أكتبُ الشعر برؤية الناقد.. وأكتب البحث بروح الشاعر!

حوار مع الشاعر: أدّي ولد آدبَّ

حاوره: هشام أزكيض

الدكتور أدّي ولد آدبَّ قامة أدبية وأكاديمية موريتانية مسافرة، جمعتْ بين الإبداع الشعري، والبحث الأكاديمي، والنقد الأدبي، والعمل اللغوي. شغل مهام أكاديمية في كل من جامعة محمد الخامس بالمغرب وجامعة قطر، ويعمل خبيرًا لغويًا في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية منذُ عام 2017م، كما اعتمده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات محكِّماً للبحوث الأدبية. وإلى جانب ذلك، مارس العمل الصحفي والثقافي، فكتب في عدد من الصحف والمجلات الموريتانية والقطرية، وأسهم في تحرير العديد من الصفحات الثقافية.
 

أصدر "أدي" عددًا من الدواوين الشعرية والمؤلفات النقدية التي شكّلت إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، وشارك في تحكيم الأعمال الأدبية واللغوية، فضلاً عن حضوره الفاعل في المهرجانات والندوات الثقافية داخل الوطن العربي وخارجه. تنقّل الحوار بين محطات إبداعية وثقافية متعددة، كاشفًا ملامح تجربته في الشعر والنقد واللغة.
 



 كرّستَ جانباً من جهودكَ لتوثيق تراث أسرة أهل "آدبَّ"، ما الذي دفعكَ إلى هذا المشروع، وما أهميته في حفظ الذاكرة الثقافية الموريتانية؟

أسرة أهل "آدب" هي منبع وجودي، وهي مدرستي الأولى أخلاقياً ومعرفياً، وهي "سلالة الشعر وبيت القصيد"، فمنها ورثت الشعر، متحدراً إلى جيناتي، من أجيالٍ متلاحقة، عبر تاريخ مديد، وتحت ظلّ خيمتهم البدوية المترحلة تلقيت من روافدِ الثقافة الأصيلة والمعاصرة ما أغناني عن دخول المدرسة الحديثة الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، حتى وجدتُ في نفسي القدرة على الترشح -حراً- لامتحان الثانوية العامة (الباكلوريا) في الأدب العربي، فكنتُ أول متمرد من أبناء أسرتي الخاصة على تقليدهم المتزمِّت المحرِّم لدخول مدارس النصارى كما يسمونها، فغادرتُ مرابع الحي إلى العاصمة انواكشوط؛ حيثُ حصلتُ على شهادة الثانوية العامة متوفقاً 1986م، وواصلتُ التفوق في جميعِ مراحل التعليم الجامعي حتى الحصول على الدكتوراه 2011م، بميزة "مشرف جدا"، أعلى تقدير في جامعة محمد الخامس بالرّباط.

وفي حضن هذه الأسرة عايشتُ تراثهم الشعري، والنثري، والفقهي، وكنتُ –مع إخوتي الكبار والصغار- نحرصُ على جمع بقايا مخطوطاته في مكتبات العائلة أينما كانت، ومن أفواه الرواة، ومن ذاكرات الجيل المطلع، ولم أزل أحملُ حصيلتي من هذا التراث أينما توجهت داخل الوطن وخارجه، حتى تَخَطَّفَ الموتُ من حولي كل إخوتي المشاركين لي في هم حفظه ونشره، فأدركتُ أني المسؤول الوحيد عن إخراج هذا التراث من غيبوبة النسيان، فـألفْتُ عنه -حتى الآن- ستة كتب، أعتبرها إنقاذاً لميراثي الرمزي، وتخليداً لذكر أهلي، وإسهاماً في كتابة ما لم يكتب من تراث، منطقتني، ومجتمعي، ووطني، ومن ثم من تراث أمتي بالمفهوم الأوسع، حيثُ ظلّ هذا التراث جزيرة مجهولة، لم يَرْتَدْها قلم باحث في تاريخ موريتانيا، فهذه الأبيات تشهدُ ضمنياً على ميراثي الشعر من أهل آدب:

سلالة المتنبي
افحَصْ دَمي.. تبْصرْ رَحيقَ الأحْرُف
أوْ جُسَّ قلبي.. تُصْغ فـــيه لمعْزف
أنا منْ سُـــــلالة مَنْ تنبَّأ شـــــــاعرًا
المُرْتقينَ.. إلى المَـقـام.. الأشْرَف
الــزارعينَ.. على المَـــدَى.. أرْوَاحَهُمْ
الراحلينَ.. على بســـــــاط الأحْرُف
الســابحيــنَ.. بأبْحُر الشعْر الجَمــــيـ
ــل.. إلى قواف.. لا ضفـافَ توَقُّف
الهــائميـــنَ.. بكلّ وادٍ رحْـــــــلةً
خلْفَ المَعَاني.. في الشعُور المُرْهَف
النــاصبيـنَ.. على الخيـــال.. بُيُوتَهمْ
وَطنًا تبَرَّجَ.. في البَيَــــــانِ المُترَف

 تصفُ علاقة الموريتاني بالشعر بأنها علاقة عضوية، حتى إنه أصبح "خبز حياة القوم". كيف أسهمت هذه العلاقة في تشكيل الهُوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الموريتاني؟

علاقة المجتمع الموريتاني بالشعر علاقة وجودية، متفردة، رسختها تنشأة تربوية اجتماعية، استثنائية، تبدأ -غالباً- مع المولود من المهد إلى اللحد، حيثُ يؤذن بعض الآباء من عشاق الشعر في أذن وليده، وينشد الشعر في أذنه الأخرى، كما كان يفعل جدنا (آدَبَّ) عميد وعمود "بيتنا الشِّعْري"، الذي كان يستقبلُ مواليده بأبيات يتنبأ لهم فيها بمستقل السيادة والإبداع، أما الأمهات هناك فلا يكدن يناغين أبناءهن، ولا يُهَدْهِدْنَهم، ولا يُرَقِّصْنَهم، ولا يُعَوِّذْنَهم إلا بالمنظوم من الكلام، فصيحاً أو شعبياً، وهناكَ عادة أخرى لدى المجتمع الموريتاني تعزز التنشئة الشعرية لدى الأطفال، تسمى -باللهجة الحسانية الفصيحة-: "التماري"، وهو مطابق لغرض "ترقيص الأطفال" الأثير في الشعر العربي الفصيح منذُ "الجاهلية الأولى"، وهو عند الموريتانيين يكون احتفاء بالأطفال المُرَادِ تحفيزهم من البداية على قيم الفتوة، حيثُ سيرافقهم ما قيل فيهم من شعر فصيح وشعبي، محفزاً تربوياً يسمو بهم إلى المعالي، ثم لا يستقل الناشئ عن الشعرِ طيلة مسار تعليمه؛ إذْ ستكون مقررات المحاظر التقليدية غالباً منظومات في جميع الحقول المعرفية، ثم ستكون النصوص الشعرية الرفيعة من المعلقات وغيرها حاضرة أبداً في مقررات المدارس الحديثة والمحاظر التقليدية، وسيظل الشعر حاضراً في مجالس السمر، والذّكْر، والفخر...

 أنتَ من مؤسسي بيت الشعر في موريتانيا، كيف تقيّم دوره في دعم الحركة الشعرية الموريتانية، وما أبرز التحديات التي واجهته منذ تأسيسه؟

بيتُ الشعر الذي كنتُ من مؤسسيه سنة 2001م، ليس كما تتصوره، فهو بيت مفلس، كان أضعف -مؤسسياً- من بيت العنكبوت؛ إذْ ليس له ترخيص قانوني، ولا مقر محدد، ولا أي تمويل؛ وإنما كان مجرد مبادرة شخصية، قام بها أربعة أدباء، ضجروا من جمود الساحة الثقافية المُزْمِن، على الرغم من وجود هيئات ثقافية رسمية، وخصوصية عديدة، فأردنا إنعاشها بمجهود شخصي فردي، غير مؤسسي، لا يربط الإنجاز بالتشريع، ولا بالتمويل، ولا حتى بالتنظيم الهيكلي، ومع ذلكَ قررنا أنْ نلتزم بنشاط أسبوعي مهما كان حجم الحضور، تستضيفه قاعة تحرير إحدى الجرائد، وقاعات بعض المراكز الثقافية العربية، ورغم ضعف عمد هذا البيت كان حصاد السنة الأولى من عمره 36 نشاطاً نوعياً، ما بين ندوات، وأمسيات، وحوارات، وهذا ما لم تحقق عشره حتى وزارة ثقافتنا، ولا اتحاد أدبائنا... ثم فرقتنا ظروف الدراسات العليا، والعمل في الخارج، فتوقف نشاط بيتنا منذ سنة 2002، لينبعث- بعد ذلك رسميا- بدعم سخي من سمو حاكم الشارقة الداعم للثقافة أينما كانت.

