لم يكن هيناً الوصول إلى ذلك المبنى التاريخي الواقع في سوق ساروجة، قرب المكان الشهير "المصالح العقارية"، لكن ما إن وصلت إليه من الباب الجانبي، حتى ضللت الطريق ضمن مساحة لم تكتمل حتى الآن بسبب حريق ألم بها. قليل من الوقت أطل مدير متحف دمشق التاريخي "سامي صالح" لنقوم بجولة لا تنسى، شعرت فيها بإحساس من يدور في بيت بقي شاهداً حياً على جمال العمارة الشامية، وروح المدينة القديمة.
التقيت خلال الجولة بعائلة دمشقية، تدور في المكان بشغف غريب، وحين تقترب منهم تدرك سر الأصالة التي يمتلكها الدمشقيون، فكيف إن كانوا في متحفهم!

"البيت الدمشقي" رغم أنّه يقع خارج أسوار دمشق التاريخية، إلا أنّه يختزن ملامح بيت عربي أصيل يعود إلى القرن الثامن عشر، ويقدّم تجربة حسّية كاملة لروح دمشق، كما كانت قبل مئات السنين.
سامي صالح مدير المتحف حاصل على إجازة في الآثار من جامعة دمشق، وماجستير في الاقتصاد وإدارة المشروعات من المعهد العالي للتنمية الإدارية، شغل رئاسة شعبة التنقيب والدراسات الأثرية في دائرة آثار دمشق، وشارك في العديد من البعثات التنقيبية في مواقع متعددة، منها: وادي بردى وتل سكة، وتل الخطيب في الغوطة.
في 1/9/2022 تمّ تكليفه بإدارة متحف دمشق التاريخي، وشارك بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف في ترميم مقتنيات تراثية من الخشب والخزف والصدف.
في هذا الحوار، يفتح لنا "صالح" أبواب المكان، كاشفاً عن حكاية البيت، دوره، ورؤيته المستقبلية في الحفاظ على الهوية العمرانية والثقافية للعاصمة.

✦ رؤية متجددة للحفاظ على هوية دمشق ✦
ما خصوصية البيت الدمشقي؟
يقع متحف دمشق التاريخي (البيت الدمشقي) في حي ساروجة خارج أسوار المدينة القديمة، في شارع الثورة، للبيت مدخلان؛ الشمالي من جهة مديرية المصالح العقارية، والجنوبي من أحد الأزقة المؤدية إلى بيت اليوسف الذي تعرّض لحريق كبير دمّر أجزاءً واسعة من قيمته الحضارية.
البيت يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثامن عشر في العصر العثماني، وكان ملكاً لمحمد فوزي العظم ثم لخالد العظم، وتبلغ مساحته نحو 3136 متراً مربعاً، وهي مساحة نادرة لمنازل داخل سور دمشق.
ما الفكرة الأساسية وراء إنشاء البيت الدمشقي في شارع الثورة؟ وهل يمكن اعتباره محاولة لإحياء الذاكرة العمرانية لدمشق القديمة داخل المدينة الحديثة؟
بالنظر إلى مخططات دمشق القديمة، نجد أن عدداً من البيوت الدمشقية الكبيرة كانت خارج السور، مثل بيت العابد، وبيت يوسف، وبيت عبد الرحمن باشا، هذه البيوت تُعد ثروة معمارية حقيقية، مساحة البيت الحالية، قرابة 3000 متر مربع، غير ممكنة تقريباً داخل السور، لذا كان الموقع خارج الأسوار خياراً طبيعياً تاريخياً، واليوم يشكّل امتداداً للذاكرة العمرانية في وسط مدينة الحديثة.
كيف تم اختيار موقعه تحديداً في شارع الثورة؟
المنطقة كانت تاريخياً أحد امتدادات دمشق القديمة، وهي حي ساروجة العريق، الموقع الاستراتيجي على شارع الثورة سمح بأن يكون البيت قريباً من الناس وزوار المدينة، ومركزاً للتعرّف على الهُوية الدمشقية ضمن سياق عمراني حديث.
✦ العمارة والروح الدمشقية ✦
كيف جرى الحفاظ على الطابع المعماري الدمشقي الأصيل؟ وهل المواد المستخدمة تقليدية بالكامل؟
البيت مسجّل كمبنى أثري بموجب القرار الوزاري رقم 2/أ بتاريخ 4/12/1960 نتيجة خصائصه الفنية والتاريخية المهمة.
منذ عام 1970 وحتى 1980 جرت أعمال ترميم واسعة، تم خلالها استخدام مواد تقليدية تحاكي البنية الأصلية، مع إدخال بعض المواد المعاصرة الضرورية لضمان المتانة، هذا المزج سمح بالحفاظ على روح المكان وهيكله المعماري الأصلي.
هل يمكن اعتبار البيت نموذجاً قابلًا للتكرار للحفاظ على هُوية المدينة؟
بالتأكيد.. البيت الدمشقي يقدم نموذجاً مهماً يمكن الاستفادة منه في مشاريع ترميم البيوت العربية، وإعادة توظيفها كمراكز ثقافية أو متاحف تراثية تحافظ على الذاكرة العمرانية للمدينة.
✦ الوظيفة الثقافية والاجتماعية ✦
هل هو مجرد معلم سياحي أم فضاء للتفاعل الثقافي والفني؟
هو أكثر من معلم سياحي، إنه مشروع ثقافي يعرض الهُوية الدمشقية كما هي، الفنون المعمارية، الرسوم الجدارية، الزخارف النباتية والهندسية، الأسقف الخشبية المذهبة.
كما يعرض نموذج البيت الدمشقي المكوّن من الحرملك والسلملك وقسم الخدمة، بما يعكس نمط الحياة الاجتماعية القديم.
ما الأنشطة التي يحتضنها المكان؟ وهل هناك تعاون مع فنانين أو حِرفيين؟
شهد البيت تصوير العديد من الأعمال الدرامية الشامية، مثل:
باب الحارة – حرائر – رجال العز – الزند وغيرها.
إضافة إلى فعاليات اجتماعية تنظمها جمعيات أهلية، وأنشطة ثقافية متعلقة بالتوثيق والتراث.
كيف يتفاعل الزوار المحليون والسياح مع البيت؟
يستقبل المتحف الزوار يومياً باستثناء يوم الجمعة، ومعظم الزوار وخاصة طلاب الآثار والهندسة المعمارية، يشعرون بالدهشة والإعجاب لجمال التفاصيل المعمارية والزخرفية، البيت يقدّم لهم تجرِبة بصرية ووجدانية حقيقية لدمشق القديمة.
هل لاحظتم عودة الاهتمام الشعبي بالبيوت القديمة بفضل هذا المشروع؟
نعم، هناك اهتمام متزايد بإحياء البيوت العربية وترميمها، والبيت الدمشقي ساهم بلا شك في تعزيز هذا الوعي لدى الجمهور.
✦ قراءة في مشروع البيت الدمشقي ✦
هل يضم البيت ورشًا أو معارض للحرف التقليدية؟
المكان يعرض الكثير من الأثاث والأواني الدمشقية القديمة، إضافة إلى رموز وأدوات تراثية تم إدخالها لتعزيز الهُوية البصرية، القاعات موزعة وفق تسميات مرتبطة بوظائف العرض وليس بالاستخدام التاريخي الأصلي.
ما الجهود المبذولة لدعم الحرفيين التقليديين؟
نعمل على إبراز أهمية الحرف التقليدية التي تعرّضت للتراجع خلال سنوات الحرب، عبر عرض المنتجات التراثية والتعاون مع الحرفيين في بعض الأنشطة، إضافة إلى دعم توثيق تقنيات الزخرفة والنحاسيات والخشب المصدّف.
✦ من ساروجة إلى المستقبل ✦
هل هناك نية لتوسيع المشروع ليشمل بيوتًا دمشقية أو مراكز مشابهة؟
تعمل المديرية العامة للآثار والمتاحف على إعداد دراسات لترميم الأجزاء المتضررة، ومنها مركز الوثائق التاريخية، وبيت اليوسف المجاور، بهدف إعادة تأهيله وتوظيفه مستقبلًا بما يخدم التراث الدمشقي.
كيف ترون مستقبل البيت الدمشقي ودوره للأجيال الجديدة؟
نطمح إلى أن يبقى هذا البيت مركزاً معرفياً يعمّق الوعي الجمالي والثقافي لدى الأجيال الجديدة، ويعيد وصلهم بتراث مدينتهم، إنه ليس مجرد مبنى، بل ذاكرة حيّة يجب الحفاظ عليها ونقلها للأجيال القادمة.