قضيّة حوار الحضارات عند أبي حيان التّوحيدي؟!

شمولٌ في الرؤية وعمقٌ في التفكير

كريم الطيبي

تُعدّ قضية "حوار الحضارات" من القضايا البارزة التي نجد لها حضوراً لافتاً في التراث الأدبي العربي القديم؛ ذلك أنّ البحث في هذه القضية كان وليد خصوصية التَّحولاتِ الثقافيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة الَّتي عرفتْها الحياة العربية، خصوصاً في العصر العبّاسي الذي تميّز باختلاط الأجناس البشرية في إطار التّلاقح والمثاقفة والتّعايش، وقد أكّد المستشْرِقُ آدم ميتز هذا الرَّأيَ بقوله: "إنَّ اختلاطَ دمِ الأمّةِ العربيَّةِ ونضوب قوّة الطبقةِ العليا فيها، الَّتي كانت بيدِهَا القيادَةُ، وبُروز الشُّعوبِ الشَّرقيّةِ القديمةِ الّتي كانتْ تتألَّقُ من أجناسٍ مختلطةٍ، كلُّ هذه تتجلّى أوضح ما تكونُ في الأدبِ".


لقد كان النثر العربي العباسي نابضاً بأنفاس الحياة الفكرية التي راجت، ومُعبّراً عن الاهتمامات التي استأثرت باهتمام مثقفي المجتمع العربي، ومن ثمّ، تبلورتْ إشكالية حوار الحضارات في الإنتاجاتِ الأدبيَّةِ. ونروم، في هذه المقالة، الوقوف عند أحد الأدباء اللامعين والمثقفين البارزين في هذا العصر، وهو أبو حيان التوحيدي (توفي 414ه 1023م)، فقد عُدّ واحداً من الأدباء الذي صدروا عن قدمٍ راسخةٍ في العلوم باختلاف أنواعها، وتمكُّنٍ وإلمامٍ كبيرين بأدبيات التَّأليف، وتحصيلٍ شاملٍ ومعرفةٍ موسوعيّةٍ ممتدّة الأطراف على مجالات متنوّعة، إذ وصفه صاحبُ معجمِ الأدباء قائلا: "كان متفنناً في جميع العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام... وهو مع ذلك فرد الدّنيا الذي لا نظير له ذكاءً وفطنة وفصاحة ومكانة، كثير التحصيل للعلوم في كل فنّ حفظه، واسع الدراية والرواية". وعَدّه المستشرق آدم ميتز "أعظم كتاب النثر العربي على الإطلاق"، واعتبره محمد عابد الجابري من "الكتّاب ذوي الثقافة العامة".
وإذا كانت محصلة هذه الآراء هي التنويه بعبقرية أبي حيان والإشادة بمكانته العلمية، فإن ثمّة ميزة أخرى تميزه، وهي انفتاح تراثه النثري على سائر الثقافات، ورحابة فكره وبعده الإنساني الكوني، وهو ما أسهم في تكريس قيم الحوار الحضاري والتواصل الإنساني والانفتاح.

إنَّ القارئ لأدب أبي حيّان التّوحيدي لَيجد أنّه صورةٌ نابضةٌ عن التّسامح والمواجهة المثمرة مع الآخر؛ فهو يعبّر عن روح كونية تشمل تلاقحاً ثقافيّاً وحواراً فكريّاً بين مختلف الحضارات والثقافات والهُويّات، إنّه تجلّ حقيقيّ من تجلّيات حوار الحضارات، الذي لا ينطوي "على منظور فردي المنزع، بل على منظور جمعي، منظور مشاركة" كما أقر روجي جارودي في حديثه عن خصائص الحوار الحضاريّ وأفقه.

لقد صَانَ التّوحيديّ في كتبه عامّة وكتابيه "المقابسات"، و"الإمتاع والمؤانسة" خاصّة جُملةً من النُّصوصِ الأدبيّةِ المهمَّة التي تؤرّخُ لبعضِ القَضَايَا المفصليَّةِ في تاريخ الحضارةِ العربيَّة، على نحو ما يقدّم صورةً عن البيئةِ الفكريَّةِ والثقافيةِ التي تحكّمت في العقلِ العربيِّ وجعلته يهتمُّ بمسائلَ وقضايا وليدةِ هذه البيئةِ. وقد انبثقتْ مسألةُ التّواصل والتّفاعل بين الحضارات، من مساربِ هذهِ البيئةِ التي بَصَمَها "التّفاعلُ الذي تمَّ بين الأجناسِ والثقافاتِ المختلفةِ الرّاجعةِ إلى الشُّعوبِ المكوّنة للإمبراطوريّةِ العبَّاسيةِ، أو إلى الشعوبِ المجاورةِ لها، أو الَّتي لها بها صلة ولو كانتْ بعيدةً، مثل بلادِ الصِّين والشرقِ الأقصى". إذ أسهمتْ هذه العواملُ في إذكاءِ نارِ النَّعرةِ بين الأجناسِ، وتأجيجِ لظَى التعصّبِ والعنصريَّة بين النَّاسِ، ومن ثمّ انعكستْ هذهِ الصِّراعاتُ والسِّجالاتُ على الإنتاجاتِ الأدبيَّة، حيثُ كان لها أثر ٌكبيرٌ في تفاعلِ المثقَّفينَ وانخراطهم في مناقشةِ هذه القضايا، خصوصاً بعدَ انتشارِ توجُّهاتٍ فكرية رسّخت مبادئ التعصُّبِ والعنصريَّةِ في صفوفِ المسلمينَ كالشُّعوبيّةِ الَّتي سعتْ إلى تفضيلِ العجمِ على العَرَبِ. ولم تقتَصِرْ اهتماماتُ الشَّأنِ الفكري على قضيّةِ الصّراعِ الطَّائِفي، بل احتدَمَ وشملَ قضايا عديدة تقع في صميم الاختلاف بين ثقافة الأصل وثقافة الوافد، كعلاقةِ المنطق بالنَّحوِ، والفلسفةِ بالشَّريعةِ، والحسَابِ بالبلاغةِ، والعقل والنّقل وغيرها.

في هذهِ الأجواءِ الثقافيَّة نشطَ الانشغال بعقد أواصر التّحليل والتقاطع بين الأبعاد الحضارية المختلفة، وقد انْخَرَطَ أبو حيّان التَّوحيدي في هذه الأجواءِ وأسهمَ، بنصيبٍ غير منقوصٍ، في معالجةِ كثيرٍ من القضايا الحافّة بهذه الإشكالية، وانغمسَ في تأطيرِ الصِّراعِ المحتدمِ بين الثَّقافَةِ الأصيلةِ والثَّقافةِ الدَّخيلةِ، والتَّباينِ الكبيرِ بين الإرثِ الموروثِ والإرثِ الوافِدِ، وكتاب الإمتاع والمؤانسة، وهو عبارة عن مسامرات سامر بها الوزير البويهي عبد الله بن العارض في مجلسه، نعايِنُ فيه مُساءلةً للقضَايا اللُّغويَّة والاجتماعيَّةِ والفكريَّة والدِّينيَّة والسِّياسيَّة المشكّلة للهويّة في علاقتها بالآخر وثقافته، وقد عالجها التّوحيدي في أجناس أدبية متعددة، أبرزها المناظرة.

وعدّت المناظرةُ بوصفها شكلاً من أشكالِ التَّواصُلِ المبْنِيِّ على التَّعارُضِ مجالا رحباً لمعالجةِ ثقافةِ "الآخرِ" في علاقتِها بثقافَةِ "الأنَا"، وما تُثيرُهُ من هوّةٍ سحيقةٍ بين الوافدِ والموروثِ والدَّخيلِ والأصِيلِ؛ إذ تحوَّلَ الصِّراعُ إلى نَمطٍ ثقافيٍّ يسعى إلى تأسيسِ خِطاب رَحْبٍ ومنفتِحٍ يشملُ الرَّأي والرَّأي الآخرَ، ويُحاورُ الثَّقافاتِ المختلفة، ويؤسِّسُ لبناء المعرفةِ المتعدِّدةِ بعيداً عن التعصُّبِ والإقْصَاء والتّزمت. ومن ثمّ، يُعبّر هذا النّوع الخطابي عن رؤية أدبية فنّية قائمة على إتاحة الفضاء الرّحيب لتدبير قضايا الخلاف، ومناقشة الآخر، ومساءلته والانفتاح على ثقافته وهُويته، ولا أدلّ على هذه الرؤية التنويرية الرحبة التي تنطوي عليها المناظرة، من هجوم المذهب المنغلق الذي تتبنّاه التّيارات المتطرفة والمتشدّدة على هذا الفنّ ورفضهم له؛ إذ "رأوا أن المناظرة تفتح باباً للبدع وإثارة الشّبه".

ويمكن التّمثيل بالعديد من المناظرات التي تضمّنها كتاب الإمتاع والمؤانسة توثّق لعقد أبي حيّان فضاءات نصّية لالتقاء الحضارات والثّقافات، بمناظرة النّحو والمنطق الواردة ضمن الليلة الثامنة من ليالي الإمتاع والمؤانسة، وهي مناظرة تُوَثِّقُ لأشكالِ الصِّراعِ الذي نَشبَ بفِعْلِ اصطدامِ الثَّقافةِ الموروثةِ، بالثَّقافةِ الوافدةِ، ثقافة أصيلة تتجلَّى في "النَّحْو" وثقافة وافِدة تتجلَّى في "المنْطِقِ"، أو الثقافة العربيّة والثقافة اليونانيّة.

كما تحتفظ الليلة السَّابعة عشرة من ليالي الإمتاع والمؤانسة التي وثّقها التوحيدي بمناظرة مهمّة أثارت مسألة العلاقة بين الدِّين والحكمة أو الفلسفة والشَّريعة، ويُعدُّ هذا الإشكال من أهمِّ الإشكالات الفكريَّة الَّتي طُرحت منذ القديم واستنفرت اهتمام أغلب الفرق المذهبيَّة والمدارس الفلسفيَّة؛ إذ إنَّ انفتاح الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة (الموروث) على الثّقافات الأخرى (الوافد) عبر فعل التّرجمة، والتَّلاقح الفكريِّ واللغويِّ، أدَّى إلى بروز هذه الإشكاليَّات، ولعلَّ طابع التّضاد والتّناقض بين ما يمتاز به الموروث وما يختص به الوافد هو ما جعل هذه الأسئلة تتوقد وتحتدّ، خصوصاً إذا استحضرنا الأبعاد السياسيّة والإيديولوجيّة التي تأسست عليها الأنظمة الفكرية والثقافية في التاريخ العربي الإسلامي، وعليه فإن هذا "الوافد" يشكّل تهديداً وخطراً على "الأنا" وموروثها؛ فالنسق الفكري الذي أطّر الفلسفة يعتمد على العقل والتحليل والبرهان، على عكس ما انبنت عليه الثقافة العربية الإسلامية التي تؤمن بالوحي وقوانين النقل. لكن على الرّغم من هذا التّباعد بين "الحكمة" و"الدّين" إلا أن أبا حيّان حاول أن يؤسس لتوافق معرفيٍّ بينهما، عبر فتح تواصل فكري ومواجهة حجاجية، وقد عُدّت هذه المواجهة "بمثابة مظهر من مظاهر حوار الحضارتين العربية واليونانية".

ويلخّص كلّ ما سبق ذكره، أن أبا حيان التوحيديّ كان يسعى إلى تأسيس ثقافة تؤمن بالتّعايش مع الحضارات المختلفة والاستفادة من ثقافتها وعلومها وقيمها وأدواتها ومعارفها، ونثره ونصوصه تكشف بوضوح "دعوته إلى التكامل المعرفي في عصره".

وإلى جانب فنّ المناظرة الذي تعرّفنا على دوره الحضاريّ البارز الذي اضطلع به في تكريس ثقافة الحوار وتقبل الآخر، ثمّة فنّ نثريّ آخر شكّل أرضية لمعالجة القضية نفسها، وهو فنّ المفاضلة، ونقصد هنا مفاضلة العرب والعجم الّتي تتأطرُ في اللَّيلة السَّادسة من ليالي الإمتاع والمؤانسة، وتنطلق أطوارُ هذه المفاضلةِ بسؤالٍ طرحهُ الوزيرُ عبد الله بن العارض: أتُفضِّل العربَ على العجمِ أم العجمَ على العربِ؟ غير أنّ أبا حيّان لم يتسرّع في تقديم جواب لهذه المسالة، وبدا بمظهرِ العالم الموضوعيِّ الّذي يُمحِّصُ المسائلَ ويدقِّق النَّظرَ فيها وينأَى عن التَّسرّعِ في إطلاقِ الأحكامِ. بل أقرّ بصعوبة تفضيل أمّة على أمّة، حيث قال: "وصعبٌ أن يُقَالَ العَرَبُ وَحْدَهَا أفْضَل من هؤلاء الثلاثة، مع جَوَامِعِ ما لها، وتَفَاريقِ ما عِنْدَها".

كما أكّد أنَّ مسألةَ المفاضلة بين الأمم لن تفضي إلا إلى نتائجَ تميلُ إلى الانحيازِ والانتصارِ إلى الذَّاتِ في مقابلِ غيابِ الاعتراف بالآخرِ؛ فكلُّ أمّة تنتصرُ لنفسها ولا تعترفُ بمزايا الأمم الأخرى؛ فـ"الفَارِسِيُّ لَيْسَ في فِطرَتِهِ ولا عَادَتِهِ ولا مَنْشَئِهِ أن يَعْتَرفَ بفَضْلِ العَرَبيّ، ولا في جِبِلَّةِ العربيِّ ودَيْدَنِهِ أن يُقِرّ بفَضْلِ الفَارِسِيِّ. وكذلك الهنْدِيُّ والرُّوميُّ والتّركيّ والدَّيْلَمِيّ". وإلى جانبِ هذا يقفُ أبو حيّان موقفاً يبتغي به القسطَ، إذ أشار إلى أن لكلِّ أمةّ فضائل ومساوئ، وذلك في قوله:" فلكلِّ أمّةٍ فضائلُ ورذائلُ ولكلِّ قومٍ محاسنُ ومساوٍ، ولكلِّ طائفةٍ من النَّاس في صِنَاعَتِهَا وحِلّها وعِقْدِها كَالٌ وَتَقْصِيرٌ، وهذا يَقْضِي بأنَّ الخيراتِ والفضائلَ والشّرورَ والنَّقَائصَ مُفاضَةٌ على جَميعِ الخَلْقِ، مَفْضُوضَةٌ بين كلِّهم". يتّضح إذًا، أنّ أبا حيّان يطعن في النِّقاشات الدَّائرة حول المفاضلة بين الأممِ؛ إذ لا طائلَ من التَّفاضل بينها، والخوض في هذا الصّراعِ الطَّائفيّ الّذي لا يمكن أن يَصدُر أصحابُه عن رؤيةٍ علميةٍ مُنصِفةٍ ومحايدَةٍ؛ فكلُّ أمةٍ لها ما لها وعليها ما عليها. وعليه، فإنّ تجلّيات التّواصل الحضاري، والإيمان بالآخر وإنتاجه وإسهاماته وإضافاته ووجوده فيما سبق عرضه واضح في تحاشي أبي حيّان عن الانتصار لهويته وثقافته وحضارته، في مقابل تنصيصه على أنّ لكل أمة فضائل ومحاسن ومزايا. وهذَا المذهبُ التنويريّ الذي يعكِسُ انفتاحَ أفُقِ التوحيدي واعترافِه بالآخر المختلفِ ثقافيّاً ولغويّاً ودينيّاً، يُؤكّد النّظرة الإنسانية الكونية التي كرّسها نثره بوصفه حاضناً لقيم التآخي والتعايش ورافضاً لقيم الهوى والعصبيَّة.

لقد حاولنا في هذه المقالة تتبّع قضية حوار الحضارات عند أبي حيّان التّوحيدي من خلال مواقفه التي عبّر عنها في مؤلّفاته، ومؤلّفاتُه، بحقّ، وثائق حضارية متميّزة حَوَتْ قيمًا حضارية إيجابية وكرَّستْ لكلّ أشكال التّواصل الإنسانيّ والحوار الكونيّ والتّعايش الأمميّ، وهذه الأبعاد تبلورت في أنواعٍ أدبيّة تنسجم مع مبادئ التّعايش والحوار والمثاقفة، ولعل أبرز شكل فنّيّ كان له حضور قويّ في الاضطلاع بهذا الدّور هو المناظرة؛ إذ وثّق التّوحيدي لسجالات حضارية مهمة كمناظرة النحو والمنطق والشريعة والفلسفة والبلاغة والحساب وغيرها. كما اضطلعت مفاضلة العرب والعجم بوصفها نصّاً التقت فيه مختلف الحضارات بالدّور الحضاري نفسه، فقد استحالت درساً لفهم قِيَمِ الآخر وثقافته ولغته وأخلاقه، وعلى الرّغم من أنّ هذا الجنس الأدبي يفرض عقد مقارنة بين شيئين للوصول إلى نتيجة تفضيل شيء على آخر، إلا أنّ موضوع المفاضلة جعل التّوحيديّ يعرض رأيًا لا يخلو من إيمان بقيم الانفتاح والاعتراف بالآخر بعيداً عن التعصّب والتزمّت والأنانية؛ إذ رفض أن يخوض في معترك التّحيّز، وعبّر عن استحالة تفضيل أمّة على أمّة لأنّ لكل أمّة فضائل ومساوئ.

لقد شكّل نثر هذا الأديب فضاء لالتقاء مختلف الثقافات (اليونانية، الفارسية، التركية، الهندية...)، والمذاهب والدّيانات، وهو ما يجعلنا نقرّ بأن أدبَ أبي حيّان أدبٌ إنسانيّ وكونيّ يحفل بالآخر وبقيمه وثقافاته وعلومه، يحاورها ويدرسها وينتقدها. ومن ثمّ تجلّى التّوحيدي بوصفه أديباً إنسانياً كونياً منفتحاً على سائر الشعوب والثقافات، إنّه "العالمي الفرد" بتعبير المستشرق خوان أنطونيو باتشيكو.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها