رحيلُ قامةٍ وبقاءُ أثر
في الثالث عشر من أغسطس 2025 رحل عن عالمنا الروائيّ المصريّ الكبير صنع الله إبراهيم (1937–2025)، فارسُ الواقعيّة النقديّة العربية وضميرُها الأكثر صرامةً في مساءلة السلطة والخطاب العام. لم يكن مجرّد صاحب مشاريع سرديّة لامعة، بل كان -حرفيًّا- كاتبًا يقاوم النسيان: يضع الوثيقة في قلب السرد، ويدفع القارئ إلى مقارنة ما يُقال رسميًّا بما يُعاش يوميًّا. من هنا تبدو العودة إلى «ذات» اليوم فعلَ وفاءٍ ومعاينةٍ معًا؛ وفاءٌ لاسمٍ صاغ أحد أهمّ منعرجات الرواية العربيّة الحديثة، ومعاينةٌ لنصّ يلتقط صورة مصر الثمانينيّات، ويُعيد تركيبها بلغةٍ مقتصدةٍ ساخرةٍ، توازن بين حرارة التجربة وصرامة التوثيق.

صدرت «ذات» عن دار المستقبل العربي سنة 1992، على هيئة روايةٍ تقطعُ مع السرد الخالص، وتبني هندستها على تناوب مقاطع الحياة الخاصّة للبطلة «ذات عبد المجيد» مع مقاطع من الأخبار والإعلانات والتقارير الصحفيّة. والفكرة بسيطة وعبقريّة في آن: لن نفهم اليوميّ إلّا إذا صغناه في مواجهة «النصّ العام» الذي يصدر عن الدولة والإعلام. ومن هنا تنبثق قوّة الرواية: صورةُ بيتٍ مصريّ، وجسدٌ أنثويّ يتلمّس طريقه وسط محظورات الثقافة، وإلى جواره نصوصٌ مطبوعة تُبشّر بنهضةٍ لا تصل إلى المطبخ ولا إلى قسطِ الثلّاجة.
(لأنّ الأب، ككلّ الآباء، دأب على تجاهل هذه الأمور وتركها للأمّ)
(كانت تبحث عن شقّةٍ كما يبحث الغريق عن قشّة)
(اجتمعوا حول التلفاز الجديد لمتابعة نشرة الأخبار...)
هذه الشواهد، على بساطتها، تكشف تقاطع التربية الجسديّة المسكوت عنها مع قهر السكن وسحر الشاشة، أي ثلاثيّ الحياة الحَضَريّة الذي ستظلّ الرواية تفكّكه فصلًا بعد فصل.
مشروعُ صنع الله الروائي: من «تلك الرائحة» إلى «ذات» وما بعدها
لفهم «ذات» ينبغي وضعها داخل مشروعٍ سرديّ متّصل بدأ باكرًا مع «تلك الرائحة» (1966)، نصّ السجن والاختناق المدنيّ، حيث تُكتب الصدمة بحروفٍ جافّة تكسر بلاغة الواقعيّة التقليديّة. ثمّ جاءت «اللجنة» (1981) لتقدّم محاكمة بيروقراطيّة عبثيّة للذات العربيّة، عبر استعارات السلطة والجسد واللغة. وفي «بيروت بيروت»، و«وردة»، و«أمريكانلي»، و«شرف»، و«التلصّص»، سنرى الخيط نفسه: تجريبٌ شكليّ صارم (يقلّ الكلام وقت الحاجة للصمت، بينما تتكاثر الوثائق حين يلزم الدليل)، والتزامٌ أخلاقيّ يرفض التزيين والحياد الزائف.
ومن الملاحظ في مشروع صنع الله إبراهيم الروائي أنّه اختار لرواياته، في معظمها، عناوين مقتضبة، غالبًا لا تتجاوز كلمة واحدة: اللجنة، نجمة، بيروت، شرف، وردة، أمريكا، التلصص، ذات، الجليد، العمامة والقبعة، الجبهة... إلخ. وليس هذا الاختيار عارضًا أو محض صدفة جمالية، بل ينهض على وعي فلسفي وصوفي عميق؛ إذْ تبدو الكلمة المفردة في عنوانه وكأنها تومئ إلى الكلّ، لا إلى الجزء، إلى التجربة الإنسانية الشاملة لا إلى حيز جغرافي أو مجتمعي ضيق. بهذا المعنى يغدو العنوان عنده رمزًا مفتوحًا يفيض على النص كله ويحتويه، حتى ليخيّل للقارئ أن ذات ليست مجرد اسم شخصية، بل هي "الذات" الإنسانية في جوهرها، وأن اللجنة ليست مؤسسة بيروقراطية فحسب، بل تجسيدًا لسطوة كل سلطة تُحاكم الإنسان. إن هذه النزعة إلى التوحيد العنواني تمنح نصوصه بعدًا صوفيًا - فلسفيًا، يوحي بأن كل عنوان ليس تسمية بقدر ما هو "تجريد"، إسقاط لمعنى شمولي على العالم بأسره. وكأن الروائي أراد أن يثبت أن الفن العظيم لا يقف عند حدود مجتمع بعينه؛ وإنما يُلقي دلالاته على الجميع، متجاوزًا المحلي إلى الكوني.
في هذا السياق، تُعدّ «ذات» نقطةَ التقاءٍ بين خطّين في مشروع صنع الله:
◂ خطّ التوثيق: الأخبار، الإعلانات، المحاضر، الجداول… تدخل نصّ الرواية كموادّ سرديّة لا كهوامش.
◂ خطّ الحكاية اليوميّة: امرأة من الطبقة الوسطى، تشتغل، تتزوّج، تسكن، تُربّي، وتتلقّى صدمات الاقتصاد والسياسة على جسدها وميزانيّتها وأحلامها.
إنّ «ذات» هي الميكروسكوب الذي يُظهر خلايا المجتمع، والأرشيف الذي يحفظ ملامح المرحلة. ولذلك ظلّت من أكثر أعماله قابليّةً للتدريس الأكاديمي والقراءة العامّة معًا: تُقرأ كرواية، وتُفحص كملفّ تاريخيّ.
هندسة «ذات»: بين الوثيقة والتخييل… وكيف يُعاد بناء الزمن
تقوم بنية «ذات» على تقطيعٍ زمنيّ متوازٍ: شريطٌ حميميّ يتقدّم (طفولة - مراهقة - جامعة - زواج - عمل)، وشريطٌ عامّ ينهال عبر «قصاصات» صحفيّة تُدرج كما هي تقريبًا: عناوين عن خطط خمسية، زياداتٍ مرتقبة في الأجور، إعلانات لمساحيق غسيل وثلاّجات وسخّانات، تعازي ونَعْيّات طبقيّة مفعمة بالتفاخر.
وظيفة هذا التقطيع ليست زخرفيّة: هو آلةُ مقارنة تُنتج المعنى. فكلّ مرّة تتعرّض «ذات» لخيبةٍ في المواصلات أو لمهانةٍ إداريّة، يندفع إلى جوارها «خبرٌ» يُعلن إنجازًا جديدًا؛ وكلّ مرّة تحلم فيها بثوبٍ لابنتها، يطلّ إعلانٌ يَعِدُها بثوبٍ «اقتصاديّ» لا تبلغه اليد. هكذا تُنسَج سخريةٌ موضوعيّة من دون تعليق. النصّ لا «يسخر» لفظًا، بل يضع المشهد الخاصّ في مواجهة النّبرة الرسميّة كي يُنتج قارئٌ يقظته التأويليّة.
تحت هذا السطح البنيويّ، تتخفّى براعةٌ أخرى: اقتصادُ اللّغة. صنع الله يكتب جُملًا قصيرةً محسوبة، تترك هوامش صمتٍ للخيال. حين يصلُ إلى الجسد مثلًا، لا يطيل، بل يعطي «علاماتٍ» تكفي لإضاءة المشهد الأخلاقيّ والاجتماعيّ من غير ابتذال:
(انطفأ المصباح فجأة، تلمّست ذات الجسدَ بجانبها، ثمّ نامت وهي تفكّر في قسط الثلّاجة الجديد).
أرأيتَ الآن ما يصنعه صنع الله في سطرٍ واحد؟ يضغط الكاتب التعالق بين الحميميّ والاقتصاديّ: رغبةٌ تقاطعها فواتير؛ جسدٌ لا يجد لغته لأنّ اللغة خنقتها حياة الأقساط. هنا تتحقّق رمزيّة الجنس: ليس «موضوعًا» قائماً بذاته، بل مِرآةٌ لاقتصاد البيت وللعسف القيميّ.
وعلى المستوى التربويّ، تُضيء الرواية الصمت الموروث حول معرفة الجسد. الجملة الافتتاحيّة التي تقول: «لأنّ الأب، ككلّ الآباء» ليست ملاحظة عابرة؛ إنّها تشخيصٌ ثقافيّ لطريقة توزيع الجهل بين الأب والأمّ، يوازيه في مكانٍ آخر اليقين الزائف الذي تصنعه الإعلانات والخطب.
الجسدُ والسخريةُ والمدينة: تمثيلاتٌ تُضيء من غير إسفاف
نقطة القوّة عند صنع الله تكمن في براعته حين يعرض لـ«موضوعة الجنس» بطرافة رمزيّة - تتبدّى في ثلاثة مستويات متشابكة:
أوّلًا: الجسد كملفّ اجتماعيّ
لا يقدّم الكاتب مشاهد حسّيّة صريحة؛ يكتفي بإشاراتٍ موجزة، فيجعل خيال القارئ شريكًا في التكميل. في إحدى اللقطات، تلتفت «ذات» لزوجها الذي «يستدير إلى الحائط» بعد جملةٍ مقتضبة. الإيحاء هنا ليس عن برودٍ فرديّ بل عن انسدادٍ وجوديّ: لغة العاطفة تصطدم بالقسط والوظيفة والطابور والواسطة.
ثانيًا: السخرية السوداء
تتجاور تحرّشات المواصلات مع أخبارٍ رسميّة عن «تمكين المرأة»، وتظهر إعلانات المساحيق إلى جانب طوابير السكر والزيت. المفارقة لا تصنع «ضحكًا»، بل قهرًا مُبصَرًا. وحين نقرأ: «اجتمعوا حول التلفاز الجديد…» نفهم أنّ التلفاز -أيقونة حداثة الستينيّات- لم يحرّر المخيال من العادات الوثقى (المِشجب، الجلابيب، و«تربية» الصمت).
ثالثًا: المدينة كجسدٍ أكبر
أزمة السكن - كما في: «كانت تبحث عن شقّة…» - ليست خلفيّةً سرديّة؛ إنّها أداةُ تشكيلٍ أخلاقيّ: حيث تضيق الشقّة تضيق اللغة، وحيث تضيق اللغة تضيق القدرة على الحبّ. هكذا تُقرأ المدينة بوصفها بدنًا يضغط على بدن البطلة، وتصبح الحميميّة سياسةً صغيرة لا تقلّ شأنًا عن نشرات الاقتصاد.
وإذا انتقلنا إلى طقس الختان الذي تلمّح إليه الرواية في طفولة البطلة، سنرى كيف يُديره الكاتب مَجازًا لا مشهدًا: جدلٌ أسريّ بين أمٍّ متوارثة للأعراف وأبٍ متردّدٍ بين القناعة والخوف من الجماعة. لا تصويرَ دمويًّا ولا إثارةً غرائزيّة؛ فكاهةٌ خافتة تحتها شجنٌ ثقافيّ عميق: أيُّ معرفةٍ بالجسد ستتكوّن حين يكون «التطبيعُ مع الألم» شرطَ الانتماء للجماعة؟
«ذات» كأرشيفٍ اجتماعيّ مفتوح: طبقات الدلالة وخاتمة
أجمل ما في «ذات» أنّها تضاعف نفسها: تُقرأ اليوم روايةً، وغدًا مرجعًا اجتماعيًّا، وبعد غدٍ أرشيفًا للصيغ اللغويّة للصحافة المصريّة في الثمانينيّات (لغة المدائح، الإعلانات، صيغ النعي، تقارير «الإنجاز»). فحين يشتغل الكاتب على إعلانات النعي بوصفها خطابًا طبقيًّا («الأسرة الحزينة تنعى… بصفتها…»)، لا يمارس التهكّم على الموت، بل يفضح التفاخر الطبقيّ الذي يحوّل الفقد إلى عرضٍ اجتماعيّ.
يضاف إلى ذلك أنّ الرواية تؤرّخ لاقتصادِ العلامات: أسماء سلعٍ، أسماء بنوك، ماركاتٍ، صيغ قروض… وهذه المفردات ليست ديكورًا بل دوالّ سرديّة تُحرّك المعنى؛ إذْ لا يمكن قراءة تحوّل «ذات» دون تتبّع أثر التصنيع الاستهلاكيّ على ذائقتها وحُلم بيتها واتّساع رغبات الأسرة.
على مستوى اللغة، يهيمن الاقتصاد الأسلوبيّ: جملٌ قصيرة، تفاصيل «منخفضة» (الوسادة، المشجب، قسط الثلّاجة)، انتقالات تراهن على ذكاء القارئ لا على شروح الراوي. هذا الاقتصاد لا يعني التقشّف الدلاليّ؛ بالعكس، يفتح في كلّ سطر مدخلًا تأويليًّا: لماذا ينامان قبل اكتمال الحديث؟ لماذا تتكرّر الأفعال الإداريّة («توقيع»، «موافقة»، «ختم»)، ولماذا تُكتب عناوين الأخبار بحروفٍ غليظة في لحظاتٍ حميميّة؟ لأنّ العامّ يسطو على الخاصّ؛ ولأنّ حياة الطبقة الوسطى التي تمثّلها «ذات» صارت محكومةً بنظام علاماتٍ ضاغطٍ يحدّد الحركة والرغبة والذوق.
أخيرًا، يظلّ اسم «ذات» نفسه بابًا للتأويل: «الذات» الفرديّة التي تبحث عن معنى في زحام المدينة، و«الذات» الوطنيّة التي تتقاذفها الخطابات، و«ذات» النصّ التي تتشكّل من قصاصات الواقع. هذا التعدّد ليس لعبة لغويّة؛ إنّه استراتيجيّة نظر تجعل البطلة قابلةً لأن تُقرأ بوصفها امرأةً بعينها… وبوصفها نحن جميعًا حين ننظر في المرآة.
(ضغط أحدهم جسده عليها في الأتوبيس، وسمعتْ أنّ الحكومة وفّرت للمرأة كلّ حقوقها).
(قالت الأمّ: التلفاز يربّي الأولاد. قالت ذات: يسكّتهم فقط).
(تصغي إلى نشرة الأخبار، وتُطفئ السخّان كي لا يزيد الحساب).
هذه المقتطفات الوجيزة (في روح النصّ، لا ادّعاءً للضبط الحرفيّ) تكفي لإظهار مفارقات الخطاب والمعيش، وكيف تُحوَّل اليوميّات إلى مختبرٍ نقديّ.
وفيما يشبه الخاتمة نقول:
برحيل صنع الله إبراهيم، يخسر الأدب العربيّ أحد أشجع أصواته في انتزاع الحقيقة من قبضة الخطاب. لكنّ الأثر لا يزول: ستبقى «ذات» نصًّا يُقرأ عليـه تاريخُ العرب ومصر الاجتماعيّ والسياسيّ، وتبقى شهادةً على أنّ الرواية، حين تُحسن تدبير الوثيقة والخيال، تستطيع أن تمنح القارئ الصورة كاملة من مخياله، من غير أن تخدش حياء المجتمع… ومن غير أن تُهادن أحدًا. لقد غاب الجسد، لكنّ نَفَس الكتابة الذي أسّسه -كتابةٌ ضدّ النسيان- هو ما سيبقى.
الإحالات والمراجع:
- صنع الله إبراهيم، «ذات»، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1992.
- صنع الله إبراهيم، «تلك الرائحة»، القاهرة، 1966.
- صنع الله إبراهيم، «اللجنة»، القاهرة، 1981.
- صنع الله إبراهيم، «بيروت بيروت»، بيروت، 1984؛ «وردة»، القاهرة، 2000؛ «شرف»، 1997؛ «أمريكانلي»، 2003؛ «التلصّص»، 2007.
دراسات نقديّة عامّة:
- فيصل درّاج، الرواية العربيّة: السيرة والتحوّلات.
- صبري حافظ، «التوثيق والسرد في روايات صنع الله إبراهيم)
- سامية محرز، دراسات في السرد العربي الحديث (فصول عن إبراهيم).
- روجر آلن، القصّة العربيّة الحديثة (عرض لتيّارات الواقعيّة الجديدة).