إنّ الرؤية ليست مُجرد حاسة بيولوجية، بل هي فعل وجودي، يربط الذات بالعالم في لحظة من الإدراك المباشر. ففي عصور ما قبل الحداثة، كان فعل الرؤية يمثل "الوعي العفوي"، حيث كانت العين هي الوسيط الوحيد بين الذات والموضوع، وكانت كل صورة في الذاكرة هي نتاج تجربة فردية خالصة، لا تشوبها وسيطات أو مرشحات تقنية. لكنّ هذا الاتصال المباشر قد تلاشى، ليحل محله "الوعي المُهندس" في عصر الهواتف الذكية، حيث لم تعد العين ترى، بل تُسجل، ولم تعد الذاكرة تحفظ، بل تُخزن.
إنّ التحول من الرؤية (Seeing) إلى الإنتاج البصري (Visual Production) قد أحدث انقلابًا جذريًا في إدراكنا للواقع. فإذا كانت الرؤية في الماضي تهدف إلى كشف الأشياء كما هي؛ فإنّها اليوم تُستخدم بشكل مُتعمد لحجبها أو تجميلها أو إعادة تشكيلها لتناسب معايير جمالية مُصطنعة. هذا التطور يُثير تساؤلات وجودية حول ماهية الواقع الذي نعيش فيه. هل هو العالم الحقيقي الذي نراه بأعيننا أم هو النسخة المُفلترة التي نُعرضها ونستهلكها؟
لم يعد الجمال قيمةً مُطلقة تُستمد من الطبيعة أو الإبداع الإنساني، بل أصبح مُنتجًا مُصطنعًا يُعاد تصنيعه عبر مرشحات (فلاتر) وبرامج تعديل. فمن خلال تطبيقات مثل "إنستغرام" و"تيك توك"، تُعطى الألوان حيوية مُبالغ فيها، وتُخفى العيوب، وتُصقل الملامح، ليُصبح الإنسان وكل ما يُحيط به نسخة مُحسّنة غير حقيقية. يرى الفيلسوف الفرنسي جان بودريار (1981) أننا نعيش في عالم من "المُحاكاة"، حيث تُصبح الصورة نسخةً من أصل لم يعد موجودًا. فالصورة ليست مُجرد انعكاس للواقع، بل هي التي تُشكّل الواقع وتُملي علينا ما يجب أن نراه وكيف.
يُولد هذا التزييف البصري إحساسًا مُزدوجًا؛ فمن جهة، يُعطينا شعورًا بالرضا اللحظي عند إنتاج صور مثالية، ومن جهة أخرى، يُحدث فينا قلقًا وجوديًا عند مُقارنة واقعنا غير المفلتر مع تلك النسخ المُزيفة. هذه الجماليات، رغم إغرائها، تُسهم في اغتراب الوعي عن الذات، وتُفقدنا القدرة على تقدير الجمال في صورته الخام، بكل ما فيه من عيوب ونقصان. لقد أصبحنا أسرى لجمالية "الواجهة " (The Interface)، التي تُعطي الأولوية للشكل على الجوهر، وللمظهر على المحتوى، وللمُنتج على التجربة. هذه الجمالية السطحية تُحولنا من كائنات تُدرك الواقع إلى كائنات تستهلك صورًا.
✧ الذاكرة المفلترة ✧
إنّ القدرة على توثيق كل لحظة في حياتنا عبر الصور قد أحدثت انقلابًا في مفهوم الذاكرة. فالذاكرة لم تعد عمليةً بيولوجية داخل الدماغ، بل أصبحت أرشيفًا رقميًا خارجيًا مُخزنًا على منصات إلكترونية. هذا التحول يُثير تساؤلات عميقة: هل الصور التي نلتقطها هي ذاكرتنا الحقيقية، أم أنها ذاكرة مُختارة ومُعدّلة تنسينا تفاصيل اللحظات غير الموثقة؟
يرى عالم النفس دانيال كانيمان (Daniel Kahneman, 2011) أن هناك فرقًا بين "الذات التي تختبر" و"الذات التي تتذكر". فالصورة غالبًا ما تُجسّد اللحظة المُختارة والمُعدّة، وتُهمل المشاعر والخبرات التي لا يمكن التقاطها في إطار. هذا يُؤدي إلى تشكيل ذاكرة مُجزأة ومُصطنعة. على سبيل المثال، قد تُخلّد صورةٌ مُتخذة في عطلة مُمتعة، في حين تُهمل المشاكل الصغيرة التي حدثت في تلك الفترة. هذه الذاكرة الانتقائية تُعزّز وهمًا بالكمال، وتُفقدنا القدرة على التعبير عن كامل حقيقة تجربتنا الإنسانية بكل ما فيها من فرح وحزن.
هذه الذاكرة الرقمية ليست مجرد سجل، بل هي أداة لإعادة برمجة الوعي. فكلما عدنا إلى الصور، نعيد بناء قصتنا الشخصية بناءً على ما هو مُوثق، مُهملين ما لم يتم التقاطه. نحن نُصبح ما تظهره صورنا، لا ما عشناه بالفعل. هذا يُشبه حالة "الذاكرة المبرمجة" التي تُسجن الوعي في إطار مُحدد مُسبقًا.
يُمكن القول إنّ الرؤية البصرية، في شكلها الحالي، تُمارس نوعًا من الرقابة الذاتية على الوعي. فبدلًا من أن نرى العالم كما هو، أصبحنا نرى ما يُفترض بنا أن نراه من خلال صورنا وصور الآخرين. هذا يُؤدي إلى نوع من الاغتراب البصري، حيث نُصبح مُنفصلين عن الواقع، نعيش في فقاعة من الصور المُفلترة، لا نرى جمال الطبيعة أو وجه الإنسان بعيوبه إلا من خلال شاشة.
هذا الانفصال يُعيد طرح تساؤلات فلسفية قديمة حول العلاقة بين الحقيقة والمظهر. فإذا كان الفن، في الماضي، وسيلةً للكشف عن جوهر الأشياء، فإنّ فن الصورة الرقمية قد أصبح وسيلة لحجب هذا الجوهر. نحن نرى الصور، لكننا لا نرى الأرواح. نحن نرى الوجوه، لكننا لا نرى الحقيقة الكاملة وراءها. هذه الرؤية المريضة تُحوّلنا من كائنات فاعلة إلى مُستهلكين سلبيين للصور. نحن نُصبح "عينًا مُنفصلة" ترى كل شيء، لكنها لا تُدرك أي شيء بعمق.
الخاتمة:
يُمثل هذا التحول البصري تحديًا وجوديًا مُعقدًا. فالرؤية لم تعد مجرد حاسة، بل أصبحت وسيلةً لإنتاج الواقع وتزييفه. وهنا تكمن المسؤولية، ليس فقط على المُنتج (المُصوّر)، بل على المُستهلك (المُشاهد). نحن بحاجة إلى وعي بصري جديد يُمكننا من التمييز بين الحقيقة والمُحاكاة، بين الذاكرة الحقيقية والذاكرة المُصطنعة.
إنّ إعادة الاتصال مع الواقع، بكل ما فيه من جمال ونقصان، هو الخطوة الأولى لاستعادة وعينا المفقود. وهذا يتطلب إرادةً قوية لنتوقف عن التصوير أحيانًا، ونُغلق الشاشة، وننظر إلى العالم بأعيننا المُجردة، لا من خلال عدسة الهاتف. فالجمال الحقيقي لا يُمكن التقاطه في صورة، بل يُعاش في اللحظة، ويُسجل في أعماق الروح، بعيدًا عن أي فلتر.