 تجمعُ بين الشعر والبحث الأكاديمي والعمل المعجمي، كيف أثرت هذه الحقول المعرفية المتداخلة في رؤيتكَ للغة العربية وإبداعكَ الشعري؟

ثالوث الشعر، والبحث الأكاديمي، والعمل المعجمي، أرى عناصره في كينونة شخصيتي متناغمة، أكثر مما هي متنافرة، فأنا –في الحقيقة– أكتبُ الشعر برؤية الناقد، وحفريات الباحث، وأكتبُ البحث بروح الشاعر، وتأويلاته المجازية، التي قد تكون -في نظري- أكثر دقة تعبيرية، مما يسمى اللغة العلمية الجافة، كما أمارس الصناعة المعجمية، ومطاردة المعاني المتناسلة عبر التاريخ، بحس الشاعر الذواق لأوجه استعمالات اللغة، وبصبر وتحقيق الباحث الأكاديمي المتمرس، وفي الوقت نفسه يستفيد الشاعر والناقد فيَّ من استلهام أسرار اللغة، وإيحاءاتها الدلالية، من خلالِ مكابدة القواميس، والنصوص، والشواهد، وهي تتنفس حيواتها الجديدة، وتتقمص معانيها المتطورة، عبر التمرس بصناعة المعجم التاريخي للغة العربية، المتوالد عشرين قرنا.

ومن هنا تتركب كيماء شعرية، بحثية، لغوية، ذات تجانس خلاق، هي أنا.

 بعد هذا المشروع البحثي الكبير في الأدب الأندلسي، ما القضايا التي ترى أنها لا تزال بحاجة إلى إعادة قراءة أو اكتشاف في التراث العربي؟

بعد دراستي الشاملة للأدب الأندلسي (أو الحضارة الأندلسية)، ذهنيةً وأنساقاً، وبعد دراستي لفن المقامات الأندلسية، من خلال "الإيقاع في المقامات اللزوميىة" للسرقسطي، وبعد دراستي، لطابع الغرابة عموداً مميزاً للأدب الأندلسي، وما انبثق عنه من تبلور لما سميته: "نظرية الأعمدة المتناسخة"ـ التي ترى أن لكل حقبة تاريخية عموداً فنياً ذوقياً خاصاً بها، وبعد دراستي أيضاً لـ"النقد الأدبي" موضوعاً للمقامة بين المشرق والمغرب، التي كان نصف مداراها المغربي على أبي الطاهر السرقسطي الأندلسي، وابن شرف القيرواني الأندلسي مهجراً، وبعد دراستي لـ"الرسالة الهزلية: الوجه الآخر لابن زيدون"، التي ركزتُ فيها على ابن زيدون الناثر لا الشاعر، وابن زيدون الهازل، لا الجاد.. وبعد... وبعد...

ها أنا الآن في حقل الأندلسيات أعد كتاباً –غير مسبوق- عن (الهوية الوطنية الأندلسية بين "الداخل" و"الخارج")، وهذا العمل حفرية في مفهوم "الداخل" الذي استأثر به -عبر التاريخ- عبد الرحمن الداخل، رغم أنه ليس هو الداخل الوحيد، ولا الأول، بل الأولى بلقب "الداخل"، هو طارق بن زياد وجيشه الفاتحون، لكن الأهم أن مفهوم الداخل -في حقيقته- يعني بداية كسب الهُوية الوطنية الأندلسية، بمجرد العبور من الضفة المغاربية، إلى عُدْوَة الأندلس، وهنا يُؤَرَّخُ لدخول الأشخاص، والعلوم، والكتب، والصنائع وغيرها، ويصبح الأندلسي شديد الانتماء لهويته الوطنية، التي يكسبها "الداخل"، ويستصحبها "الخارج"، من الوطن الأندلسي، وحتى لو كان مطروداً مدحوراً، كما هو حال المورسكيين مثلاً.

وهناكَ كتاب أندلسي آخر أعده الآن تحت عنوان: "الرؤية الجمالية الأندلسية وتحالف الفنون".

ومدار أطروحته على أن الذوق الجمالي في الأندلس بلغ من الترف والثراء درجة لم يعد فن واحد يكفي للتعبير عنها، بل لا بُد أن تتحالف عدة فنون، لتعبر روعة الجمال هناك، وتشبع الذوق الفني الذي يملك أجهزة تلق، مركبة الأبعاد، ومن هنا ستجد الشعر والنثر يصفان الزخارف، والخطوط، والصور، والتماثيل المنحوتة، والهندسة المعمارية، والنباتية والمائية، إلى غير ذلك..

كما أني الآن أعد كتاباً ثالثاً حول: "معلقات الشعر الجاهلي من أسطرة التعليق، إلى تحقيق التعالق"، متجاوزاً فيه بحث التعليق المشكوك، في حدوثه، وفي نوعية التعليق، وحقيقة المعلقات، وعلى ماذا علقت، ومن علقها، إلى أطروحة التعالق غير المدروسة من قبله؛ حيثُ سنختبر إمكانية دراسة التعالق العمودي بين وحدات كل من المعلقات على حدة، ودراسة تعالقها أفقياً، بحيثُ نقارن بين وحدات بناء القصائد بعضها مع بعض، حيثُ سيبدو شعراء المعلقات – بادي الرأي - كما لو أنهم اجتمعوا على مشروع عربي كبير، يشتركون في بنائه، بحيث يتقاسمون مواضعيه، فيركز هذا الشاعر على تيمة مركزية من حياة الجاهلية، ويركز الآخر في معلقته على أخرى غيرها وهكذا دواليك.

 قسّمتَ دواوينكَ كما لو كانت وصية أدبية، بحيثُ يمثلُ كل ديوان مرحلة أو قضية. هل كان هذا التقسيم مقصوداً منذ البداية، أم أنه تكشف لكَ مع اكتمال تجربتكَ الشعرية؟

لم يكنْ تقسيم الدواوين مقصودا منذُ البداية؛ وإنما كان وليد إعادة نظر نقدي فيما تراكم من حصاد تجربة شعرية بدأت تتنامى منذ 1982م، حيث بدأت 2009م، في توزيع الثروة الشعرية المتوفرة يومئذ، بين حقلي الحب، والثورة، فنشرت لي وزارة الثقافة ديواني: "رحلة بين الحاء والباء"، و"تأبط أوراقا"، في مجلد واحد، كانا فيه وجهين لعملة واحدة هي الشاعر أدي ولد آدب، وفي سنة 2018م، نشرت لنفسي ديوان "بصمة روحي"، ضمنته كل ما يتعلق حينها بخَطِّي الشعري، الذي أردت أن يكون موازياً لخطوط شعريات الآخرين، ولا يلتقي بها أبداً. وفي سنة 2022م، نشرتُ خمسة دواوين دفعة واحدة، خصصت كلا منها بما يناسب عنوانه المنحوت بوعي، وبصيرة نقدية، فتمايزت هنا: "خرائط الوجع" العربي العام، عن "فلسطين القصيدة"، وعن "وطني على كتفي" وامتازت "صلوات القوافي" عن "وجوه كتبتني"، حيثُ تبتل الأول في محراب الشعر الديني، وخلد الآخر ملامح الواشمين وجوههم على جدار الروح والقصيدة معاً، وبعد كل ذلك استجَدَّتْ في حساب الشاعر ثروة نصية ما تزال تتنظرُ مصرفها، ومعبرها إلى النشر.

 تحتلُ فلسطين مساحة واسعة في مشروعكَ الشعري، حتى أفردتَ لها ديواناً كاملاً بعنوان "فلسطين القصيدة". ما الذي يجعلها حاضرة بهذا العمق في وجدانكَ وإبداعكَ؟

في موريتانا تربينا أجيالاً بعد أجيال على مناصرة القضية الفلسطينية، لدرجة أن الشعب كان لا يكاد ينزلُ إلى الشوارع ثورة ضد الجوع، والعطش، والمرض، وغيرها، ولكن القضية الفلسطينية خصوصاً، والقضايا العربية عموماً كانت تستنزله إلى الشوارع تظاهراً واحتجاجاً، يجتمعُ فيه مختلف ألوان الطيف الاجتماعي والسياسي. وحتى على مستوى حكومتنا في عهد الرئيس الأول المختار بن داداه، نستحضرُ أنه قام بحملة دبلوماسية كبيرة في إقناع زملائه من رؤساء الدول الإفريقية بإغلاق سفارات الكيان الإسرائيلي فيها، وانحيازهم إلى القضية الفلسطينية، وذلك ما عجز عنه غيره من كبار رؤساء العالم العربي، ثم إنَّ الحكومة الموريتانية في عهده وفَّرت جوازات سفر موريتانية كثيرة لأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية ومناضليها، حيثُ كان المفكر منير شفيق مثلا يتنقل بجواز سفر موريتاني، وحتى برهان غليون منحته منظمة التحرير الفلسطينية جواز سفر موريتاني يوم لم يكن وطنه يمنحه جواز سفر سوري... أما النازحون الفلسطينيون إلى موريتانيا والعاملون فيها، فسرعان، ما تجنسوا، واندمجوا في المجتمع بكل محبة وتقدير.

ومن هنا لا غرابة أن أول قصيدة كتبتُها بشكل مستقيم شعرياً كانت من وحي مجزرة صبرا وشاتيلا، حيثُ كنتُ أتابعُ -عبر المذياع- الأحداث تحت خيام الوبر، في البادية، وأنا يافع لمَّا أبلغِ العشرين من عمري، وكانت هناك مسابقة شعرية حول المجزرة نفسها، ومن وحيها، وعلى إيقاعها كتبت نصي الأول، ثم استمر النزيف الشعري حتى الآن.

بالنسبة لفلسطين هذه أبيات من قصيدة بعنوان: "قف شاعر الأقصى"
للقدْس.. حُبِّي.. لوْعتي.. تبْريحي
وجُرُوحُ أولى القِبْلَتَيْنِ جُروحي
ومَغارِسُ الزيتونِ أدْنى مُهْجتي
ومآذنُ الأقْصى بأقْصى رُوحِي
فهُنا طلول الحُبِّ.. تأبَى طمْسَها
وهُنا القَدَاسَةُ مِلْءَ كُلِّ السُّوحِ
قِفْ.. شاعرَ الأقْصَى.. هنا.. وهنا.. وقُلْ
للرُّوح: صَلِّي.. ها هناك.. ونُوحي
فمَرَابِعُ الرُّسْلِ الكِرَامِ.. مَرَابِعِي
إِنِّي وَرِيثُ الوَحْيِ.. رَبِّي المُوحِي

 تقول إنَّ الكلمة قدّمَت لفلسطين ما لم تقدمه البندقية، وإن الشعراء لا يجوز أن يكفروا بالكلمة. كيف تنظر اليوم إلى دور الشعر في الدفاع عن القضايا العادلة، في ظلّ هيمنة الإعلام الرقمي وسرعة تداول الأخبار؟

كون الكلمة قدَّمَت لفلسطين ما لم تقدمه البندقية، راجع إلى أن الشعراء أنطقوا الكلمات بشجاعة نصرةً لفلسطين، وهي كل ما لديهم من سلاح، وأصحاب البنادق أسكتوها جُبْناً، وانهزامية، في هذه المعركة المستمرة بين قوة الحق، وحق القوة، واليوم- مع تغير الذهنيات والأمزجة العامة، وتشيئ القيم، وزئبقية المبادئ- لم يعد للكلمة دورها القديم الفعال، ولكنها تبقى سلاح من لا يملكُ سلاحاً غيرها، ويبقى الشعر خنق الشاعر، ولو لم تُفِدِ القصيدة اليوم إلا التنفيس تعبيراً عن الكبت، واحتقان الظلم، وتثويرا للضمير الإنساني المُتَبَلِّد، لكانَ في ذلك مُسَوِّغ كاف للاستمرار في خوض بحور الشعر الساخنة.

 ترى أنَّ النشر بالنسبة إليكَ هو وسيلة لضمان بقاء الأثر لا لتحقيق الربح أو الشهرة. كيف تقيّم واقع القراءة اليوم، وما الذي يحتاجه الكتاب الجاد ليصل إلى جمهوره الحقيقي؟

واقع القراءة اليوم مأزوم، وكذلك واقع المقروء أيضاً، وقد ماع مشهد النشر، واختلط غثه بسمينه، بل غلب الآخِرُ الأوَّل؛ لأن العملة الرديئة تطرد الجيدة من السوق، ولكن الإنسان السوي مفطور بطبعه على محبة أن يُبْقِي له "لسانَ صِدْقٍ في الآخِرين"، حيثُ الذِّكْرُ الباقي هو العمر الثاني، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، وأنا أعتقدُ أن الحروف هي خير خزان للعمر المتسرِّب من ثقوب الزمن، المتحدِّر في مَهَاوِي الفناء الحتمي، ولذلكَ قلتُ في مرثيتي لنزار قباني:
خزّنْتَ عُمْرَكَ في الحُروفِ.. وفي الشِّفَا***هِ، وَفِي القُلُوبِ، فَأيْنَعَتْ أعْمَارُ

ومن هنا كان إصراري على أن أنشر ما تيسر من بحوثي ودواويني، عندما لم أكن عاطلاً عن العمل، مستثمراً فيها قسطاً من راتبي، لدى دار نشر غالية، ومحدودة التوزيع، ولا قدرة لها على حضور المعارض الدولية، لكنها مُجِيدة ومتأنقة، في إخراجها، دون أن أسأل أي جهة أن تنشر لي، وغير منتظر من القراء شراءها، بل إنني أهديها بسخاء لكلّ من رغب فيها، أو من ظننتُ أنه أهل لقراءتها، إيماناً مني بأن لا بقاء لي -بعد موتي- إلا في هذه الكتب، ولهذا أراهنُ على التاريخ المستقبلي، أكثر من الراهن الحاضر، وبناء على ذلك أعتبرُ أن الصورة الباقية لآثارك ينبغي أن تكون جميلة، بقدر جمال محتواها المراد تخليده، ولا تكون وعاء قبيحاً، أو سخيفاً، لا يغري بالنظر إلى المحتوى المضمر، تحت المظهر.

 طرحتَ منذُ أواخر التسعينيات مفهوم "الشعر الحار" بديلاً عن التقسيمات التقليدية للشعر. ما الذي دفعكَ إلى تبني هذا المفهوم، وهل تعتقد أنه وجدَ صداه في النقد العربي؟

أنا بطبعي نفور من الإمعية العمياء، ومن الببغائية الصماء، فقد نشأت متمرداً على القوالب الجاهزة، مستقلاً في "تأويل رؤياي" فكرياً ونقدياً، نزَّاعاً إلى رسم "بصمة روحي" إبداعياً، ولهذا سرعان ما أدركتُ أنَّ مصطلح الشعر العمودي، قد اختزل عمود الشعر المركب العناصر الفنية، في الموزون المقفى فقط، والشعر الحر غير دقيق؛ لأن الحرية لا تمنحُ إبداعاً فنياً، والتقييد لا يمنع ذلك، والقديم والحديث، والمعاصر، صفات يلتبس فيها البعد الزمني والبعد الفني، ولا محددات ضبطية تميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود فيها، ومن هنا قد يكون القديم زمنياً أكثر حداثة فنياً من المعاصر، والحديث، والجديد، زمنياً... فهذه كلها إطلاقات إعلامية، غير متأنية ولا واعية لمفاهيم جوفاء متهافتة، ليست ذات كفاية وصفية، ولا مرتكزات نقدية مكينة، تقبلتها أجيال فاقدة البوصلة والبصيرة، وعلى أنقاضها رأيت أن أبني وأتَبَنَّى مفهوم الشعر الحار؛ "لأن الحرارة هي السمة المفقودة في أغلب هاتيك المصطلحات المنبوذة، ولأن الحرارة هي السمة الأكثر التصاقاً بماهية الشعر وكينونة الإبداع، فأي شعر يفتقر لهذه الحرارة لا ينفعه كونه عمودياً أو حراً أو نثرياً أو قديماً أو حديثاً. وإذا تحققت لا يضره أيضاً خلوه من تلك المواصفات العرضية الأخرى؛ لأن الحرارة جوهر الشعر في نظري".

 لو لم تكن شاعراً، لكان النقد الأدبي خياركَ الأول. كيف أثرت خبرتكَ النقدية في تجربتكَ الشعرية، وهل استطاع الناقد داخلكَ أن يطوّر الشاعر أم أنه قيّده أحيانًا؟

لقد أشرتُ في جواب سابق إلى أن تناغم الشاعر والناقد، في كينونتي أقوى من تنافرهما، وأني أتقمص كلا منهما بروح الآخر، معبراً عن هذه الخلطة بكيماء شعرية نقدية، ذات تجانس خلاق.

 شبّهتَ استيراد المناهج النقدية الغربية بالاقتراض من "صندوق النقد الدولي الأدبي". كيف يمكنُ للناقد العربي أن يستفيد من المناهج العالمية دون أنْ يفقد خصوصية النص العربي وهويته الثقافية؟

كما تلقَّفَ المتلقون مفاهيم الشعر العمودي، والحر، والقديم والحديث، بدون تبصر، بالغوا كذلك في اقتراض مناهج النقد ونظرياته، ومدارسه دون مراعاة للسياق، الغربي الذي أنبتها، ولا للسياق العربي الذي نقلت إليه، مع وجود الفارق الشاسع بينهما، حتى إن بعض هذه المناهج والنظريات كانت تولد في بئتها لمقاربة السرد، أو المسرح، فيتعسف مقترضوها تطبيقها على الشعر العربي، وكذلك المدراس الأدبية كانت لا تأتينا إلا بعد انتهاء صلاحيتها، وتجاوزها إلى غيرها في بلاد المنشأ، فالكلاسيكية لم تأتنا إلا بعد بعد أن دخل الغرب موضة الرومانسية، والرومانسية لم تستورد إلينا، إلا بعد أن تم الانتقال إلى الحداثة، والحداثة لم نتقمصها في واقعنا غير الحداثي أصلا، إلا بعد أن تجاوزها واضعوها إلى ما بعد الحداثة، وما بعد ما بعد الحداثة، وسيرورة هذه البعديات المتسلسلة، تؤكد أن نظرة الغرب إلى النقد عموماً، نظرة متغيرة ومتجددة بحسب تغيرات الشروط الحضارية الفاعلة فيه، بينما نظرة نقادنا الحداثيين/ المقلدين، نظرة جامدة، لا تواكب السرعات المتفاوتة ما بين العالم هنا والعالم هناك، ثم إن المنهج -في حقيقته- ليس إلا مقاربة آنية معينة يراها ناقد ما صالحة لدراسة نص، أو موضوع ما، وكلما غَيَّرَ الموضوعَ المدروسَ، أو زاوية النظر، يتغير المنهج المناسب لذلك، أما النظر إلى المناهج باعتبارها، سننا، يتبعها مريدو ذلك الدارس جيلا عن جيل، ويعتبرونها صالحة لمقاربة كل موضوع، ولكل زمان، وكل مكان، فهو ارتهان أيديولوجي، وزيغ في التفكير، وعمى في الرؤية، وخواء معرفي.

 تحدثتَ عن المساجلات الشعرية الارتجالية التي ولدت في فضاءات التواصل الاجتماعي. هل ترى أن المنصات الرقمية استطاعت أن تمنح هذا الفن حياة جديدة، أم أنها غيّرت شيئًا من روحه الأصيلة؟

أعتقدُ أن الفرق بين المساجلات الشعرية الارتجالية، في الفضاءات التقليدية، وفي المنصات الرقمية الحديثة، يكمن في الاختلاف بين حرارة التفاعل الوجداني المباشر، بين شخصين، يَتَشَاعَرَانِ، ويرى كل منهما انفعالات الآخر ويتأثر بها، وبين برودة تساجل الأزرار الميكانيكي، الذي يكون فاصلا بين المتساجلين أكثر مما هو واصل.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها