أسرارُ الكِتابَةِ اليَدَوِية

فوائدُ الكِتَابةِ بخطِّ اليد.. وأسرارُ عِلمِ تحليلِ الخُطوط

ترجمة: محمد زين العابدين


يلقي هذا المقال الضوء على الأسرار الكامنة وراء الكتابة اليدوية، حيث نشأَ عِلمٌ كاملٌ حولَ تفسير معاني الخطوط اليدوية المختلفة، والأبعاد الاجتماعية والنفسية لأصحابها. والكتابة اليدوية في الواقع ليست مجرد وسيلة لتسجيلِ ما نريدُهُ على الورق بخط يدِنا، بل هي تدريبٌ عصبيٌ عضويٌ، وتفريغٌ للطاقة، وتنميةٌ لقدراتنا على الاحتفاظ بالمعلومات من خلالِ التدوين.
 

سماتُنا الشخصية تكشفُها خطوطنا:

عندما نضعُ القلَمَ على الورق، قد لا ندركُ أنَّ شخصيتَنا موجودةٌ في كُلِّ ضربَةٍ وعلامةٍ نقومُ بها. يدرسُ تحليلُ خط اليد، أو عِلْمُ الخط، السماتِ الفريدةَ للكتابة، بدءًا من المسافاتِ بين الحروف، وحتىَّ طريقة تجعيد حرف ال "g" مثلاً، للكشفِ عن سماتِنا الفردية، وكيفيةِ تفاعلِنا مع العالمِ، وطريقةِ تعاملِنا مع الضغوطِ والتوتر، وتعبيرِنا عن مشاعرِنا. فسواء كنتَ انطوائيًا أو منفتحًا، حالمًا أو عمليًا؛ فإن خط يدك يكشفُ كُلَّ شيء.
هل هي كتابة يدوية أم كتابة ذهنية؟
الكتابة اليدوية، كما هو الحال مع كل أنواع التنسيق الحركي الدقيق، هي عملية فيزيائية؛ يرسل خلالها الدماغ إشارات إلى الذراع واليد والأصابع، للتعامل مع أداة الكتابة، سواء قلم الحبر أو قلم الرصاص الذي نستخدمه في الكتابة.
إن الدماغ يمثلُ إلى حدٍ كبير غرفة التحكم الرئيسة، ولهذا السبب يمكن وصف كتابتنا بأنها الأشعة السينية للعقل؛ لذلك ليس من المستغرب أنه لا يوجد نمطان متماثلان في الكتابة اليدوية، وأنهما فريدان تمامًا مثل بصمة الإصبع.

علم تحليل خط اليد:

منذ أن طورنا القدرة على الكتابة لأول مرة، كان هناك أكاديميون ومؤرخون، بذلوا جهدًا كبيرًا لتحليل ما هو خفِيٌ في الأنماطِ الفردية لكتابتِنا اليدوية. ولقد تمَّ في هذا الإطار مثلاً تحليل كتابات يوليوس قيصر، بواسطة (سوتونيوس ترانكيلو).
كان الصينيون في القرن الحادي عشر يدرسون المعنى الكامن وراء الكتابة اليدوية، وفي أوروبا في القرن السابع عشر، نشر كاميلو بالدي (وهو طبيبٌ ومؤرخٌ بارزٌ) وسائل معرفة عادات وصفات الكاتب، من خلالِ رسائله. ومنذ ذلك الحين، علَّقَ كلٌ من (جينزبوروه)، وجوته، ويونج، وأينشتاين، على فن تحليل خط اليد. وعلى مر السنين، احتفَظَ مؤسسو علم تحليل خطِّ اليد بسجلاتٍ دقيقةٍ للنتائجِ التي توصلوا إليها، والتي هي أساسُ ما يستخدمُهُ علماءُ الخَط اليوم. والمؤكد أنَّهُ حتى مع وجودِ العديدِ من أشكالِ الاتصالِ الحديثة؛ فإنَّ الكتابةَ اليدويةَ لن تختفِيَ أبدًا. نحنُ النوعُ الحَيّ الوحيدُ على هذا الكوكب، الذي يمكنهُ توصيل مشاعرِهِ بالكتابةِ والرموز.

الكتابة اليدوية ومتعتُها وفوائدُها:

يساعد تعلم الكتابة الأطفال على تطوير التحكم الحركي الدقيق، ويساعد في الحفاظ على الذاكرة مع تقدمنا في السن. إنَّ فهمَ المزيدِ عن الكتابةِ اليدوية يساعدُنا على الشعورِ بمزيدٍ من التناغمِ مع أنفسِنا ومع الآخرين، ويُمكِنُ أن يكونَ الأمرُ ممتعًا للغايةِ أيضًا. ولعَلَّ مِنَ المدهشِ أنَّهُ إذا فقَدَ شخصٌ ما قدرتَهُ على استخدامِ يدِهِ التي يستخدمُها في الكتابة، فسيتكَيَفُ عقلُهُ في النهايةِ بعد فترة، وستتدَرَبُ يدُهُ الأخرى على إنتاجِ كتابةٍ مشابهةٍ لأصلِ خطِّهِ بيدِهِ التي فقَدَ القدرةَ على استعمالها.
وقبل أن يبدأَ شخصٌ ما بخوضِ متعةِ الكتابةِ اليدوية، يُفَضّلُ أن يكتُبَ بعضَ الجُمَلِ على ورقٍ فارغٍ، فقط بعضَ الجُمَلِ القصيرة؛ ويتجَنَّبَ نسخَ نصٍّ طويلٍ؛ لأنَّهُ سيُبطِئُ سرعتَهُ الطبيعيةَ في الكتابة، ثم يقومُ بالتَّوقيعِ باسمِهِ أسفلَ ما كتَب.

أسرارُ التَّوقِيع:

تُظهِرُ توقيعاتُنا كيف نريد أن يرانا الآخرون. ومع ذلك؛ فإن الصورة التي نُصَوِّرُها قد لا تنعكس على الواقع؛ لذا ينبغي مقارنة التوقيع بالنَّص الرئيس، فإذا كان الفارق ملحوظاً، فكذلك الفارق بين الواقع وبين تصَوُّراتِنا. ولكن -وبالرغمِ من ذلك- فإنَّ الكتابةَ اليدَوِيَةَ لا توضِّحُ ما إذا كانَ الشخصُ يستخدمُ يدَهُ اليسرى أو اليمنى، ولا يمكنُ أن نعرفَ من خلالِها جنسَهُ أو عُمرَهُ.
ويعتبر التوقيع على يمين الصفحة بالنسبة للغة الإنجليزية هو أكثر أنواع التوقيعات شيوعًا؛ وهو يشير إلى نظرة صحية وحيوية وتقدمية، أما التوقيع على يسار الصفحة فيشير إلى الإحجام عن المضي قدمًا. أما مَنْ يكتبُ توقيعَهُ في منتصف الصفحة، فهو غالبًا يشعُرُ بالحاجةِ إلى أن يكونَ في مركزِ ما يفعلُهُ، ويريدُ أن يعرفَ الناسُ أنَّهُم يستحقون الاهتمام.
أما مَنْ يكتبُ نصًا واضحَ القراءة، ثم يُوَقِّعُ توقيعًا غير مقروء فهو غالبًا يريد أن ينقلَ أفكارَهُ وآراءَهُ؛ ولكنهُ يشعرُ بالحاجةِ إلى الاختباءِ وراءَ جدارِ عدمِ الكشفِ عن هُويتِهِ. ومن المُرَجَّحِ أن تكونَ سِرِّية.
أما من يضعُ تحتَ توقيعِهِ خَطّاً؛ فإنَّ كاتب هذا التوقيع يشعر بأهميته، ويريد أن يكون الناس على دراية به. أما إذا تم شطب جزء من التوقيع أو إخفاء اسمٍ من الأسماء؛ فربما يشير ذلك إلى محاولة بعض الأشخاص التنصل من اسم عائلتهم، أو إلى كونهم يحملون مشاعر سلبية تجاه أنفسهم.

استقامةُ الخط وصعودُهُ ونزولُهُ من على السطر:

تُعَدُّ استقامةُ الخط من السمات الجمالية له، فضلاً عن كونِها تحافظ على انتظامِ الترابط بين الكلمات. ولكي نستطيع معرفة مدى استقامة الخط، فمن الأفضل دائمًا الكتابة على ورق غير مسطر، للحصول على مؤشر حقيقي لأسلوب كتابتنا. الخط المستقيم يكون مستقراً، ويمكن التحكم فيه، والاعتماد عليه، ومن المرجح أن من يكتب بهذه الطريقة يسمح لعقلِهِ بالتحكم في قلبه.
وإذا بدا لكَ أنكَ كمَنِ استخدَمَ مسطرةً وهمية في الكتابةِ بانتظام على ورقٍ غير مسطر، فهذا معناهُ أنَّكَ تحبُّ النظامَ والبِنيَةَ الصارمة. أما الخط الصاعد فوق السطر فيعبر عن السعادة والتفاؤل بشكلٍ عام، في حين أنَّ الخط النازل من على السطور يمكن أن يشير إلى السلبية والكآبة؛ ربما لا يشعر كاتب هذا الخط بالرضا تجاه نفسه، أو أنه ليس على ما يرام.
أما الخط الأكثر شيوعًا بين أنواع الخطوط المختلفة فهو الخط المنزلق بمرونة على الأسطر؛ معظمنا يفعل ذلك، خاصة عند الكتابة بسرعة. وهذا يعني أننا منفتحون على الأفكار، ونشعر بالإثارة والحيوية. وربما الحالة المزاجية لكاتبه غير مستقرة بعض الشيء.

مناطق الكتابة:

في الكتابةِ اليدوية، تمتدُّ حروفُ الأبجديةِ عبرَ ثلاثِ مناطق: المنطقة العلوية، والمتوسطة والسفلية. وكل منطقة لها معنى مختلف، وهي تمثلُ جوانبَ نفسية مختلفة لشخصياتِنا. ويمكنُنا مساواة المناطقِ الثلاث للكتابة بالأجزاءِ الثلاثةِ لجسمِ الإنسان: الرأس والجذع والساقين؛ فعندما تنظر إلى كتاباتك، فمن المحتمل أن تلاحظ أن مناطقَ هذه الكتابة ليست متساوية أيضاً كمناطقِ جسمِك.
وقد وجدَ علماءُ تحليلِ الخطوطِ أنَّ المنطقة العليا من الخط ذات أهمية فكرية وروحية، فالحروفُ التي تقف شامخة مثل "l" و"t" تعكس تصوراتنا العقلية؛ ومن ثم يتم تمثيل تطلعاتنا الفكرية والثقافية هنا، وكذا عالمنا الخيالي، ومعتقداتنا الروحية والفلسفية.

نظرة تقييمية عامة على الكتابة اليدوية:

إن جودةَ نموذجٍ معينٍ من الخط تعني النظر إلى الكتابة اليدوية بشكلٍ كُلِيٍّ، دون التعمق في التفاصيل، وعند الحكم على شكل الخط؛ فإننا ننظر إلى عدة عوامل، منها مثلاً ارتفاع الخط، حيث يجب مراعاة التوازن الجيد بين المناطق الثلاث في خط الكتابة؛ ونرى هل هناك تشابك بين الخطوط، وهل تهيمن منطقة واحدة بشكل كبير على الأخرى أم ماذا. ويتم تقييم جودة الخط أيضًا من خلال ملاحظة مدى التباعد بين الحروف والكلمات والسطور، وما إذا كانت الكتابة تبدو مخططة بشكل جيد، دونَ أن تكون منتظمة بشكل صارم. ويلاحظُ في تقييمِ الخطِّ أيضاً هل هناك ضغط طبيعي وصحي على القلم لإظهار الخط، هل هو ضغطٌ ثقيلٌ ومؤلمٌ أم نسج خفيفٌ للخطِّ برشاقة كشبكةِ العنكبوت!
 ويدخلُ في الاعتبارِ أيضاً إيقاعُ الكتابة، فالجودة العالية لشكل الخط لا يجب أن تجعل إيقاعَ الكتابةِ بطيئًا جدًّا لتبدو الكتابةُ دقيقة ومنظمة، ولا يجب أيضًا أن تكون الكتابةُ سريعة جدًّا بحيث تبدو الكتابة غير مقروءة. وأخيرًا؛ مدى انتظام حجم حروف الكتابة، بحيث لا يظهر تباينٌ كبيرٌ في أحجامها على امتدادِ فقراتِ النصِّ المكتوب.


وهكذا يتضح لنا أن الكتابةَ اليدوية ليست مجرد حروفٍ ننثرُها على الورق، بل هي عالمٌ من الأسرارِ والجمالِ والإبداع.
 

 


 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها