تتمتع أعمال الكاتب الإعلامي نواف يونس، مدير تحرير مجلة الشارقة الثقافية، بعدة ميزات على الصعيد الفني، وأهمها البنية النصية الناتجة عن فلسفة المعنى، والأبعاد الجمالية ضمن نسق نصي متناغم، ينساب بطريقة شفافة كما الماء في النهر، لكنه يمتد عميقاً في الدلالة، ويتكاثف شفيفاً في البنية السطحية بشكل متماوج، وهذا ما يجعله قابلاً للتآويل والاحتمالات المتنوعة، وهذا ما تعكسه تجربته الممتدة لآلاف المقالات، و(100) قصة، و(3) مسرحيات.

ولنستغور أكثر في أعماق إبداعه، ارتأيت أن أضيء على مسرحيتيْه "الرحيل"، و"ملك ليوم واحد"، الصادرتين عن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، متسائلين معاً: ما أسرار تلك الكيفية التي ترشق الأحداث بدراميّة رمزية تضمّها لغة مفهومة ظاهراً، لكنها متعالقة باطناً بالكثير من فلسفة "التراجيكوميدي"، ومنتِجة لشبكة من التداخلات الموضوعية والجمالية؟
◀ "الرحيل" وفلسفة المسرح
يقدم لنا نواف يونس، وبفصل واحد، في مسرحيته "الرحيل" فلسفة الموت وحكمة الحياة، وما بينهما من علائق ونوايا وحالات نفسية مكشوفة ومخفيّة، وهذا ما نلمسه منذ المقدمة التي يشير فيها وجود الموت كبديهة في حياتنا الواعية، لكن لماذا نشعر به طارئاً وآنَ الرحيل فقط؟ ويتساءل أين الخلل في هذا التعامل ولماذا؟ ولنسمع ذلك بصوت كلٍّ منا على منصة افتراضية ما واقعية أو نفسية: "تطرح فكرة الموت... تلك الفكرة التي لا تطرأ على بالنا إلاّ ونحن على وشك الرحيل... فنشعر أن هناك خطأً ما قد وقع؟ أو أن ثمة شيئاً في غير مكانه"! [ص: 9].
يتألف نص المسرحية من سينوغرافيا موظفة بدقة، تبدأ بالتعتيم وتنتهي بالتعتيم، وما بينهما يتفاعل الضوء مع الشخصيتين البطلتين (غريب) و(المندوب)، و(3) أبيات شعرية للكاتب يونس، تتكرر كلازمة مثنوية في البداية والنهاية، مختزلة المسار الذي ينتهي إليه كلّ فانٍ اختزالاً تبدو فيه الحكمة والعدالة واللا مفرّ، فالبيت الأول يعكس التساوي في الفناء لكل كائن، كما يعكس حالته الطبيعية "غريب": "حمامة كنت والاّ كنت ديب، رح تضلك بها الدنيا غريب"، وهنا لا بد من التقاط الإشارة الدالّة على اسم بطل المسرحية الأول "غريب" والمحالة على أيّ كائن، ومنها قارئ النص، أو المُشاهد للمسرحية، أو أيّ متلقّ، ويأتي البيت الثاني مفككاً للبيت الأول، وموضحاً أن البطل الثالث اللامرئي للرحيل هو "الموت": "إذا ما الموت حوّم عا بوابك، وإذا ما ضمك جناحه الرهيب"، ويظهر الموت بحنان لأنه يضم بجناحه رغم أنه رهيب كما هو معروف لدى الناس، بينما يؤكد البيت الثالث على حتمية هذا القضاء الحتمي الذي أمرُهُ بيد الله تعالى، ولا مجال للهرب منه عبْر أيّ وسيط: "ما رح تنفعك حجة محامي، ولا رح تفيدك وصفة طبيب".
وكم تأتي مناسبة تلك الموسيقا "القدر" للموسيقار بيتهوفن، كخلفية تمسك خطوط هذا الصمت المتأمّل وخيوط العتمة وهي تحيلنا إلى تلك الحوارية الديالوغية بين الإنسان والقدر، وكيف تتنامى تلك الدرامية الثنائية بإيقاع أضعف، وأكثر ألماً عندما يكون للإنسان، بينما يعصف إيقاع صوت القدر كقوة عليا تطوي بموجاتها صوت الإنسان، وهذه الإيقاعات تتضمّن إحالة على الطرفين "غريب"، و"المندوب"، والفراغ الذي بينهما من صمت وتأمل وتذكّر وتنافر وحوار.
وعندما تبدأ الإضاءة يبدأ المكان بالظهور: غرفة نوم، مائدة دائرية حولها كراسي وعليها إناء فيه بعض الزهور البنفسجية، والبطل غريب بلباس النوم، والساعة الثامنة مساء، وتبدأ الأحداث بالتحرك بعد إطفائه للنور واستلقائه في الفراش، إلاّ أن حدث البداية يتحرك مع عودة الأنوار التي يطفئها غريب متمتماً في نفسه عن "الشيخوخة"، وهذا التشكيك ينطفئ باليقين عندما "تعود الأضواء مرة ثانية أقوى مما كانت عليه" [ص: 10]، وتبدأ عملية التشويق لمعرفة الفاعل الذي يستعيذ بالله منه غريب وهو ينظر في أرجاء الغرفة فلا يرى أحداً، متسائلاً بدهشة: "ماذا حدث"؟
هنا، يدخل شاب وسيم الطلعة من باب الغرفة، أنيق، يحمل حقيبة، يجلس على كرسي أمام المائدة ويُخرج من الحقيبة بعض الأوراق وآلة حاسبة وأقلاماً، ويسلّم على غريب الفاغر فاهَهُ، وتبدأ المشهدية حركتها في هذا الفضاء، ليبدو "المندوب" رمزاً لملك الموت الذي يرفع الإيقاع الدرامي للنص من خلال قراءته لما يخصّ شخصية غريب ابتداء من اسمه مع تأكيده على (31) دقيقة متبقية، نرصد من خلالها ردات الفعل النفسية للبطل غريب الذي يستجمع أخيراً بعض قواهُ سائلاً الضيف المفاجأة: "من أنت"؟ ليبدأ الحوار دراميته بين مندوب يعرف تفاصيل حياة غريب واسم زوجته وأنه بلا أولاد، وعندما يسأله عن كيفية دخوله، ترتفع وتيرة الدهشة أكثر مع الإجابة: "لن براني أحد... غيرك"، مما يجعل البطل أكثر حيرة، ويأخذه إلى التخمين، المضحك حيناً رغم دراميته المحزنة، فيقول له: "تبدو أنك من مصلحة الكهرباء"، ليكمل بأنه دفع آخر فاتورة، وله شكوى عن انقطاع الكهرباء المستمر، وعندما ينفي المندوب عنه هذه الصفة، يظن غريب بأنه من مصلحة "التليفونات"، أو من مصلحة "الضرائب"، ليكتشف لاحقاً خوفاً غير طبيعي يكتمل مع تصريح المندوب: "يجب أن تتشجع... الموت".
ينسج المؤلف حواراً مألوفاً بدلالات غير مألوفة، راصداً الأعماق الإنسانية وتردداتها الجوانية في مثل هذه اللحظة من النهاية التي لا عودة منها، وكيف يتصرف الإنسان كمخلوق ضعيف، فيحاول الهرب مما لا مفرّ منه، ورغم ذلك يتمنى لو لم يصدق، وهذا ما لجأ إليه غريب وهو "يتقدم بحذر، ويدقق في ملامح المندوب" قائلاً: "ولكنك تبدو"! ليوضح المندوب بعداً عميقاً من أبعاد التفكير التي لا تقف لهذه الدرجة على الشكل، بل على المضمون وهو يشير إلى رأسه، وبينما يحاول غريب أن يفهم، يسخر منه المندوب: "يبدو أنك تحب الحياة"!
بهذه المناغمة الدرامية البسيطة لوهلتها الأولى، الغائرة بعمق، تشتبك البنية لتكشف عن حدث غير مرئي ناتج عن دوامة الصراع الأزلية بين البقاء والفناء، الحياة والموت بكيفية تفلسف إيقاعاتِ الفراغ والأثرَ اللامرئي وما بينهما من عناصر الوجود، خصوصاً، عندما يقرأ المندوب حياة غريب بن غريب من الأوراق بأثر رجعي "فلاشباكي"، حاسباً عمره بالثواني بدقة، موظفاً أهم الأحداث في البعد الزمني الذي عاشه حتى التاسعة من مساء تلك الليلة، ليتبين لنا أن "غريب" تعس رغم أنه يجيب المندوب بعدما يرتّب جلسته وهندامه وأفكاره بطريقة كوميدية بأنه "سعيد"، ورغم الفقر المادي الذي يجعله يدخل البيت من الباب الخلفي هرباً من صاحب البيت والخباز وبائع الخضار، ورغم أن زوجته دائماً متذمرة، وهكذا، وبالتدريج يكشف المندوب عن حياة غريب ثم يرتّب أوراقه ليهم بالخروج لأن لديه مشاغل ومواعيد، إلاّ أن البطل غريب يعود ليجادله معترضاً، مطالباً بالعدالة، ومعبّراً عن الحرية، ما يجعله غاضباً، وبعد الصبر يقول له: "أراك تشعر بمرارة وخيبة أمل، ولكن، لا تبتئس إنه الخير لك، تأكد أنه الخير لك".
بعد ذلك، ينقلنا المؤلف إلى الحالة النفسية لغريب الذي يتمتم مغلوباً على أمره، يصمت ويتنهد ويقول مطرقاً صامتاً: "تبدو الحياة خدعة كبيرة من البداية إلى النهاية"، يلي ذلك "تعتيم كامل على خشبة المسرح، صوت يغني: لما الموت يا نفس بدا لي، عرفت الزمن صار بدو بدالي"، ويبدو التلاعب الفني بدلالات الكلمات بين (بدا) الأولى أي ظهر واتضح (لي)، و(بدو) أي يريد، (بدالي) أي بدلاً مني أو عني، ويختتم النص مشهديته بعودة الإضاءة مع سيمفونية بيتهوفن "القدر"، ويقطع المؤلف توقعات المتلقي سواء كان قارئاً أو مشاهداً، فلا يتركه مع أفق التوقع الأول بموت غريب ومغادرة المندوب، بل يستكمل المسرحية بمشهد حواري آخر بينهما، يعكس مبادرة المندوب بالخروج ومبادرة استمهاله من غريب ولو باستضافته ليشرب شيئاً، فيرفض، ويقترح أن يتفاهم معه، وليقطع له لسانه أو يده أو كليهما، أو ليسجنه، لكن كل المحاولات يأتيها الرد: "إنني مكلف باسترداد الأمانة".
ومع ذلك لا يقتنع غريب، بل يستمر في صراعه الداخلي، ومحاولاته لتغيير رأي المندوب باسترحامه، واستعطافه: "إن ذنوبي كثيرة وكبيرة/ يبكي"، ويستمر في شرح حياته التعيسة من ضياع حقوقه في العمل، وزوجة حمقاء لا تنجب، فلا أولاد ولا أصدقاء، وتبدأ حركاته الغريبة تظهر دلالة على النزوح من الوعي، ويطلب فرصة أخرى، ويظل رد المندوب: "لا أستطيع"، "لا تحاول معي أبداً... إنني عبد مثلك"، ويتوسل غريب بكافة الأعذار راجياً من المندوب أن يمهله حتى الستين، أو ليوم واحد، أو ليودع "خديجة"، وعندما يسأله المندوب من "خديجة"؟ يجيبه غريب مستغرباً: "زوجتي"، فينطلق المندوب مسرعاً إلى الطاولة، يفتح الحقيبة، يراجع الأوراق، "يلتقط الآلة الحاسبة والصور، وبسرعة متناهية، يعيد كل شيء إلى مكانه، يأخذ الحقيبة وينطلق"، بينما غريب فيناديه متوسلاً بإعطائه فرصة، ويتسارع الإيقاع بين الشخصيتين، فيخرج المندوب و"يبقى غريب وحيداً وسط الغرفة مطرقاً".
ويترك المؤلف الخاتمة مفتوحة على أفق التوقعات: هل مات غريب؟ أم رحل المندوب؟ ويبدو من السياق أن المندوب رحل، وغريب نال فرصة أخرى لاختلاف اسم الزوجة، لكنه سيرحل، وهذا ما تلفت إليه السطور الأخيرة: "يبدو أن حياة أغلب الناس في صراع مستمر لمحاولة البقاء، ودائماً ينتهي هذا الصراع بالرحيل".
إيماءة حكيمة في مشهد ختامي يتبعه مشهد أخير من التعتيم وصوت يغني أبيات الشعر الثلاثة، مؤكداً على العدالة في الفناء مع التركيز على أن "الرحيل" الأخير هو البطل الظليل لبطل المسرحية الذي هو كل إنسان مرموز له بشخصية "غريب"، وتبعاً لذلك، يكون الاسم الرمزي لكل منا في هذه الرحلة الحياتية القصيرة.
◀ الدهشة الجمالية
وتأتي مسرحية "ملك ليوم واحد" كمسرحية ثانية في هذا الكتاب، وتتألف من خمس لوحات تبدأ مع الاحتفالية السنوية لجلوس الملك الشاب بين رقص وغناء وشعراء منافقين وحاشية بلاط مسيطرة على أبيه - الملك السابق وقراراته، وبالتالي، مسيطرة على الشعب بلقمته وكرامته من خلال الاحتكار والظلم والبطش باسم القانون، وتبادل المصالح مع الفئة المفسدة من أعيان وتجار، ويحكم كل ذلك الوزير وقائد الجند وهما يواصلان طريقتهما للسيطرة على الملك الشاب الذي مضى على جلوسه (7) سنوات، إلاّ أن البطلة الثانوية "ست الملك" تلفت نظر أخيها إلى ما لا يراه من هاتين الشخصيتين، ليس لأنها رفضت الارتباط بأحدهما، بل لأنها تعرف نفاقهما وتعلم بحال الشعب، وهو ما صرحت به لأخيها لعله يرى الحقيقة وكيف حاصرته الحاشية وعزلته عن الشعب: "اذهب إلى البلدة، قابل شعبك، اطّلع على ما يدور في الخفاء عنك، وستجد شعبك في أمس الحاجة لحاكم عادل منصف وسط ما يعانيه من بطش وقهر وحرمان" [ص: 33].
حوارية ديالوغية مسرحية شجعت البطل على التنكّر في تلك الليلة، والذهاب إلى البلدة، والمشي في شوارعها إلى أن رآه أحد الجنود، وقبض عليه كجاسوس غريب لأنه بلا أوراق ثبوتية، ولأنه لم ينفذ القانون بعدم التجول، مما قاده إلى السجن، وفي وقت انتظار دوره أمام رئيس السجن، يكتشف لماذا يتمّ سجن أفراد الشعب لتظل السيطرة للمحتكرين والفسدة، وكيف يطلب السجانون المال، فيفتشونه ويأخذون خاتمه ويلبسونه ثياباً برائحة كريهة، ويزجونه في السجن، في زنزانة تضم فئات متنوعة، مثل العلماء والطلاب والشعراء والعمال، ويراهم يتبارزون بالأبيات الشعرية، وعندما يسألونه عن اسمه، يجيبهم: "برهوم"، ومن خلال هذه الشخصية يكتشف المزيد مما يجري في السجن والبلدة والمملكة، وهذا ما يتضح من خلال الحوارات المتبادلة بين الشخصيات، ومنهم برهوم الذي يستفسر عن سبب وجودهم ما داموا شرفاء! لتأتيه الإجابة من الشاعر حسن: "(يضحك وينفرط الجميع من حول برهوم) القانون يا برهوم. القانون أعمى، ألم تسمع بذلك؟ أليس مضحكاً أن يعصبوا عيني العدالة كي لا ترى؟ إننا هنا يا برهوم لأننا ضد الظلم والقهر والاستبداد، لقد أرادوا أن يجردونا من أبسط مظاهر إنسانيتنا، من أبسط حقوقنا، فرفضنا ولم نسكت، حاولنا أن نقول: لا، فأتوا بنا إلى هنا".
ويبدو الملك مستغرباً مما يحدث لاسيما القهر والظلم والفساد، وجميعها أدت إلى الثورة والثوار الذين يهيئون لأمر ما على وشك الحدوث، وهو الحدث الدرامي الذي يرتفع مع تسلسل اللوحات، خصوصاً، عندما يكون برهوم ساهراً والجميع نائم، ويقترب منه "حسن" وكأنه سيضمه إليهم، ويتجه إلى الآخرين ليكملوا ما خططوا له، فينجحوا في الهرب من السجن، ونراهم يجتمعون وتبدأ اقتراحاتهم، ومنها اقتراح "بدوي" بتوقيع وثيقة من جميع الأهالي وتقديمها للملك كاشفين له فيها عما يحدث، فيؤيد البعض ويعارض البعض الآخر، ويقترح آخر المواجهة، وما بين مناقشات ومهاترات وأصوات متداخلة تجعل برهوم ينسحب بهدوء.
وفي اللوحة الخامسة، يظهر الملك في قاعة قصره محاطاً ببعض الجند و"ست الملك" بعدما تمّ تنفيذ أمره بالقبض على الوزير وقائد الجند من أجل تحقيق العدالة، وتزامناً مع هذا الحدث يصل الثوار إلى باب القصر، وعندما ينظر الملك من الشرفة يرى "حسن وسعيد وعبد الله" وغيرهم من الذين كان معهم في الزنزانة والاجتماع، فيرفض اقتراح الحرس بمهاجمتهم، ويهم بالخروج إليهم لكن شقيقته "ست الملك" تمنعه كما الحراس، فيطلب التفرد بنفسه، ويبدأ مونولوغاً مع ذاته حول هذا الموقف المحرج، لكنه فجأة يصيح: "يا حراس، أأتوني بالمؤلف، أريد المؤلف فوراً".
وهنا، تبدأ المخيلة ممزوجة بالواقع منتجة جمالية الدهشة والتشويق والمفارقة والحبكة والحدث اللامتوقع للنص المسرحي، فيزيده تميّزاً "فانتازياً"، وبالفعل، يأتي المؤلف، ويدخل كشخصية إلى نص المسرحية، ويحضر أمام الملك الذي يطالبه بإلغاء هذه النهاية السخيفة معاتباً: "لقد جعلتني في البداية أضحوكة ولعبة بين يدي الوزير وقائد الجند وهذا شيء لا يليق بملك مثلي، وها أنت تجعل شعبي يحاصر قصري، يطالب بعنقي، حتى جعلتني كفأر يبحث عن جحر يأوي إليه"، ويبدو المؤلف مستغرباً: "ولكن، يا مولاي"، فيقاطعه الملك مستمراً في الحديث، مقترحاً نهايات أخرى، منها أن يعطيه دوراً في الاجتماع الذي كان في بيت حسن، لكن المؤلف يخبره أنه لا يستطيع، ويستمر الديالوغ الغرائبي بين الاثنين، وكل منهما يحاول إقناع الآخر، لكن المؤلف يرد بحكمة: "هل سمعت يا مولاي بملك قام بثورة ضد نفسه" [ص: 57]؟
وتظل الخاتمة مفتوحة على الاقتراحات والاحتمالات، لكن، وبعد جدل، يقترح المؤلف الاحتكام للناس، وهنا يدخل حسن ومعه مجموعته، ويقول: "إن المؤلف على حق فيما يراه"، ويقول سعيد: "لا نقبل بتدخلك أيها الملك/ إنك لا تريد لهذا الشعب أن يقرر مصيره بنفسه"، ويقول رجل: "تريد أن تستولي على إرادته حينما اكتملت"، ويتنقل الملك بينهم متسائلاً: "حسن، سعيد! ألم تعرفاني"؟ وتتفق المجموعة مع المؤلف على أن "برهوم" هو من فعل ذلك لا الملك الذي ينفعل ويريد أن يكون الاثنين معاً، لكن المؤلف يترك النهاية لاختيار الناس.
نلاحظ أن مسرحية "ملك ليوم واحد" تستمد فنيتها المدهشة المتميزة من خلال عدة محاور أساسية، منها أولاً: النص المسرحي التشاركي بين البطل والمؤلف والمتلقي (القارئ والمُشاهد)، ثانياً: ازدواجية شخصية البطل بين "ملك" وشخص متنكر من عامة الناس "برهوم" الذي زُجّ في السجن، ثالثاً احتمالات الخاتمة المفتوحة على أفق التوقعات اللامألوفة التي طرحها المؤلف نواف يونس مع بطله الملك: إمّا أن يكون "برهوم"، أو "الملك"، أو الاثنين معاً، أو أن يكون ضمن النهاية التي يختارها كل قارئ أو مشاهد، وبذلك يكون قد ركّز على تفعيل نهاية لا نهائية تبعاً لرأي كلّ منا، رابعاً الاختزال الذي لا يترك ظلاًّ لمفردة ودلالتها إلاّ وتمّ توظيفه بتناغمية متشابكة مع بنية النص ككل، سواء كانت في وصف عناصر المسرحية أو شخصياتها أو مكانها وزمانها أو السينوغرافيا أو منطوق الشخصيات مونولوغياً وديالوغياً، خامساً: الثيمة الموضوعية المتجاوزة للزمكانية كونها قابلة للتكرار في كل زمان ومكان، وشبكيّة صراعاتها الداخلية والخارجية المتمحورة حول الظلم والعدالة، والمتناقضات الأخرى.