حسن الزهراني شاعر سعودي الجنسية، وُلِد في قرية (القَسَمَة) في منطقة الباحة، أحد أهم شعراء منطقة الجنوب بأرض المملكة العربية السعودية، تمَيَّز بعمق تجربته الشعرية في الإبداعِ والنظم، وتتويجًا لتجربته الشعرية المتميزة في الإبداع نظمًا، وفي الأخلاق طيبةً وعلوًّا ورقيًّا، تم اختياره ليمثل شخصية مهرجان الشارقة للشعر العربي لعام 2023م، وهو اختيار مُوَفَّق صادف أهله.
ولا أكاد أجافي الحقيقة إذا قلت: إن حسن الزهراني هو الشاعر الأشهر في منطقة الباحة على الإطلاق، وهو شاعرها الأول، ومن أشهر شعراء الوطن العربي في العصر الحديث.
لُقِّب حسن الزهراني بـ(بالبحتري) تشبيهًا لموهبته الشعرية في ثرائها اللغوي وتفردها الفني بالشاعر أبي عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي المعروف بالبحتري (ت204هـ)، أحد أشهر شعراء العصر العباسي، ونُسِب الزهراني في لقبه إلى (الباحة)؛ ليُقَال له: (بحتري الباحة)؛ نسبة إلى بلدته، فهو من أبناء منطقة الباحة، تلك المنطقة التي تميزت بنوابغ الشعراء، وكثيرًا ما نقرأ في الصحف والمجلات – (السعودية والعربية) - بعض الأخبار التي تتعلق بالشاعر حسن الزهراني، وهي تصفه بـ (بحتري الباحة)؛ نظرًا لعمق تجربته الشعرية، وأصالة حرفه الإبداعي.

كما لُقِّب الزهراني بـ(شاعر الإنسانية)؛ نظرًا لحسن خلقه، وجميل أدبه، وكريم تواضعه مع كل من حوله، وقد نال من اسمه بعض صفات الحسن في الأخلاق، وكريم المعاملة حتى صار موضع احترام وتقدير من الجميع دون استثناء.
ولُقِّب أيضًا بــ(شاعر السحاب)؛ لأنه أبدع في وصف السحاب، بل نظم ديوانًا كاملًا بعنوان: (أوصاب السحاب)، وقد ضَمَّن الشاعرُ ديوانَهُ تسعًا وعشرين (29) قصيدة، جاء بعضها وفق النظام العمودي، وبعضها الآخر وفق شعر التفعيلة، يقول الشاعر في قصيدته: (باب الأوصاب):
مَرَّ السَّحاب
تمرُّ أوصابُ الرَّحيق (بورد) أبياتي
على رمش الحقيقة
والخيال الطلق
يومض في نهى (ظلماتها الخمسين)
من أعلى ومن أدنى العُبابْ...
***
حَطَّت على بابٍ
تَهَشَّم في بقايا شرفة التَّغْريد
و(المزلاج) يرصد كل أحداث السفينة
منذ أن عزمت على الإبحار
في لُجَج البيان بدون بوصلةٍ
تجيد الوصف في حلك المسالك
من وراء حجابها الحجريِّ
إِنْ بَطَشَ الضباب...
***
لم تدنُ من مقصورة (القبطان)
خائفةً
وأجساد (القراصنة) العُتاة
تحللت وغد الرُّفَات
صحائفًا بيضًا
والخطاطيف الرَّهِيبة والحِرابْ...
***
لكن أنفاس القوافي
لم تزل في الأسر
لا تدري بما يجري
فمن يهدي لها الحُرَّية البيضاء؟
يغرس في مفاصل
شدوها الحيران
إكسير الشبابْ؟
***
خَرَجَتْ بأجنحة النوارس
كي ترى في (ملتقى البحرين)
خاتمها على (تابوت) عاشقها
وتخبرها (وصيفتها) بأن (الجُبَّ)
يرسل في حشاشات (الدلاء)
ذؤابةً من (قرط) ليلى العامرية
كي يذوق العاشقون رحيقَهُ
فيثور من أقصى مشاعرهم
نمير الشدو بالعجب
العجابْ...
***
ويعلِّمون الشمس
في كل القصائد
كيف تكتنف الزوايا
والنوايا والمرايا
عنوةً
ويعَلِّمون البدر
يحفظ خافت النجوى
ويحدو في سفوح الليل
أسراب السحابْ...
[ديوان (أوصاب السحاب)، ص: 10-14].
ويتخذ "السحاب من الضباب في السراة حالةً مختلفةً من الحضور، ذلك الحضور الذي يلتقي فيه حِسُّ الطبيعة بحس الشاعر، في لحظات يسكن خلالها السحاب، ويعيش في فضاءٍ من (البياض) الذي يحيل الوجود لديه إلى عالم مختلف من (حس الطبيعة) معانقًا الذات بمختلفِ أحوالها طربًا وانتشاءً، وترحًا وأحزانًا، شوقًا وبوحًا؛ ليُصبِح السحابُ الرمزَ والصديقَ والأنيسَ، يتجلى في بياضِهِ صدق البوح، ورمز الصفاء، وفي وَدَقِه طهر الاغتسال من هموم الذات المثقلة بحالة شعرية، بعيدًا عن الوقوف عند مجرد وصف ظاهرة طبيعية جمالية لا تتجاوز مكرور القول".
وكثيرًا ما يتحدث الزهراني عن السحابِ وأوصافِهِ في قصائدِهِ الشعرية، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن منطقة الباحة بأرضِ المملكة العربية السعودية يكثر فيها الضباب والسحاب، والزهراني شاعر واقعي يُعَبِّر كثيرًا في قصائدِهِ عن واقعِ الحياة التي يعيشها؛ لذلك فهو يُكثِر من ذكر لفظ (السحاب) وما يُصَاحبُهُ من ألفاظٍ لغوية تشترك معه في الحقل الدلالي؛ لذلك سُمِّي بـ(شاعر السحاب).
ومن ذلك قوله في قصيدة (شروق الغروب) من [بحر الكامل]:
فإذا السَّراب
أمامنا
وإذا السراب
وراءنا
وإذا السراب يلُفُّنا
من فوقنا من تحتنا
وإذا بنا في (التِّيه)
يحضننا اليباب...
***
أنعم بهذا (الطفل)
يولد (كالفراشة)
صارخ الإحساس
من (رحم) الضياء
ويرعب الغرباء
بالحجر الصغير
ويوقد الحلم
المبعثر في السحابْ....
[ديوان (أوصاب السحاب)، ص: 50-51].
وعن (السحاب) يقول الشاعر حسن الزهراني في سياق حديثه عن توظيفه في شعره: "إن السحابَ كَفٌّ نقيَّة، تحمل الحياة إلينا، ربما وُلِدنا من سحاب، وربما كنا سحابًا ونحن لا نعلم، فهنا في الجنوب لا تفتح عينك إلا على السحاب، وآخر ما ترى من تفاصيل يومك السحاب؛ حتى إن جمال السحاب لا يقل إدهاشًا في الليل مع ضوءِ القمر عن روعتِهِ في النهار، بجميع تفاصيل لوحاته قبيل الشروقِ ونصاعتِهِ في الضحى والظهيرة، لأمر به بعد ذلك ماءً يعيد الحياة بما يهطله من ماء طهور". ويضيف الزهراني معبرًا عن تماهيه مع ظاهرة السحاب، والدخول معها في حالة من الشعرية قائلًا: "دائمًا ما أقف قبيل الغروب استمتع باللوحات البديعة التي يشكلها السحاب فأقرأها من عدة أوجه وبعدة لغات، فالسحاب قصيدة لا تنتهي، ربما كتبناها، وربما كتبتنا... لا فرق، فنحن سحابيون أنَّى اتجهنا، فلقد ورثنا من الآباء دعاء السحاب وأناشيده وأغانيه، ونادرًا ما نجد قصيدةً من قصائِدِنا يخلو اسم السحاب أو معناه منها في وصف وغزل وفرح ومدح ورثاء وهجاء وإخوانيات".
وفي قصيدة (كفن يموت بلا كفن) من ديوان (أوصاب السحاب) يقول الشاعر حسن الزهراني:
يا جارة (القيصوم)
غَنِّي لحن قافيتي
فقد أصغت (براقش)...
وترنَّمي ببديع
أشعاري
فنَارُ الحقد
تلتهم القلوب
اليابسات كأنها
بعض الحشائش...
لَمَعَتْ نجوم قصائدي
وتراجعت
حتى توارت
من سماء دفاتري
سُود الهوامش...
يا جارة القيصوم
من عامين في عامين
والأيام واجِمَة
تكرر نفسها...
غَدُهَا يشابُهُ
أَمسَهَا...
أَمَّا الليالي
فَهْيَ بَاسِمَةٌ
تُظَفَّر أُنْسَهَا...
وإذا أنا
في بِيْدِ آلامي أسيرُ
وحشد أحزاني معي
كفِّي على ظهري
بها كفنٌ
يموت بلا كفن...
وَارَيْتُهُ فِي الْيَمِّ
فالتهمت عُرَاهُ الماء
وانكفأ السراج
على الأرائك
يشعل الآمال
في وجه الشجن...
وَذَرُوتُهُ
في مفرق الأنسام
فاجتمعت
على أشلائه الأيام
وارتفعت على رأسي
سحابهْ...
[ديوان (أوصاب السحاب)، ص: 63].
ولقد بلغ الشاعر حسن الزهراني مكانةً رفيعةً بين أدباءِ عصرِهِ، ربَّما تفوق مكانةَ بعضِ الشعراءِ المشهورين في العصورِ السابقة، فهو كثيرًا ما يمزج بين القالب التقليدي والقالب الحداثي في الإبداعِ الشعري ونظم القوافي.