قصة الومضة

تجوال في "قصص مجنونة جداً" لعبد الفتاح صبري

عفت بركات


القصة القصيرة جداً من أكثر الفنون الأدبية المعاصرة انتشاراً -على الرغم من عمرها القصير- وأكثرها إثارة للأسئلة، وأقدرها على التعبير عن هموم الحياة اليومية، رغم حَجْمها القصير؛ نظراً لتوسلها بجُملة من التقنيات الفنية والأسلوبية، التي تعين القاص على تكثيف المعنى واختزاله في نص قصير جداً، لكنه ينبض بالحياة، ويزخر بالمعاني والدلالات، التي يقصِد إليها القاص؛ لأنه ليس كل نص قصير الحجم اعتمد الإيجاز والاختصار يُعَدُّ "قصة قصيرة جداً؛ كما قد يتوهم البعض، بل إن الذي يحدد هوية النص وانتماءه إلى فن القصة القصيرة جداً، هو لغته الشعرية المكثفة، إلى جانب الأركان والخصائص الجمالية، وكذا التقنيات الفنية والأسلوبية التي يتكئ عليها القاص في نسج خيوط نصه القصصي، والتي تؤهله بالتالي ليكون قصة قصيرة جداً. بيد أن الغاية هذه لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان الكاتبُ مُتمكناً من فنّ السرد وتقنيات الكتابة القصصية، وذا خبرة بمجال السرد وعوالمه ودروبه؛ لأنها من الفنون الصعبة، عكس ما قد يتوهم البعض.

لذا؛ يطلق عليها قصة الومضة، فرغم كونها تشترك مع القصة القصيرة في نفس العناصر ذاتها، والتي تتحدد في المكان والزمان والشخصية والحدث والمعنى. إلا أنها تعتبر في الوقت ذاته قصة الحذف الفني أو الاقتصاد الدلالي الموجز، وإزالة العوالق اللغوية والحشو الوصفي.

والمقصود في ذلك أن تكون "شديدة الامتلاء" بها كل عناصر العمل القصصي، من أحداث وحوار وشخصيات وخيال شديد التركيز، بحيث يتولد منها نص صغير جداً بينما حجمه اللغوي كبير جداً. كقوة طلقة الرصاص، أو صرخة الميلاد في تأثيرها على القارئ.

هي جنس أدبي ممتع يصعب تأليفه كما يقول "هارفي ستابرو" لذا؛ فإن كثيراً من النصوص التي تكتب باختزال لا تعد من قبيل الومضة إذا لم تلتزم بشروط صناعتها. لذا؛ لا بد أن يكون كاتب هذا اللون القصصي متمكناً في الأصل من الأداء اللغوي والفني ومن أساليب السرد. وأن يكون لديه رؤية واسعة وشاملة يقدمها في كل مناحي الحياة فكرياً وسياسياً وثقافياً.

***


كما أنها لا تكتَب بطريقة مباشرة يسرد فيها القاص معلوماته، ويسجل أفكاره وخواطره كما يفعل بعضهم، معتقِدين أنها لا بد أن تكون نصوصاً غامضة إلى أقصى درجة، حيث يجد القارئ نفسه مُرغماً على استعمالِ عقله، واستحضار معرفته الخلفية من أجل ممارسة التأويل، وفك الرموز، وملء الفراغات، ومشاركة السارد في بناء النص.

فيتطلب تحقيق ذلك قراءات متعددة ومتأنية للنص مع التأمل والتدبر، فلا مجال للقراءة التصويرية في القصة القصيرة جداً؛ لأن المعاني لا تُعطَى مجانية، ولا تُقدم بصورة مباشرة؛ كما هو الأمر في الرواية الواقعية مثلاً. 

والكاتب عبد الفتاح صبري في مجموعته "قصص قصيرة جداً مجنونة جداً" الصادرة عن دار بتانة، والتي تضمنت تسعة وخمسين نصاً تقريباً، تأخذنا إلى عالم "الومضة" بنصوص تستحق التوقف أمامها كثيرًا، بدْءًا من العنوان الجاذب للقارئ وحتى القصة الأخيرة "عدم اكتمال".

لنصطدم بالتشبيه المغاير الصادم والجميل في آنٍ واحد والذي ينم عن حالة من العبث الفني الجميل المدهش والممتع كما في آخر قصص المجموعة، والذي يقول فيها:
"المسافة تتهاوى، فجأة رن الهاتف،
لسعني عقرب، جمعت قوتي وطرت إلى الخارج،
اصطدمت بنسمات باردة. اعتدلت مشيتي صوب البعيد".

***


وجدٌ ولغةٌ يشتعلان:

تراوحت كلمات القصص ما بين ثمانٍ كلمات كقصة (سر، رواية، سيناريو)، بينما أقصاها لم تتجاوز أربعين كلمة، كما في قصة "اكتمال". لم يتجرد خلالها السارد من روح الشعرية الرمزية الفلسفية في الكثير منها، كما في نص "مسرحية":
"المكان: مظلم وصامت حد الشغف
المرأة: تقترب.
الرجل: يتأهب فجأة ينهمر الضوء ينتهي العرض".

حالة من اشتعال الوجد طاغية على القصص، من العلاقات الثنائية التي ترصد علاقة رجل بامرأة في حالات متغايرة ومختلفة كما في قصة "لقاء":
"يقف القطار / تنزل المرأة / تمعن النظر لا أحد ينتظرها
تعود بالقطار المعاكس / يأتي الرجل على التو/ لا يجد من تنتظره / يعود بالقطار المعاكس / يجمعهما القدر قتيلين حينما يصطدم القطاران في حادث مروع".

لم تقتصر مقومات القصة القصيرة جداً أو قصة الومضة على التكثيف والتركيز في اختيار المفردات فقط، بل لا بد أن يتكئ فيها السرد على الإنسانية والصدق الشديدين. يستند إلى أقل الكلمات التي تفي بالغرض كما في قصة "انكشاف"
حيث يقول:
"أصابع الكفيف تعثرت/ لما تغيرت ملامح الجسد
هربت المرأة/ لما تيقنت أنها انكشفت".

عبد الفتاح صبري لديه لغة شاعرية تعامل بها مع نصوص المجموعة، واستند على السرد أكثر من اعتماده على الحوار الذي جاء مستتراً ما بين ثنايا الحدث ذاته.

من مقومات "الومضة" أيضاً الخاتمة المدهشة، حيث إنها ركيزة أساسية في القصة الومضة، وهذا ما صنعه في بعض النصوص كما في قصة انكشاف، خيبة، برودة، انتظار، خديعة... وغيرها.

كاتب القصة القصيرة جداً عليه تكثيف لغته وتخليصها من الترهل، واستعمال أفعال الحركة والاختصارات، وتجنب استعمال الصفات والظروف واستعمال أفعال الحركة القوية، ويقلل من استخدام أفعال الوصل واستخدام الحوار بدلًا من السرد في كثير من الأحيان.

ويفضي التكثيف الناجح إلى لغة مشعة بالإيحاءات والدلالات فتكون رشيقة في إيصال المعنى، حيث إن اللغة الإيحائية أكثر تأثيراً على عكس التقريرية، وهذا ما فعله عبد الفتاح صبري كما في قصة "مذكرات أنثى" حيث يقول:
"تمت عملية التجميل بنجاح
لكنني ما زلت أرى قبحي بالمرآة".


الخروج على السرد:

اللغة لدى عبد الفتاح صبري شاعرة أقرب ما يكون إلى قصيدة النثر كطبيعة الومضة وهذا يحسب له؛ لأنه لا ينساق وراء الحشو الزائد. جاءت عباراته موجزة ومكثفة تكثيفاً يتناسب مع القصص في حد ذاتها كما في قصة "بين الحضور والغياب":
"حين يشيب المساء. الدرويش يمارس غيابه اللذيذ
وامرأته البكر تمارس حضورها الفائق".

وفي القصة القصيرة جداً لعبة فنية أو تقنية قصصية لا غاية لها إلاّ الخروج على السّرد، وهو خروج يبعث على الإثارة والتشويق، الذي يتحقق من ثنائية المفارقة التي من الممكن أن تحمل أبعاد التقابل أو التضاد، الرفض أو القبول، الواقعي وغير الواقعي المؤمل أو المتخيل. ففي قصة "كره" مثلا يقول:
يكره ظله.. كلما رآه هرول مبتعداً عنه
ولكن الظل خلفه يبتسم
ألقى بنفسه في النهر هرباً منه
ابتل الظل وغرق الجسد".

كما نرى أن الكاتب هنا شديد الانشغال بالحدث بقدر اهتمامه بالغرض الفني، يشغله أن يبرق النص القصصي ويشع في داخل وجدان المتلقي.‏

وإذا ما توافرت هذه الشروط وهي: التركيز والتكثيف والاقتصاد في الكلمات والموحيات والدلالات، والمفاجأة الصادمة التي تصل حدّ الإثارة وتحفيز مخيلة القارئ وهواجسه تجاه ما يقرأ، ويتفاعل معه وينفعل به، فهي قصة ومضة بامتياز، أو قصة قصيرة جداً متقنة السمات، وهذا ما تحقق لكاتبنا عبد الفتاح صبري في مجموعته "قصص قصيرة جدا مجنونة جداً".

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها