الصيام بوصفه تجربة فلسفية

إسماعيل نسيم


لن نتحدَّث في هذا المقال عن الصيام باعتباره شعِيرة أو عبادة مارستها حضارات وشعوب مختلفة عبر التاريخ، وعرَفتها الأديان السماوية والدِّيانات الشرقية، والتي كانت الغاية منها، إجمالا، تهذيب النفس والارتقاء بها في مدارج الروحية. كما أننا لن نتكلم عن الصيام كآلية وقائية لتنقية الجسم من السموم أو ما يعرف بتقنية الدتوكس Detox التي يعتمدها المهتمون بتعزيز الصحة العامة، ولا عن الصيام كأداة لحرق الدهون وتخفيض الوزن أو ما يعرف بالصيام المتقطع Intermittent Fasting، الذي ينتهجه بعض الرياضيين المحترفين للحفاظ على لياقتهم ونشافة أجسادهم من أجل تقديم أداء أفضل في المسابقاتِ الكبرى، بل إننا سنتكلم عن الصيام بوصفه تجربة فلسفية Fasting as a philosophical experience.

 

بأي معنى يعتبر الصيام تجربة فلسفية؟

في كتابهما المشترك تحت عنوان: "الصيام، تجربة فلسفية" jeûner, une experience philosophique، تُجيب إيفا لورا وسباستيان شاربونيي، وهما أستاذان لمادة الفلسفة، عن هذا السؤال. حيث يؤكِّدان أن الصيام تجربة فلسفية بمعانٍ عدة.
أولها، أن الصيام يفتح مُمَارسه على إعادة التفكير في مفاهيم لا تعلُّق لها بالغذاء، وفي معتقدات لا ارتباط لها بفعل التوقُّف عن الأكل لفترة مؤقتة.
وثانيها، أنه يجعلنا نحيا، بشكل ملموس، الفرق بين الرغبة والحاجة، بين الفراغ والامتلاء، بين الأحكام الخارجية –التي تكرس الخضوع للمجتمع وأعرافه- والثقة بالذات.
وثالثها، أنه يحثُّنا على استشكال علاقتنا بالغذاء، ويدفعنا إلى تغيير طرق تفكيرنا المعتادة في حاجاتنا الحيوية.
ورابعها، أنه يجعلنا نواجه قناعاتنا وتناقضاتنا، ونجابه البداهات الراسخة التي تعطِّل تفكيرنا؛ ونفعِّل القوى النقدية للجسد، والتي قد لا نعتقد بوجودها.
وخامسها، أن الصيام كيفية لفهم المشكلات الأنثروبولوجية والبيئية خاصة، التي تبرز شيئاً فشيئاً في قلب المجتمعات الرأسمالية. ومن هنا، فهو -وهذا المعنى السادس والأخير- كيفية للارتباط بالآخرين بنحو أفضل (ما يساعدنا على الاستمرار)، وفَهمِ مَكامِن قِوَانا الحقيقية (ما يمكِّننا من المقاومة)، ومعرفةِ ما يَهُمُّ الذات حقا (ما يساعد على ترتيبِ أولويات الوجود).

الصيام والجسد:

الصيام تجربة تُعيد الاعتبار للجسد بكيفيات مختلفة. إنه، أولا، تجربة تثبت واقعية الجسد التي تتوارى عادة لصالح الاحتفاء بواقعية الفكر؛ فالصيام تجربة تُمَارس باللحم والعظم؛ أي بالجسد، وليس بالفكر أو الخيال وحدَهُما. ثم إننا في الصيام نكتشف القدرات المذهلة للجسد على تحمُّل الجوع والعطش، مثلما نعي في الوقت نفسه محدوديَّته، حينما تنفد مخزوناته وترتخي توتراته وتخور قواه، بفعل ساعات الصيام الطويلة. كما تجري، أثناء الصيام، عملية إعادة ضبطٍ لحاسَّتي الذوق والشم، تحديداً، لدى الجسد؛ إذ يتلقى الصائم روائح الأشياء بشكل مغاير عمَّا يحصل معه في فترات الأكل، كما يتذوَّق الطَّعم الأصيل للأشياء، والذي لا يتذوَّقه عادة بفعل اختلاط الغذاء الطبيعي بالنكهات الاصطناعية والملوِّنات.

الصيام نقد للمجتمع:

الصيام، كذلك، تجربة نقدٍ للمجتمع الاستهلاكي المعاصر الذي يريد حَشرنا في دوَّامة الاستهلاك، وإيديولوجيا المأكول، والذي يُكرِّس عندنا اعتقاداً واهماً مؤدَّاه أن الجوع تعذيب للذات، وخطر داهم يتهدد الجسد. لقد كان الصيام ممارسة طبيعية بالنسبة للإنسان قبل ظهور المجتمعات الدائمة. لم يكن الإنسان يحصل على الطعام بصورة دائمة، فكان يضطر إلى الصيام لفترات طويلة قد تصل إلى أيام، مِمَّا عوَّد وظائفه الفيزيولوجية على الصيام. أما ظهور المجتمع الدائم، فشكَّل تحدياً حقيقياً للجسد الذي صار ملزماً بالأكل في كل وقت. وقد تعزَّز هذا التحدي بظهور المجتمع الاستهلاكي الهادف إلى التسويق والربح، والذي صار يحدد لنا لائحة بالأشياء التي علينا أن نرغب فيها وتلك التي يجب ألا نرغب فيها، مِمَّا طَمَسَ رغباتنا الحقيقية وخلق لدينا رغبات زائفة لا تنسجم سوى مع مصلحة السوق. ولهذا، فإن الصيام يعيد الكشف عن رغباتنا الحقيقية، كما يعيد ربطنا بإحساساتنا.

الصيام انهمام بالذات وانفتاح على الآخرين:

يمثل الصيام تجربة تَحَرُّرٍ للذَّات من النظام، والمعايير، والإيديولوجيا. مُجتمعنا مجتمعُ رقابة وضبط للذات كما يقول ميشيل فوكو، والنظام هو دائما محاولة لإخضاع الذات لضوابط ترتقي بها إلى نموذج أمثل يريده المجتمع؛ أما الصيام، فهو على العكس، تكريس لعلاقة ثقة بالذات، تجعلنا أكثر إصغاءً لِما يجري لنا ومن حولنا، وأكثر تقبلا لتجارب عدم الاستقرار التي قد تعصف بنا في أية لحظة، وأشدَّ مقاومة لقواعد ضبط الذات التي ترسم لنا صورة عن ذاتنا وتُرغمنا على التطابق معها. وبالموازاة مع هذا التحرر على الصعيد الذاتي، يفتحنا الصيام على الآخرين. حيث تتغير نظرتنا إليهم، وعلاقتنا بهم، ونصبح أكثر استعداداً لمناقشتهم والإصغاء إليهم. ويتحدث صاحبا كتاب "الصيام، تجربة فلسفية" عن تجربة "الهشاشة المشتركة" vulnérabilité commune، التي تتحوَّل إليها العلاقة بين الذوات في الصيام الجماعي، حيث يعي الصائمون محدوديتهم وحاجتهم إلى بعضهم.

الصيام والزمن:

هناك شيء آخر مثير في الصيام وهو أنه يجعلنا نعيش اللحظة الحاضرة. خلال الصيام لا نبحث عن ما الذي ينبغي علينا أن نأكله، ولا عن طريقة هضم ما أكلناه، ولا نفكر في سداد ما اقتنيناه للأكل. في حياتنا اليومية، نحن ممزَّقون بين ماضي نجرُّه خلفنا ومستقبل نرغب فيه. خلال الصيام نخرج من السرعة المجنونة للحياة اليومية، كي نعيش اللحظة الحاضرة في هدوئها وبساطتها.

الصيام تجربة فرح وسعادة:

الصيام تجربة تحقق لنا الفرح والسعادة بالمعنى الاسبينوزي للكلمتين؛ أي بمعنى "القَدْر الأقصى من توافر قدراتنا على العمل". وهذه مسألة أثبتها طب الأعصاب، الذي بيَّن أن الدماغ يفرز أثناء الصيام معدلات عالية جداً من هرمون السعادة (السيروتونين).

الآثار السياسية للصيام:

إذا كان الصيام تجربة سياسية، فليس ذلك فقط لأنه تجربة ديمقراطية يمكن للجميع الانخراط فيها، بل لأنه يعلمنا مقاومة الأوامر الخارجية، ويكشف لنا عن أن الرغبة في الإشباع لا تأتي من داخلنا، بل من الخارج، ولأنه، أساساً، يسمح بشكل من أشكال "تحرير الخيال من الاستعمار"décolonisation de l’imaginaire. ذلك أننا مستعمرون من قِبل أنماط فكرية معينة، سواء تعلق الأمر بالاستهلاك، أو التملك، أو الفصل بين الفكر والجسد، أو فكرة ضبط الذات والجسد؛ والصيام مناسبة لتحريرنا من أشكال الاستعمار الفكري هذه.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها