فاغنر بعد الأسْطرة

مهرجان بايرويث صيف 2026 وإرثه الجمالي

محمد العفو

بعد المائة والخمسين عاماً من تأسيسه، وجد مهرجان بايرويث (1876) صيف 2026 نفسه أمام مفارقة قاسية: إن المهرجان الذي اخترعه الموسيقي الألماني ريشارد فاغنر (1813- 1883م) ليكون مختبراً للمستقبل، صار مهدداً بأن يتحول إلى متحف للماضي. ففي عام الذكرى، دخل الذكاء الاصطناعي إلى دراما "خاتم النيبلونغن"، ليطرح السؤال الأكثر إزعاجاً: أتستطيع الآلة أن تجد لفاغنر مستقبلا، أم أنها ستكشف عن أزمة خيال بشري، لا غير؟
 

▴ عرض "رباعية الخاتم Wagner's Ring Cycle" لفاغنر في مهرجان بايرويت بمناسبة الذكرى الـ150 لتأسيسه يضم خلفية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي.

هناك لحظات لا تُختبر فيها أعمال فاغنر على الخشبة، بل تُختبر المؤسسة نفسها؛ بما يعنيه ذلك من مشروع فاغنر الموسيقي برُمّته من جهة، ومؤسسة مهرجان بايرويث من جهة أخرى.

في مهرجان بايرويث Bayreuth، جاءت تلك اللحظة صيف 2026

كان الظنّ يتجه -أو لعلّه كان ينبغي- إلى أن تكون هذه الذكرى الخمسين بعد المائة لمهرجان بايرويث موسماً للابتهاج، وساحةً لصفو الدراما وخالص الاحتفال. ولكن بعض الناس سرعان ما أدركوا أن الأيام قد خبأت لهم غير ما رجَوْا؛ فلم يَكَد الاحتفال يبدأ حتى استحال إلى أمر جدّ عسير، بل إلى مواجهة قاسية لا مفر منها: إنها مواجهة مع التاريخ وصروفه؛ ومع صورة فاغنر كما انطبعت في أذهان الأجيال؛ ومع إرثه السياسي الثقيل الذي لا يزال يقُضّ المضاجع؛ ومع الجمهور الدقيق الحسّ، الذي يشمئز أشد اشمئزاز إذا ما دَنَت يدٌ من مقدّساته؛ وأخيراً -وما أغربها من مواجهة- مع هذا الذكاء الاصطناعي الذي أخذ يزحم الآدميين في أخصّ ما يملكون من الخيال والإبداع!

لم يكن المشهد أكثر رمزية، لقد ظهرت على خشبة المسرح -والذي بناه فاغنر من أجل أن يحقق حلمه بـ"العمل الفني الكلي"1- صور مُولدة بالآلة. وفي نهاية بعض عروض دراما "الخاتم في حركة"2 The Ring in Motion(2026)، وهي من دراما " خاتم النيبلونغن" إحدى الأعمال التي ألفها فاغنر ما بين (1848-1874م)، جاءت صافرات الاستهجان من الجمهور. وفي المقابل، حصد المغنون والأوركسترا وقائدها تصفيقاً حاراً. وكان الجمهور، في نجواه وفيما يفيض به صمته الناطق، كأنما يقول في تؤدة وحيرة: "نحن نريد فاغنر بلا ريب، ولا نفتأ نشتاق إلى سحره القديم؛ ولكننا لسنا على يقين -أو لعلنا على شيء غير قليل من الشك- من أننا نريد هذه النسخة التي تُعْرض علينا اليوم"!

ههنا، فيما أحسب مبدأ الحكاية حقّاً؛ إذْ ينهض القديم في وجه الجديد، وتقوم النفس بين داعي ما أفلت من التعظيم والتقديس، وبين ما تُحمل عليه حملا من النظر والمراجعة والتجديد؛ فلا هي إلى مألوفها مطمئنة، ولا هي إلى محدثها منشرحة؛ وإنما هي بينهما كالحائر الذي أضناه التردد، وأعياه أن يختار بين ما ورثه فصار عنده كالمقدس، وما يُدعى إليه فيرى فيه من الحيرة أكثر مما يرى من اليقين.

المكان الذي أصبح أسطورة

حين افْتَتح فاغنر مسرح المهرجان في مدينة بايرويث عام 1876، لم يكن يضع حجر الأساس لمهرجان موسيقي بالمعنى المعتاد، المعنى الرتيب المستقر؛ إنما كان يريد ممارسة اختراع نموذج جديد للمسرح3، يريد من خلاله إبداع التجربة الروحية للعرض، ثم يتجاوز بذلك إلى الانقضاض على تجديد قالب الأوبريت4 التليد، ليعيد صيغته وتجديد دماء الفن الغنائي برمته.

فتصوره "العمل الفني الكلي" يعني الجمع بين الموسيقا، والشعر، والدراما، والعمارة، والإضاءة، والجمهور؛ حيث كل شيء ينبغي أن يدخل في تجربة واحدة. كان هذا المشروع في جوهره ثورة على دار الأوبرا التقليدية. ومنذ ذلك الحين، لم تعد بايرويث مجرد مكان تُقدّم فيه أعمال فاغنر، لقد أصبحت جزءاً من أسطورته.

والمفارقة أن هذه الأسطورة تحولت مع الزمن إلى قَيْد؛ فالمكان الذي أُنشئ ليكون مختبراً للتجريب أصبح محاطاً بتوقعات تكاد تكون دينية. وهكذا، كل إنتاج جديد -رغم أنه كذلك- يأتي محمّلًا بسؤال قديم: هل هذا الأسلوب الفني "فاغنريٌّ" بما يكفي؟ وهذا السؤال، في حد ذاته، يناقض روح فاغنر؛ لقد أصبح هذا الموسيقي الذي أراد تحطيم القواعد بعد موته، قاعدة يصعب تحطيمها.

ولأجل هذا كلّه -فيما أَسْتَيْقِن منه- تبدو هذه الذكرى شيئاً أبعدَ غوراً وأعظمَ شأناً من مجرد احتفالٍ يتجدد صيف كل عام. فالمهرجان نفسُه -وإن كان يكره أن يَعْترف بالحقيقة جهرةً- لا يجد بُدّاً من الإقرار بأن هذه المناسبة؛ إنما هي فرصةٌ سانحةٌ، وجَدِيرةٌ بأن تستوقِف أولي الذائقة الفنية والأدبية، ليعودوا فيتأملوا تاريخ هذا المكان الساحر العجيب؛ ويكشفوا عن سر تحوّله إلى "أسطورةٍ ألمانيةٍ" تُروى للدهر؛ ويَكْنهوا سرّ هذا التأثير الممتد الخالد الذي يرسله في عالم الموسيقا من جهة أولى، وفي الصورة التي تحب ألمانيا أن تَرى فيها ذاتها، وأن يراها عليها الناس من جهة أخرى.

وهكذا؛ فإن بايرويث الظاهرة الثقافية المعاصرة لا تحتفل بالماضي، وتقف عند حدود أنقاضه فقط، لكنها تمتد –بكل جسارة النقد- لتسائله أيضاً؛ تتطلع إلى قراءة تفتح ملفات تضعنا أمام هذه الفاجعة الفكرية والجمالية، أمام مشكلة تتكثف كلها في اسم واحد: "فاغنر".

مشكلة اسْمُها فاغنر:

لا يمكن أن تبدأ أي قراءة جدية لمهرجان بايرويث المعاصر من الموسيقا وتنتهي عندها فقط. ليس فاغنر مؤلفاً موسيقياً فحسب؛ فضلا عن ذلك، هو شخصية فكرية وسياسية شديدة التعقيد. فقد ترك وراءه كتابات سياسية، ثم جاء القرن العشرون ليجعل اسمه جزءاً من تاريخ أكثر ظلمة، بما أن مهرجان بايرويث ارتبط لاحقاً بعائلة فاغنر، وبالنظام النازي، وبشخصياته ورموزه. ومن هنا، نشأ العبء الأخلاقي الذي لا يمكن لأي احتفال بالذكرى أن يمحوه.

وفي هذا الخصوص، إن المهرجان نفسه لم يعد يتعامل مع هذا التاريخ بوصفه هامشاً. في 26 يوليو 2026، بعد يوم واحد من الاحتفال الرسمي بالذكرى، أقام مهرجان بايرويث فعالية "أصوات صامتة" لتكريم الفنانين الذين تعرضوا للاضطهاد5؛ وأكد صراحة مسؤوليته التاريخية تجاه مواقف فاغنر السياسية، وكذلك تجاه التشابك اللاحق بين المهرجان وأجزاء من عائلته والنظام النازي. هذه ليست مسألة علاقات عامة؛ إنها محاولة لإعادة ترتيب الذاكرة. فمؤسسته لا تستطيع أن تطلب من الجمهور أن يستمع إلى فاغنر من دون أن تُستمع معه إلى الأصوات التي أسكتها التاريخ. ومن هنا، تظهر واحدة من أصعب مسائل التراث الفني الأوروبي: كيف نحتفظ بالفن من دون أن نبرئ صاحبه؟

ربما تكون الإجابة الوحيدة الممكنة هي ألا نفعل أيا منهما: لا التقديس؛ ولا المحو. فالخروج من هذه الدوامة النقدية لا يكمن في رفع الأثر الدرامي إلى مقام المقدس الذي يتسامى عن النقد؛ ولا أن نمارس طقس الإلغاء الانتقامي التاريخي.

فجاءت الآلة:

إذا كان هناك مكان- في وقتنا الراهن- يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي فيه موضوعاً تأملياً لا مجرد أداة تقنية، فهو مهرجان بايرويث صيف 2026.

كان فاغنر نفسه شديد التعلّق بفكرة أن يستولي الفنان على التجربة المسرحية كلها، فلا يترك منها جانباً إلا كان له فيه نصيب من السيطرة والتوجيه. أما اليوم، فقد صارت الخشبة تواجه نظاماً لا يقف عند حدود تنفيذ ما يمليه الفنان؛ وإنما يشارك في صناعة الصورة نفسها؛ فيولّدها، ثم يعيد تركيبها، ولا يلبث أن يغيّرها ويعيد تشكيلها على نحو متصل6.

في الذكرى المائة والخمسين، قدم مهرجان بايرويث مشروع "الخاتم في حركة"، بقيادة ماركوس لوبّس، وبمشاركة الذكاء الاصطناعي بوصفه "قوة مولدة للصور"7. والفكرة الرئيسة واضحة: ألا نشاهد "خاتماً" واحداً، بل تاريخ تلقي دراما "خاتم النيبلونغن" نفسها؛ صوراً ومراجع وذاكرة سياسية وفنية تمتد عبر 150 عاماً.

من حيث الفكرة، قلما يمكن تخيل مشروع آخر غير دراما "خاتم النيبلونغن" أكثر ملاءمة لمهرجان بايرويث، ومع ذلك؛ فإن المسرح لا يحيا بالأفكار وحدها في آخر الأمر؛ وإنما يمتحنها حين تنزل من عالم التصور إلى الخشبة، ثم إلى أعين الجمهور وآذانهم. فعندما بلغ المشروع جمهوره، انقلبت التجربة إلى واحدة من أكثر لحظات موسم 2026 إثارة للجدل. ففي نظر عدد من النقاد والحاضرين، بدت الصور المتولدة آليا متقطعة ومبتذلة بعيدة الصلة عن الدراما كأنها تقف إلى جوار العرض ولا تنبثق منه. وذهبت أحد أبرز التقييمات الصحفية إلى أن التكنولوجيا لم تبدُ كأنها تصنع مسرحا، وإنما كأنها تكدّس "أشياء بصرية" على خشبته.

لكن المشكلة هنا ليست أن الذكاء الاصطناعي "سيئ"، مثل حكم قيمي مبسط مطلق، المشكلة تتبدى في أن وفرة الصورة لا تساوي وفرة الخيال، وتتجلى في الوهم الذي يطابق بين التضخم الآلي والتوازن الإبداعي.

صورة بلا ضرورة:

يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج صورة مذهلة في ثوان؛ لكنه لا يعرف تلقائياً، لماذا يجب أن تكون هذه الصورة موجودة. وهذه هي الفجوة بين الصورة والفن المسرحي.

ليست النار مجرد نار في "خاتم النيبلونغن"، ولا الذهب مجرد ذهب، ولا السيف مجرد سيف؛ فكل عنصر من تلك العلامات يدخل في شبكة من الرغبات والسلطة والدم والذاكرة والأسطورة. إن الصورة المسرحية لا تنجح لأنها جميلة أو غريبة، إنها تنجح لأنها ضرورية. وهنا واجه مهرجان بايرويث مشكلة التكنولوجيا المعاصرة كلها تقريباً؛ فرغم أن الآلة بارعة في الجمع، لكنها لا تضمن المعنى. إنها تستطيع أن تأخذ تاريخ 150 عاماً من أرشيف صور "خاتم النيبلونغن"؛ وأن تمزج الأسطورة بالحرب والسياسة والذاكرة الألمانية، لكنها لا تستطيع، بمجرد كثرة البيانات الرقمية، أن تمنح هذا الخليط قالباً درامياً ذا معنى. قد تكون النتيجة شاشةً مبهرة مشبعة بالألوان والأشكال وتلك الأشياء البصرية المفصولة، لكن المسرح ليس شاشة.

أخان مهرجان بايرويث صيف 2026 فاغنر أم فهمه؟

السؤال الأكثر إثارة هو ما إذا كانت دورة 2026 تجربة خيانة لفاغنر، أو على العكس، محاولة متطرفة للوفاء به. فمن المعروف أن فاغنر لم يكن محافظاً على المسرح، إذْ كان يريد تغييره؛ فلو عاش اليوم، لكان من الصعب تخيله يتجاهل التكنولوجيا الجديدة لاسيما على ضوء تصوره "العمل الفني الكلي". لكن هناك فرقاً بين استخدام التكنولوجيا لتوسيع الخيال، واستخدامها لأن التكنولوجيا موجودة.

في الحالة الأولى، تكون الأداة خادمة للفن؛ وفي الثانية، يصبح الفن ذريعة لعرض الأداة. ربما كان هذا هو موضع سخط الجمهور، ليس لأن الآلة ظهرت؛ بل لأنها بدت في لحظات وكأنها تطلب من الجمهور أن ينبهر بوجودها، بحيث تحولت من وسيلة إلى دعوى، وبَدت في لحظات وكأنها تتقاضى من الناس إعجاباً لذاتها، وتفرض عليهم الانبهار بمجرد كونها حاضرة في العرض. إن القضية حين ننظر إليه بعين جمالية، ترتفع عن حدود السؤال: "هل يصلح الذكاء الاصطناعي للأوبرا"؟ إلى ما هو أسمى مداره جوهر الفن، وطبيعته العبقرية التي لا تستعار من الأداة ولا تستجدي من قوة الخارج.

أن السؤال الحقيقي هو: من يقود ماذا؟ أيقود الفنان الآلة؛ أم تقود الآلة شكل العرض، ثم يبحث الفنان عن مبررات لاستخدامها؟

جمهور لا يريد أن يُخدع:

جمهور مهرجان بايرويث ليس جمهوراً محايداً؛ إنه يدخل المسرح وفي ذاكرته قرن ونصف من العروض، يعرف أسماء القادة والمغنين ومستوى الإنتاجات، يقارن ويتذكر، ويأتي أحياناً لا لمشاهدة "خاتم النيبلونغ" فقط، لكن لمشاهدة كيف أعاد المهرجان تعريف هذه الدراما، وأخرجها هذه المرة. لهذا فإن غضبه يُحمل على محمل الجد.

فهو لا يقول بالضرورة: "لا نريد الحداثة"؛ لكن قد يقول: "نريد حداثة لها معنى". والفرق هائل بين هما: فالحداثة في المسرح ليست مجموعة شاشات؛ وليست إسقاط صور تاريخية على جدار؛ وليست استخدام تقنية لمجرد أنها جديدة. تقتضي الحداثة الحقيقية جعل عمل قديم يتحدث بطريقة لم يكن يستطيع أن يتحدث بها من قبل. ومن هنا، لا يزال مهرجان بايرويث أمام الامتحان.

المؤسسة التي تخاف من نجاحها:

هناك مفارقة أخرى أكثر قسوة: فربما تكون مشكلة مهرجان بايرويث أنه نجح أكثر مما ينبغي. لقد نجح المهرجان في تحويل نفسه إلى أسطورة عالمية؛ نجح في ربط المكان بالمؤلف؛ ونجح في صناعة تقليد له جمهور وفيّ؛ لكنه بذلك كله صنع لنفسه سجناً من التوقعات. فكلما حاول الخروج، وجد نفسه متهماً بخيانة هويته؛ وكلما بقي، اتُّهم بأنه يحيا في الماضي. وهذه ليست مشكلة فاغنر وحده، إنها مشكلة كل مؤسسة ثقافية جعلت من ماضيها مصدر شرعيتها.

فمتى يصبح التراث عبئاً؟ حين يصبح السؤال عن أصله أهم من السؤال عما يمكن أن يفعله الآن.

من "معبد فاغنر" إلى مختبر الأسئلة:

ربما لا يحتاج مهرجان بايرويث إلى التخلص من فاغنر، بل إلى التخلص من الصورة الواحدة لفاغنر. يمكن أن يكون فاغنر عبقرياً موسيقياً؛ ومؤلفاً مسرحياً مجدداً؛ وكاتباً ذا أفكار عنصرية وشخصية استُخدمت لاحقاً سياسياً؛ وفي الوقت نفسه موضوعاً لا ينتهي من الأسئلة الفنية والفكرية.

ليس مطلوباً أن يختار التاريخ أحد هذه الوجوه ويلغي البقية؛ على العكس، التراث الناضج هو الذي يحتمل التناقض. ولهذا فإن أهم ما حدث في مهرجان بايرويث صيف 2026 قد لا يكون إعادة إنتاج دراما "خاتم النيبلونغن" نفسها، ولا الجدل حول الذكاء الاصطناعي. قد يكون اللحظة التي بدأت فيها المؤسسة تقول بصوت واضح: نعم، لدينا ماض ثقيل، والآن ماذا نفعل به؟

المستقبل لا يحتاج إلى فاغنر جديد:

من السهل أن نطالب مهرجان بايرويث بـ"فاغنر جديد"، لكنه لا يحتاج إلى ذلك. ما يحتاجه هو شجاعة أن يكون مهرجانا دون أن يكون نسخة مَتْحفية في مدينة بايرويث. وما يعنيه هذا هو: قبول المخاطرة. قد يفشل إنتاج؛ وقد يرفضه الجمهور؛ وقد تثبت تقنية جديدة أنها أقل نضجاً مما كان متوقعاً، كل ذلك مقبول. ما لا يمكن قبوله هو الجمود الذي يرتدي قناع الوفاء للتاريخ.

حتى في عام هذه الذكرى، لم يحصر مهرجان بايرويث خطابه في فاغنر وحده. لقد وسع برنامج صيف 2026 دائرة المناسبة من خلال بيتهوفن8، والنقاش الأكاديمي الذي تتنوع مواضيعه بين الإعاقة ومفاهيم الخلاص وذكريات فاغنر الشخصية؛ وهذا أمرٌ لافتٌ للنظر، إذْ لا يقتصر سعي المهرجان على تقديم أعمال فاغنر فحسب، بل يتناول القضايا الثقافية أيضاً9. كما وصل الأمر إلى إقامة حفل إلكتروني في مبنى المهرجان بمشاركة موسيقا الـدِّ دْجي DJ؛ وذلك في محاولة صريحة لفتح حوار بين التراث الموسيقي والإلكترونيات المعاصرة. قد تبدو بعض هذه المحاولات متباعدة، لكنها تقول شيئاً مهماً: إن مهرجان بايرويث بدأ يفهم أن المستقبل لا يأتي من إعادة طلاء الماضي.

السؤال الذي سيبقى بعد انطفاء الأضواء:

عام 2026، احتفلت بايرويث بمرور 150 عاماً على مشروع بدأ بوعد تجديدي؛ لكن الاحتفال كشف أن الوعد نفسه لم يعد مضموناً. فالمكان الذي كان يريد أن يصنع المستقبل أصبح مضطراً إلى الدفاع عن حقه في أن يكون معاصراً؛ والفنان الذي كان يريد تحرير المسرح من تقاليده أصبح أسيراً لتقاليد باسمه؛ والآلة التي وعدت بأن توسع الخيال كشفت - على الأقل في نسخة 2026 لهذا المشروع- أن الخيال لا يزال يحتاج إلى إنسان يعرف لماذا يصنع الصورة؟ ومتى يحذفها؟ ومتى يترك الخشبة فارغة؟

لهذا؛ فإن السؤال الحقيقي، ليس: ماذا سيفعل مهرجان بايرويث بفاغنر؟ إنما هو السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا سيفعل المهرجان بنفسه بعدما لم يعد من الممكن استخدام فاغنر ذريعة للهروب من الحاضر؟ قد يكون مستقبل المهرجان أقل فخامة من أسطورته؛ وقد يكون أكثر فوضى؛ وربما يحتاج إلى جمهور أصغر سناً، وإلى أشكال جديدة من المسرح؛ وإلى شجاعة أكبر في مواجهة تاريخه؛ وإلى تكنولوجيا تعرف حدودها. لكن هناك شيئاً واحداً لا يحتاج إليه مهرجان بايرويث: المزيد من التقديس؛ فالمؤسسة التي تريد أن تبقى حيّة لا تحنط مُؤسسها، بل تضعه تحت الضوء، وتختلف معه، وتعيد قراءته، وتخاطر بأن تفشل في تقديمه.

في النهاية؛ قد تكون هذه هي المفارقة التي لا تستطيع دراما "خاتم النيبلونغن" نفسها الهروب منها: لقد أسس فاغنر مهرجان بايرويث كي يجعل المستقبل ممكناً، أما المهرجان اليوم، فعليه أن يتحرر من فاغنر كي يستحق ذلك المستقبل.
 


هوامش:
1 - https://interlude.hk/richard-wagners-concept-of-the-gesamtkunstwerk
2 - https://www.bayreuther-festspiele.de/en/programm/auffuehrungen/das-rheingold
3. محمد العفو، "تريستان وإيزولده": تباشير الحداثة الموسيقية، جريدة الفنون، العدد 169، أكتوبر 2015، ص: 20.
4. أحمد الدريسي الغازي، الموسيقى: كتاب خاص بالثقافة الموسيقية يشمل القواعد- التاريخ- القاموس، مطبعة النجاح الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1987، ص: 156.
5 - https://www.bayreuther-festspiele.de/programm/auffuehrungen/gedenkveranstaltung
6. في عام 2006 شهدت دراما ' بارسيفال'(أبدعه في أبريل 1857 وأنهاه في 1882)، والتي كانت آخر مؤلف موسيقي لفاغنر، تركيبات فيديو على خشبة المسرح، فكان ذلك مصدر ازعاج للجمهور. انظر الصورة التاسعة:
 https://www.dw.com/ar/150-عاما-على-تأسيس-بايرويت-نجاحات-وإخفاقات-وجدل-متواصل/g-77848417
7 - https://apnews.com/article/ai-ring-cycle-opera-bayreuth-wagner-6fd2a342cd36e2d6a60e67b91c3bff79
8 - https://www.welt.de/newsticker/dpa_nt/infoline_nt/boulevard_nt/article6a642010fe2765826e0fc9a8/bayreuther-festspiele-beginnen-beethoven-zum-jubilaeum.html?utm_source
9 - https://www.bayreuther-festspiele.de/programm/auffuehrungen/diskurs-bayreuth/?utm_source

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها