أرى أن الشعر يسبق النقد بخطوة دائماً

حوار مع الشاعر السوري "ضوا"

حاوره: هشام أزكيض

يتخذ الحوار مع الشاعر السوري ضوا شكل اعترافات آسرة تشي بما يحيط بتجربته الشعرية، وهي تضبط إيقاع إبداعه، واعياً سبل الاقتراب من راهنية الوطن والمصير والحب، فلا تتورط في الخطابية والتقريرية، ولا تظهر إنشائية التعبير في نصوصه، عطفاً على ما يؤرقه من مفارقات العلاقة مع العالم من حولنا. حصل الشاعر إسماعيل ضوا على شهادة دبلوم في التربية البدنية، وله منجزات إبداعية قيد الطبع منها: "من هنا مر عطرها" ديوان شعري، "الناي المسافر" ديوان شعري، و"يوتوبيا الضائعة... وجدتها" رواية.


واقع الشعر والقصيدة العصرية، وظيفة الشعر والشاعر، والعلاقة مع الرواية، والعالم الرقمي، وغيرها من قضايا الشعر العربي المعاصر، وذلك من خلال الحوار الآتي:

 

 تجربة الشاعر الحياتية تزداد وتتعمق مع كل مرحلة عمرية، من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الكهولة، حدثنا عن المراحل الشعرية لديك، وكيف تنوع الشعر وتجدد مع كل مرحلة؟

كلُّ إخوتي ولدوا كاملي الهيئة والخَلق إلّا أنا ولدت على شكل دمعة!
دمعة تمشي منذ طفولتها على خدود الشّوارع والأرصفة، كثيرةِ الشُّرود، قليلةِ الكلام، هادئة تحمل ضجّة الملح، والحزن الذي في حشاها، كثيرة التّفكير هكذا كانت طفولتي.. شاعرٌ يتهيّأ ليقول الكثير، لكنّ قصائده كانت مؤجّلةً للحظةِ الانفجار كقنبلة عطر، وهاهو الدويّ يسمع في العشرين وما زال يسمع إلى الآن!

في بيتنا العائليّ، يوجد أكثر من رأي وأكثر من اتجاه في الدّراسة والعلم، كانت هذه الحالة الفوضويّة تساهم في ترتيب قصائدي ونحت شخصيّتي لأتحوّل من دمعة إلى صخرة إلى بركة ماء انبجست تقول الشّعر.

 في حياة الشاعر يبقى التأثر صاحب فضل عليه في فكره وشعره ومنهاجه الأدبي، فهل تستلهم شعرك من حوادث وقصص من وحي الخيال؟ أم أن الواقع له دور فيها؟

يعود الفضل للقرآن الكريم كتاب الله سبحانه وتعالى قبل أي كتاب، حيث هذّب لغتي وعلّمني البلاغة والصّور الإبداعيّة وقوّة المعاني، ثمّ أبي الذي أهداني في طفولتي ديوان الجواهريّ كأنّه أهداني قطعة حلوى لا تنتهي، ثمّ حين رأى شغفي بالقراءة قال: تلك مكتبتي خذ ما شئت منها واقرأ..

أما الخيال والواقع فهما محطّتان لأيّ طائر شاعرِيّ، وإنّني مهما حلّقت في فضاء الميتافيزيقا.. لا بدّ أن تتعب أجنحتي وأعود لأستريح على غصنِ الواقع فأكتب عنه ما تعيش الطّيور من معاناة أو طرائف المضحك المبكي.

 دائماً نسمع عن أهمية الشعر وضرورته في خضم الحياة المتسارعة التي نعيشها، أهو ضرورة للحياة، ثم ما مهمة الشاعر برأيك؟ وما فائدة الشعر الآن؟

كانوا في العصور القديمة يحتفلون بولادة الشاعر لمدة سبعة أيام بعد أن يدركوا تحقق موهبته؛ لأنهم كان يدافعون بالشاعر عن معتقداتهم ويستلهمون منه المعرفة والعلم فقول الشاعر قديماً ليت شعري؛ أي ليت علمي يحضرني، وكأنه موسوعة علمية ومكتبة شاملة تمشي بين الناس يقطفون منها العبارات والأبيات والحكم التي تفيدهم في دفاعهم عن فكرة أو مبدأ. كان الشاعر المثقف الأول، وطليعة النشاط الاجتماعي والسياسي أيضاً، والشعر هو السلاح الأبيض في حروب الأفكار، ووردة بيضاء تفوح بالمتعة والعلم في ظلمة الجهل بكل أشكاله.

 أصوات كثيرة تقول بأن الرواية صارت ديوان العرب، أتتوافق مع هذا الرأي؟

أرى أن الرواية تصدرت المشهد الأدبي في الآونة الأخيرة وما زالت، ولا يعود ذلك لأهميّتِها كفنّ بحد ذاته؛ إنما لمجموعة عوامل تحف بها، وأهمها أن الكثير من الروائيين هم شعراء أو كانوا شعراء أيضاً، وهذا ما فتح باب السرد على الشعرية فنجحت الرواية، الرواية تستظل بالشعر اليوم وهذا أمر بحاجة إلى دراسات موسعة لا سيما إذا لاحظنا أن الروايات التي تلقى انتشاراً، وتحصد الجوائز ترفل بالنصوص الوجدانية التي تؤثر حتماً بالقارئ العربي، فنحن أمة غنائية بطبعها، والشعر متأصل في جميع الفروع الأدبية، وأعتقد أنه محطة ينطلق من خلالها الكاتب لأي جنس أدبي آخر.

 العالم الرقمي يغوص في يوميات الناس ويأخذ من مجال اهتمامهم وتركيزهم، كيف لك كشاعر أن تتحرك اليوم في ظل العالم الرقمي الذي نعيشه؟

لا تخيفني التكنولوجيا الذكية طالما أنني آخذ منها ما أحتاجه فقط، الباقي ربما أطّلع عليه، أراه، أقرؤه، ودائماً في إطار المعلومات العامة، ولا يعني ذلك أنني لا أقوم بمواكبة ركب التطور الرقمي والمعلوماتي لنشر نصوصي الشعرية في الصحف الإلكترونية، أو الاشتراك في الصفحات الأدبية والمنتديات الشعريّة على مواقع التواصل. عجلة التقدم الإلكتروني لن تتوقف وعلى الشاعر اليوم أن يستغل هذه العجلة ويستثمرها في نشر الثقافة الشعرية والأدبية. لا يمكن لأحد اليوم أن يقطع علاقته بتطبيقات الإنترنت اليوم. أما الذكاء الاصطناعي فيمكنني القول إنني حتى اليوم لا أحتاجه في شيء لحياتي.

 ماذا يمثل لك مصطلح القصيدة الحديثة، وأين أنت منها؟

 لطالما رأيت أن مقومات الإبداع تكمن في الحداثة. نحن في صلب الحداثة في كل شيء؛ السياسة، الاجتماع، الأدب بأجناسه، ويبقى التحدي في كيفية التأقلم معها لا الهروب منها وإلا فإننا سنكون خارج حركة التاريخ. فالخيمة أصبحت ناطحة سحاب مع تقدم الزمن، والجمل تحول سيارة أو حتى طائرة للمواصلات. صحيح أن هناك أساسيات في القصيدة العربية، لكن المواضيع والمفردات لاسيما الصور التشبيهية والاستعارات، وبنية النّص يجب أن تخرج من قالبها القديم لتتناسب مع قراءة الجيل الجديد وبيئته. التجديد سنّة الحياة وهو لا يستأذن أحداً منا لاقتحامها.

 لكل تجربة شعرية ثوابت وتحولات، تتحكم في مسارها الأدبي، ماذا بالنسبة لك؟

مبدأي الثابت بأن قصيدة الشعر الفريدة هي وليدة المواقف الحياتية كيتيمة ابن زريق، وبردة كعب، وأن الشعر الحقيقي لا يكتب بالمسطرة بقدر ما يكتب بالشعور. والمتقلبات حسب تجربتي هي تقييم النص الشعري ونقده، وأظن أن الزمن هو الحكم الوحيد على النص الخالد. أنا أعيش حالة الصلح التام مع ما أكتب.

 في ظل القضايا المصيرية والأحداث الكبرى من حروب وزلازل وأزمات؛ التي نعيشها كيف يتعامل "ضوا" مع هذه الأحداث؟

لن توقف قصيدتي سيول الكوارث الطبيعية، لكنها تنطلق إلى تثوير كينونة الإنسان في تفاعله معها وتحديات مواجهتها. الشاعر هو القصيدة، والقصيدة تصف، تستكشف، تؤرّخ، تحلل وتستنتج حتى حدود اتخاذ الموقف الذي ينبغي للشاعر تبنيه في مطلق قضية. في الكثير من الأزمات الاجتماعية والأخلاقية قام أحمد شوقي بفعل الكثير ببيت شعري واحد حين أشاع وأشاد بأهمية الأخلاق قائلاً:

(وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا).

 النقد والشعر علاقة من قديم العهد والآن النقد والشعر ومفاهيم الحداثة بينهما، ما رأيك في هذه العلاقة؟

أرى أن الشعر يسبق النقد بخطوة دائماً، فكلما اكتشف الشعر أرضاً واستقر بها خيم النقاد بجانبه وقاسوا أدوات نقدهم على حسب معطيات الزمكان الشعري. النقد بطبيعته لاحق، والتنظيرات التي تهاجم شعر الحداثة بهذا الشكل أعتبرها ابتزازاً للشعراء، ونحن كثيراً ما نتعرض لمواقف مخالفة لرؤيتنا الشعرية وتتهمنا بالاتباعية للآخر، وهي آراء نحترمها بالطبع لكنها لا تلزمنا بما تقوله؛ فإذا كان الماء موجوداً فلن نختلف على شكل الإناء. حتى اللحظة على الأقل، لم تتغير قناعتي بأن المعنى المبتكر المضيء بالدهشة هو أساس النص مهما كان شكل القصيدة.

 نفهم من ذلك أنك تحمل منتجاً نوعياً جديداً يمكن أن تضيفه إلى المشهد الشعري العربي اليوم؟

أحاول إضافة القصيدة المختصرة ذات المعنى الكثيف والصور البلاغية غير المطروقة، وإثبات أن الإحساس بالنّص هو عمود الشّعر الرئيس الذي لا تصح العوامل الأخرى من غيره.

 الإلهام عنصر رئيسي في عملية الكتابة الشعرية، كيف يواجه ضوا إلهامه ويستفيد منه؟

المكان أولاً. أنا أخوض الحياة في الشارع، أفكك أحوال مَن حولي، أهواءهم، كلماتهم، همومهم، عيونهم، حركاتهم، ثم أعود إلى غرفتي مثقلا بكل تلك المواقف، أدونها بطريقة نثرية وحين يضيء بيت شعري بين الأسطر أعيد ترتيب الفوضى المنثورة لأخرج بنص شعري. والذّكريات ثانياً، فهي ملهمي الأول لأنها تحمل رائحة لا تزال عالقة بوجداني وأخشى حسرة فواتها بعد أن كانت واقعاً مضيئاً في غير محطة من حياتي.

 تبدو متخوفاً من موضوع النشر الورقي، أو ربما لديك خطة ما للنشر الورقي، ما تعليقك؟

أخاف إذا طُبِعتْ دمعةٌ من عيوني ونُشِرَت للقرّاء ألّا تناسب مع حجم عيونهم..!
عقدة النّقص التي عاشها بيكاسو تراودني حين كان يرسم الّلوحة فيُذهلُ من إبداعه ظانّاً أنّه ختم الجمال بها، ثمّ يأتي الصّباح ليقول له: كلام الليل يمحوه النّهارُ..
فأصبح يغطّي كلّ لوحة يرسمها قلقاً من رؤية الشّبح ذاته على لوحاته.
لن أشعر بالرّضا عن إبداعي إلّا حين يرميني الجمهور بالورد بدل أن يصفّق لي ويضعني الزّمن في خانة الذين لا يجفّون مع مرور الوقت.

 بعد إقدامك على خطوة النشر، وفي حفل توقيعك، ماذا ستكتب من إهداءٍ للمتلقي، والشاعر، والناقد؟

إلى شخص عاديّ: أعدك بأن تقرأني كثيراً لذلك اقرأني على مهلك.
إلى شاعر: قشّر لغتي وارمها جانباً وتذوّق المعنى.
إلى ناقد: غضّ طرفَك عن كسري العروضي في ديواني لقد كتبته وقلبي مكسور.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها