقافيين مختلفين.
من جهة أخرى، يمكن قراءة «ثلاثة» ضمن ما يسمى في النقد السينمائي بـ«توطين النوع»، فالفيلم يأخذ قواعد الرعب المعروفة عالمياً، لكنه يغير مكوناتها الثقافية. إن الكائن المخيف هنا لا يأتي من الأساطير الأوروبية؛ وإنما من فضاء ثقافي إسلامي؛ والطقس لا يتم في كنيسة، وإنما في سياق ديني عربي؛ والصراع لا يجري بين الكاهن والشيطان بالطريقة التقليدية، وإنما بين الطبيب والمعالج الديني والأم والأسرة والطفل. لكن الأهم أن الفيلم لا يجعل الدين نفسه مصدراً للرعب، إن مصدر الرعب الحقيقي هو حالة عدم اليقين التي تحيط بالطفل، الدين يصبح أحد أنظمة التعامل مع المجهول، كما يصبح الطب نظاماً آخر. ومن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ الفيلم بوصفه محاولة للتوفيق بين عالمين لا يقدمهما باعتبارهما متعارضين بالضرورة؛ وإنما باعتبارهما طريقتين مختلفتين في فهم الألم الإنساني.
إن هذه المنطقة الرمادية هي التي تمنح الفيلم قيمته، فلو اختار الفيلم تفسيراً علمياً نهائياً لانتهى جزء كبير من غموضه، ولو اختار تفسيراً غيبياً نهائياً لتحول إلى فيلم ديني مباشر. لكنه يترك المشاهد في المنطقة الوسطى، وهي منطقة أكثر إثارة من الناحية السينمائية والفكرية. ولعل هذا هو السبب في أن «ثلاثة» يستحق أن يقرأ خارج التصنيف التجاري لفيلم الرعب، إنه فيلم عن الحدود: حدود العلم، وحدود الدين، وحدود الأسرة، وحدود المعرفة، وحدود الصورة نفسها. وفي كل مرة يعتقد المشاهد أنه اقترب من الحقيقة، يعيد الفيلم إنتاج المسافة بينها وبينه.
ومن منظور سيميائي أيضاً، يمكن القول إن «ثلاثة» يقوم على منظومة من العلامات المتصارعة، الجسد علامة، والبيت علامة، والظل علامة، والصوت علامة، واللغة علامة، والطقس الديني علامة، وحتى الصمت علامة. لكن هذه العلامات لا تمتلك دلالة ثابتة، إنها تتغير بحسب الجهة التي تقرأها. وهنا تتحول وظيفة المشاهد من استقبال الحكاية إلى المشاركة في إنتاج معناها. والصوت، بدوره، يؤدي دوراً أساسياً في إنتاج هذا الالتباس، فالرعب لا يحتاج دائماً إلى صورة مرئية؛ أحياناً يكون الصوت القادم من مكان غير محدد أكثر إثارة للقلق. ولهذا فإن العالم السمعي للفيلم يشتغل على توسيع المجال خارج الكادر: ما لا نراه يمكن أن يوجد في الخارج، وما نسمعه يمكن أن يكون حقيقة أو وهما، وبذلك يصبح خارج الصورة جزءاً من الصورة.
وهذه استراتيجية شديدة الأهمية في السينما؛ لأن الرعب الأكثر فاعلية لا يملأ الشاشة بكل شيء، وإنما يترك فراغات يجبر المتلقي على ملئها. كلما قل ما تقدمه الصورة من معلومات، ازدادت قدرة المخيلة على بناء الاحتمالات، ومن هنا يمكن القول إن «ثلاثة» لا يصنع الخوف من خلال فائض المرئي؛ وإنما من خلال إدارة النقص في المرئي. إن التجربة التي تقدمها نايلة الخاجة تكتسب، في النهاية، أهميتها من كونها تربط بين الشخصي والثقافي والنوعي. هناك ذاكرة شخصية تقف خلف الحكاية، وهناك مجتمع إماراتي تتحرك داخله الشخصيات، وهناك نوع سينمائي عالمي تتم إعادة صياغته، وهذه المستويات الثلاثة لا تعمل منفصلة، بل تتقاطع في بناء الفيلم.
إن قيمة فيلم «ثلاثة» تكمن في أن الرعب فيه لا يأتي من الجن وحده؛ وإنما من احتمال فقدان الطفل، ومن عجز الأم، ومن هشاشة الأسرة، ومن الخوف من الحكم الاجتماعي، ومن عدم القدرة على تفسير ما يحدث. ولهذا يصبح الكائن الغيبي، في القراءة الأعمق، صورة من صور المجهول الذي يطارد الإنسان عندما تنهار أدواته المعتادة لفهم العالم.

وفي النهاية؛ يمكن النظر إلى الفيلم باعتباره تجربة في تحويل الخوف الشخصي إلى لغة سينمائية مشتركة. فالمخرجة تبدأ من تجربة شديدة الخصوصية، لكنها لا تنتهي عند الاعتراف الشخصي؛ بل تحولها إلى خطاب عن الأمومة والطفولة والمرض والذاكرة والإيمان، وهذا الانتقال من الخاص إلى الكوني هو أحد شروط القيمة الفنية لأي تجربة سينمائية. إن «ثلاثة» يكتسب أهميته أيضاً من كونه يثبت أن السينما الخليجية قادرة على الاشتغال على الأنواع السينمائية دون أن تظل أسيرة للموضوعات التقليدية. فالرعب هنا ليس هروباً من الواقع؛ وإنما طريقة أخرى للاقتراب منه، والجن ليس بالضرورة موضوع الفيلم النهائي، بل وسيلة لاختبار علاقة الإنسان بما لا يستطيع فهمه.
وعليه؛ فإن «ثلاثة» يمكن أن يقرأ باعتباره فيلماً عن «أزمة التفسير»، كل شخصية تحاول أن تفسر وتؤول ما يقع من أحداث من منظورها وطاقاتها التخييلية ومعتقداتها الثقافية، لكن الحقيقة تظل مؤجلة: الطب يفسر، والدين يفسر، والأسرة تفسر، والطفل نفسه يعيش التجربة من داخل جسده، بينما الكاميرا تراقب الجميع دون أن تمنح المشاهد مفتاحاً نهائياً. ومن هنا تأتي قوة الفيلم: إنه لا يخيفنا فقط بما يعرضه؛ وإنما بما يجعلنا عاجزين عن حسمه.