حكاية الكسادي

وجدي الأهدل

تعمَّر خمسين كسادًا، اسمه الكسادي، واختار مهنة كاسدة.

أن تكون ممثلًا كمن يبيع الماء في حارة السقايين، فاليمنيون أمة من الممثلين بالفطرة، يخدعون الملائكة والشياطين، فكل واحد منهم يلعب دورًا ليعيش ويُعيل نفسه، فلا أحد سيعرفهم على حقيقتهم باستثناء السيد الأخير الذي سيأتي لانتزاع أرواحهم.

ينام الكسادي في لوكاندة رثة، لا تليق بمقامه كممثل يظهر في مسلسلات تلفزيونية شهيرة، لكن قذارتها كانت تبعث الطمأنينة في نفسه، فلن يفكر مالكها في رفع أجرة السرير، ما دامت حتى ضفادع المستنقعات تتأفف من المبيت فيها.

حين يؤذن الفجر تبدأ الضوضاء، ويتسابق النزلاء على الحمام الوحيد، البعض يُصلون في الجامع، والغالبية يغادرون إلى أعمالهم، وأما هو فلعله يشاء متابعة النوم، ولكن مسنًا بعين واحدة يظل يزعق في المستلقين "صلاة يا عباد الله"، أحيانًا كان يطيعه ويُصلي، وفي مرات نادرة كان يتولاه الغضب فيتشاجر معه، وينتف قبضة من شعر لحيته ويجبره على السكوت.

الكسادي قصير القامة، أعجف، تستخف به العين فتمسحه بنظرة واحدة، وتحسبه كومة عظام، لكنه إذا دخل نزاعًا أظهر شراسة وبأسًا، وجُلُّ هجومه ينصب على وجه خصمه، فيكيل له بكلتا يديه صفعات متتالية سريعة جدًا تفقده توازنه، أو يحرث بأظافره أتْلامًا في الخدين فينز منهما الدم، فهو يقاتل كقطط الشوارع، ويعرف كيف يفرض هيبته على من يستفزه.

له وجهٌ كالح مثل قماش أبلاه الزمن، مُعَشَّبٌ بالندوب والشطوب، أسمر مثل رغيف محروق، غزته التجاعيد والأخاديد، فإذا هو مُجسم مصغر لتضاريس بلاده الوعرة.

يقضي الصبح والمساء متسكعًا ما بين شارع المطاعم وميدان التحرير، يرتاد كل مقهى، يترقب وصول الأصدقاء، يتقرب من أصدقائهم زلفى، يوزع عليهم في ذهنه احتياجاته اليومية؛ واحد يمده بقيمة الخبز، وثانٍ يعطيه ثمن الشاي، فإن كان يوم سعده لقي صديقًا ثالثًا يؤتيه ورقة يشتري بها صحن سحاوق (طماطم مسحوقة مع الجبن والفلفل)، ثم يصل متأخرًا صديقه المدخن، فيعزم نفسه على سيجارة، وحين يوقدها ويسحب نفسًا يشعر فعلًا أنه على ما يرام، ولا داعي للقلق من الكساد الذي يضرب البلاد.

استلم أول دور له في سن العاشرة، وتصرَّمت أربعون عامًا لم يظفر خلالها بدور بطولة، وكأن سوفوكليس نقش على جبينه "كومبارس".

المخرجون ينظرون إليه كممثل صعب المراس! يتعاملون معه مرة واحدة ثم لا يعاودون الاتصال به مرة أخرى! نزقه وعصبيته وارتجاله للوازم سمجة ومحاولته سرقة اهتمام الكاميرا بحركات مبالغ بها من وجهه ويديه، كل ذلك ساهم في إقصائه عن الأدوار المهمة.

ملامحه تُناسب أدوار بطل الشر، لكنه لم يكن بذكاء الأشرار ومكرهم، سذاجته فاقعة حين يقف أمام الكاميرا! حتى البراغيث تعلم أن السذاجة والشر ضدان لا يجتمعان.

الكاميرا كانت تكرهه لسبب مجهول! هو في الأصل قبيح، ولكن بنت الذين كانت تُبديه للمشاهدين أشد شناعة مما هو عليه في الحقيقة.

لقد وعى الكسادي الدرس: الحياة مثل الكاميرا، تُحابي بعض الوجوه، وتبصق في وجوه من لا يروق لها. وإذا سألته سيقول لك إن البصاق يملأ وجهه ولا أمل أن يجف!

في عام مولده توفي جده، واستولى عمه كبير إخوته على الميراث، فلم يرثوا سوى دار عتيقة في الريف.

هاجر والده الفلاح إلى صنعاء بعد أن طحن الجفاف الزرع والضرع، وقضى أعوامًا عامل بناء بالمياومة إلى أن أقعده الهرم.

التحق الكسادي بالتعليم حتى الصف السادس الابتدائي، وتطوع في عرض مسرحي مدرسي، فظهر في دور حامل مظلة تقي الملك من الشمس، وحضر العرض وزير التربية والتعليم الذي كرمهم بشهادات تقديرية.

ما يزال يحتفظ بالشهادة ويتباهى بها إذا احتدم السجال حول تاريخه الفني العريق.

عذَّبه القولون العصبي، كان يتقاتل مع قولونه آناء الليل والنهار مثل جارٍ مزعج. كان يشعر بدبيب أمراض كامنة في جسمه، ولكنه لم يجد بُدًا من تجاهلها، فموارده لا تكفي حتى لفحص بوله.

كان تقليديًا في أفكاره، ويعتنق آراءً محافظة حول المرأة، لكنه يلين قليلًا إذا تعلق الأمر بالتمثيل، فيوافق أن تحضر المرأة إلى مواقع التصوير بشرط أن يكون معها محرم. لكن الأفضل برأيه أن يلعب الرجال أدوار النساء، رغم أنه شخصيًا لم يتنازل قط ليلعب دور امرأة.. كان يرى ذلك عيبًا وستلفظه قبيلته وتتبرأ منه.

التحق بعدة أحزاب، محفظته منتفخة ببطاقات عضويتها، ولكنه لم يتمكن من تقديم (نُمرة) في السيرك السياسي.

إنه واضح وصريح، لا يجيد النفاق والمديح، وبذا عجز عن التماهي مع أيّ جماعة أراد الانتماء لها، فأينما ذهب عانقه الكساد، فلا حزب رحب به فعلًا.

في سوق الزواج فاتته جميع القطارات، والكساد ظل يطارده حتى أبقاه في محطة الحياة وحيدًا.

إحدى هواياته إطعام القطط المشردة، يلم الفضلات من محلات السمك والدواجن، وتتجمع حوله قرابة ثلاثين وأحيانًا خمسين قطة، يرمي لكل واحدة منها نصيبها، يتحرى العدل في إطعامها، ويفض المشاجرات بينها بصرخة منه، ويقضي ساعة من أجمل ساعات يومه بصحبتها، وهكذا اكتسب رائحة مُربي القطط التي لازمته كرائحة الورق في الكتب.

في شهر شعبان تستيقظ الدراما اليمنية من سباتها، وينشط الطباخون في توفير السنبوسة المقلية بكاميراتهم للصائمين، ويحصل الكسادي على دفعات متواضعة، يفترض أن تكفيه إلى الموسم الدرامي التالي.

في المواسم الجيدة كان يستأجر حانوتًا بلا دورة مياه في زقاق ضيق برخص التراب، ويهنأ بالخصوصية لأمد محدود إلى أن تنفد أمواله.

في عز الشتاء، منتصف الليل، رأى واحدًا من رواد مقهى مدهش جالسًا على مقعد خشبي طويل يرتعد من البرد وهو يُغالب النوم، فأدرك أنه بلا مأوى، سلَّم عليه وسأله عن أحواله، فأخبره الشاب أنه وصل منذ ساعات مُرحلًا من دولة أفريقية.. لم يكن يحمل أوراقًا ثبوتية ولا مالًا ولا شيء سوى الملابس التي تستر بدنه. أشفق عليه الكسادي وعرض عليه البيات معه في الحانوت الذي اتخذه مسكنًا، فوافق وسار معه.

وخرج الكسادي ليقضي حاجته في الحمام ويصلي الفجر كدأبه كل يوم، فلما عاد وجد أن الشاب قد غادر وحمل معه المال الذي كسبه من أدواره الصغيرة، وكل المتاع الذي جمعه على مدار سنين طوال، بما في ذلك ملابسه كلها.

لم يُبلِّغ الشرطة، وبعد أشهر أبصر الكسادي ذلك الشاب في المقهى عينه، فلم يفضحه ولم يؤنبه، وصافحه كما صافح من حوله، ونسي موضوع السرقة كأن لم يكن.

امرأة على عتبة الأربعين، فقدت زوجها في الحرب كما تزعم، وخلفت منه بنتين توأمين، نزحتْ إلى صنعاء فرارًا من الاشتباكات في منطقتها، وألفتْ نفسها بلا عائل، وقادتها الصدف إلى الكسادي، فطلبت منه أن يتوسط لها عند معارفه لتمثل.

رغم براعتها المذهلة في التمثيل واصطناع المسكنة، لكن أمام الكاميرا كانت تتبخر كل مواهبها، وتصبح فجأة عاجزة عن إتقان أيّ دور! مفارقة شغلت ذهن الكسادي طويلًا!

بعد فشلها الذريع، أخبرت الكسادي أنها قررت بيع كليتها لتهاجر مع طفلتيها إلى أوروبا.

تأثر الكسادي بدموعها، وصعدت النخوة في رأسه، فأعلن أنه على استعداد لبيع إحدى كليتيه ليوفر لها تكاليف الهجرة إلى القارة العجوز.

لم يكن عرضًا فارغًا، والمرأة أمسكته من عنقه، وسلمته لمستشفى خاصٍ يُتاجر بالأعضاء، وحصلت على خمسين ألف دولار، وأعطت للكسادي مبلغًا ضئيلًا لا يكاد يُذكر ورحلت.

هناك مُنحتْ اللجوء، ونعمت بالسكن والتأمين الصحي ودخل شهري باليورو، وبعد بضع سنين نالت هي وابنتيها الجنسية، ونسيت تمامًا كلية الكسادي التي أوصلتها لبلاد الثلوج.

لم يخبر الكسادي أحدًا بالمعروف الذي أسداه، واكتفى بشعور السعادة البسيط الناتج عن مساعدة إنسان محتاج.

يتذكر أنها وعدته أن ترسل له فيزا عمل كنوع من رد الجميل، منذ البداية أحس الكسادي في قرارة نفسه أنها لن تفعل وهو ما كان.

خبرته الطويلة في التمثيل جعلته يدرك من نبرة صوتها الواهنة وابتسامتها المخاتلة نواياها الخبيئة، عرف الحقيقة بلا أسى.

وأتى موسم الأمطار الصيفية، وجرف السيل طفلًا في السائلة، فلم يتردد لحظة ورمى بنفسه في الماء السريع الجريان، أراد أن يمسك بالولد، ولكن أمواجًا متلاطمة فصلت بينهما، آخرون قفزوا وراء الطفل وأنقذوه، وأما الكسادي الذي لم يكن سباحًا ماهرًا فقد رافقه الكساد حتى الرمق الأخير فلم يلتفت إلى محنته أحد.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها