الحبُّ والفراغ.. في التقليد الصوفي!

بقلم: ميدها نيناد تامبي

ترجمة: إسماعيل نسيم


ما معنى الحب في التجربة الصوفية؟ هل أن تُحَبَّ معناه أن تُعرَف؟ كان الشاعر والمتصوف البارز في التقليد الصوفي جلال الدين محمد الرومي (1207-1273م) يُخالف هذا الرأي بقوة. كان الرومي يُجادل بأن الحب في جوهره هو اقتحام للاَّمعروف: الحب هو إفراغ للذات من كل معرفة ذاتية كلِّيةً.


شعر الرومي غزير، ومتعدد الجوانب بصورة استثنائية في مضمونه، إذْ يحتوي عدداً لا يحصى من التيمات، ويتناول أفكاراً وجودية من اللانهائي إلى الألوهية. ويعدُّ الفراغ من التيمات التي يعلِّق عليها بنحو متكرر (وإن كان ذلك غالباً بإيجاز وبشكل عابر)، ناسجاً إياه في قصائد عن الحب والهُوية والإله. ومن خلال النظر في سبر الرومي للفراغ، وانتقاداته للمعرفة بوصفها عائقاً في النهاية أمام تحقيقه، وتأملاته الميتافيزيقية حول أشكال الاتصال بين الذوات، سأبيِّن أن المفهوم الصوفي عن الفراغ الذي يعبِّر عنه هو، في الواقع، حالة متناقضة من المَلاء اللانهائي- تجريدٌ كامل للذات يمكننا في ضوئه تجربة الحب في أنقى صوره، ومن ثَم الدخول في اتحاد مع الإلهي.

 

◄ مَلء الفراغ

يُضفي الرومي طابعاً مثالياً على الفراغ مؤكِّداً أن السعي إليه أمر طبيعي. في قصيدته "الحِرفة والفراغ"، يكتب أن "كل حِرَفِي يبحث عما ليس موجوداً" -أي عن الفراغ- وذلك حتى يَخلق ويَملأ. ويحثنا على ألا نخشى الفراغ، وأن "نسعى إليه". كما يؤكد أيضاً على أن الفراغ "يتضمن ما نحتاجه"، وأنه يَجُود في "وفرته". ومن هنا، يلمِّح إلى أنه ينبغي علينا أن نتوق إلى الفراغ بدل التعلق بالرغبات المادية وشِراكها.

ولا ريب أن الطريقة التي يصف بها الرومي هذا الفراغ محيِّرة. عادة ما يُتصوَّر الفراغ على أنه غياب شيء ما، أو بصورة أبسط، على أنه فضاء لم يعد يحتوي ما كان موجوداً فيه سابقاً. إلا أن الرومي يضيف بُعداً آخر، مانحاً الفراغ هُوية خاصة به. لم يعد الفراغ مجرد أثر باقٍ لحالة كانت قائمة في الماضي، بل يصوره على أنه كيان قائم بذاته. ومنه، فهو يحث في قصيدة "الفراغ" على أن "تكون أنت الجميع" بدل أن تتعلق بهم سطحياً فحسب، ثم يجادل قائلاً: "عندما تصبح أنت الجميع، تصبح لا شيء، فارغاً".

هنا، تتناقض فكرة الرومي عن الفراغ تماماً مع النقص أو الغياب. بل هي صفة الامتلاء بالكثرة –تعدد يكاد يكون لا نهائياً للهُوية- يتحول إلى عدم مطلق.

يتجلى هذا التناقض الظاهري في مفهوم الرومي عن الفراغ باعتباره تفككاً كلياً للذات. وكَما يلمِّح إلى ذلك في قصيدة "الفراغ"، ففي حالة الذهن المثالية، تستوعب هُوية "الجميع" هوية الفرد، مسلِّمة الذات إلى فراغ لا نهائي. وهكذا؛ فإننا نكون فارغين، لكن فقط بمعنى أننا مُفرغون من ذواتنا: ذلك أن الفراغ في حقيقته امتلاء، من فرط عمقه، لا نعود قادرين على تمييز السمات الفردية. ويتأمل الرومي، كذلك، في قصيدته "أين نحن"؟ أنه لا ينتمي إلى نفسه إلا بقدر "ما يَعرف القلم ما يَكتب"، أو "تستطيع الكرة أن تخمِّن وجهتها التالية". وبكلمات أخرى، فأن تكون فارغاً حقّاً بمفهوم الرومي معناه أن تنتمي إلى شيء آخر غير ذاتك؛ أي أن تكون فاقداً تماماً لهويتك. وعندما تذوب الهُوية، لا يبقى سوى هذه الحالة الثمينة من الامتلاء المطلق التي توصف بالفراغ.

◄ زخارف اللغة

هنا يصير من الضروري التفكير في القصد. هل يمكن بلوغ هذا الفراغ بوعي، أم أنه حالة لا بد لنا من الانزلاق إليها دون وعي؟

Bismillah تعني باللغة العربية "بسم الله". ويوضح الرومي، في قصيدته "بسم الله"، أن الكهنة يرددون "باسم الله" عند تقديم الأضحية لله. ثم يدعو القارئ إلى "بسمَلة ذاته القديمة ليجد اسمه الحقيقي". من المؤكد أن ترديد "بسم الله" ينطوي على تضحية واعية بالذات القديمة: فإيجاد "اسمنا الحقيقي" مسعى لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التأمل فيما يتبقى بعد التضحية بالذات. فعلى الرغم من أننا قد نغرق في اللانهائي -حتى يغمرنا... [فتختفي] كل صفات الفاعلية ("استعارات تقريبية")- فإن إدراك فراغنا بالكامل هو مسعى يتطلب فيما يبدو جهداً واعياً. بيد أنه عند نقطة ما من هذا المسعى، يغدو من الضروري نبذ الذات بوعي والسماح لتعددية الفراغ بابتلاعها. وكما يردد الرومي: "فقط عندما كففت عن الإيمان بذاتي بلغت هذا الجمال... في هذا المحيط من التيارات المتلألئة". (من قصيدة حمامة تحت الطُّنُف).

في النهاية، لا بد من التخلي عن المعرفة الواعية أيضا- حيث يرى الرومي في قصيدته كيف أن المعرفة "تقود إلى الدمار الكلي". ويصف حالة اللامعرفة بأنها الحالة المثلى؛ لأن المعرفة نفسها "نسِيَت الصمت والفراغ". بعبارة أخرى، يستحيل وصف (أيِّ معرفة عن) الطبيعة غير القابلة للوصف للإفراغ الكلي للذات. ولكن، على النقيض من ذلك، من العسير للغاية تحقيق هذا الفراغ دون الاعتماد على المعرفة. إن التوتر بين المعرفة والفراغ موضوع طاغ على أعمال الرومي، وعلى هذا التوتر يتوازن بتأرجُح الكثير من شعر الرومي، توتر غالباً ما يبرز بغرابة في تناقض أو تنافر بين القصائد.

يُنعِم الرومي النظر مليًّا في المعرفة، خاصة في شكلها اللغوي؛ لأنها تتعلق بالفراغ. ومع ذلك يبيَّن بالمِثل أن اللغة وسيلة غير ملائمة قطعاً للكشف عن الذات أو تمييزها. وكما يسجل، "كل كلمة منطوقة هي غطاء للذات الداخلية". (قصيدة "نسيم الليل") ومع ذلك، فإننا نلجأ إلى اللغة حين نواجه الفراغ الذي يغمرنا. ويلمِّح الرومي إلى أن اللغة تستخدم، في لحظات الخوف عند مواجهة الفراغ اللانهائي، كعكاز مألوف لكنه هش، يقي الذات من الاستسلام للفراغ الحتمي. لكن من أجل الوصول إلى الفراغ حقّاً، علينا أن نتخلى عن المعرفة اللغوية الراسخة، لصالح تواصل يتجاوز الكلمات –لصالح تعالٍ يفوق الوصف، تعال يكاد يكون إلهيا؛ كما يشرح: "اللغة لا تمس الواحد الذي يسكن كل واحد فينا". ("مقارنة غريبة") وبالتالي؛ فإن الوصول إلى هذا الواحد الكوني، "الواحد في كل واحد فينا"، يُلزِمنا بتجاوز زخارف اللغة، وتلافي إغراء تفسير الذات فقط من خلال الكلمات. والواقع أن من المفارقات أن يشير الشاعر الرومي إلى أن الكلمات تغدو خطيرة إن تم التشبث بها حتى بعد بلوغ مرحلة معينة من الوعي بالذات. وعلى سبيل المثال، يحذرنا في قصيدته "بئر النص المقدس" من السقوط في بئر حرفيَّة النص". ثم يشبه القرآن والإنجيل بحبال في هذا البئر، وينصح القارئ بالحذر من التمسك بالحبل طويلاً، ويوجهه بدل ذلك إلى "ترك حبل البئر يسحبه للخارج"، ثم "تَرْكِهِ ينفلت". [راجع سلَّم فتجنشتاين، المحرر] لا بد لنا في النهاية من إفلات حبل المعرفة حتى نفرغ أنفسنا. إن محاولة السير على جسر اللغة وصولا إلى اللانهائي مسعى شارد.

◄ الاستعداد لبلوغ درجة المُحِب

أخيراً، بالتخلص من آخر بقايا المادية وبالتحرر من سجن اللغة المريح، نبلغ حالة الفراغ المثالية التي أرادها الرومي. ويصوغ الأخير هذه الحالة بأشكال متنوعة، وينسب إليها صفات عديدة. غير أن المعاني الحقة لهذا الفراغ اللانهائي تكمن في الحب الذي هو السبيل نحو الإلهي.

وانسجاماً مع التقليد الصوفي، لا يفرق الرومي بصورة جذرية بين الحب والإلهي. فالحب عنده إلهي، ولا يمكن أن يُحِبَّ حقاً إلا من اتحد بالإله. ويوضِّح، مثلاً، أنه لمَّا كان الحب عفوياً، "يُقال إنه صفة من صفات الإله لا البشر". (مقدمة نثرية للكتاب الثاني) إذْ إنّ هذه الحالة من الاهتمام بالآخر بصدق لا يقدر غير الإله على بلوغها. وبإفراغ ذواتنا من الخديعة والمكر المتأصلين في هُويتنا الذاتية، نستطيع أن نمتلئ بالآخر بكيفية تتيح لنا النفاذ في الإلهي. وكما كتب الرومي، "خمر اللاوجود يُسكِرنا بالإله"، وفي سكرنا هذا نتطهَّر". (ماء الصباح والشاعر) التوقف عن الوجود –أي إفناء الذات لأجل كمال الآخر- هو سبيل الاتحاد بالإله، ومن ثم تجربة الحب الحقيقي. ويضيف في "سيِّد الموسيقى" أن المُحِبِّين "يَحْيَوْنَ بعضهم في بعض على الدوام".

ويفصِّل الرومي مفهومه عن الفراغ في قصته عن "الفن الصيني والفن اليوناني"، وهي قصة رمزية عن فنانين صينيين ويونانيين تنافسوا فيما بينهم داخل غُرَف يفصل بينها حجاب، لتحديد من منهم له البراعة الفنية الفائقة. وبينما أبدع الفنانون الصينيون أعمالًا فنية رائعة في غُرفهم، اكتفى الفنانون اليونانيون بصقل جدران غرفهم حتى الكمال، بحيث عندما يُسحب الحجاب تنعكس الأشكال الصينية على الجدران اليونانية بتفاصيل متلألئة. يكتب الرومي أن الأشكال "كانت تعيش هناك بجمال أكبر، وتتغير باستمرار مع الضوء". إن بلوغ فراغ الرومي هو بمثابة إفساح المجال للمُحِب –لاستيعاب إحساس بالألوهية يسمح للعالم بالانعكاس على جدران الذات الفارغة المصقولة.
 

✦✦✦


في النهاية؛ يرى الرومي هذا الفراغ المُحِب باعتباره أنقى صور الوجود –أي كعدم ينبع من تسليم كامل للكلية اللامتناهية لوجود الآخر. فقط في ظل هذا الصمت المخيف الذي يتجاوز اللغة والمعرفة الواعية، في سياق موت الذات هذا، نستطيع أن نحب حقّاً. لهذا، فعندما تسأله حبيبته أيهما يحب أكثر هي أم ذاته، يجيب الرومي: "لم يبق مني شيء" (ياقوتة الشروق) هنا يشبه نفسه بياقوتة تُرفع إلى الشروق، موضحاً أن التمييز محال بين ما إذا كان هو الياقوتة نفسها أو "عالم صُنع من الحُمرة". ويهتف الرومي أيضاً قائلاً: "هكذا قال الحلاج: أنا الإله، وقال الحق"! فماذا يتبقى بعد أن تُهجر الذات لتوفير مأوى للمحبوب؟ في هذا "العالم المعقد المتشابك، الذي لا يعدو كونه خطاً مستقيماً واحداً نازلاً من بداية الإله"، من نكون عندما نسمح لأنفسنا بأن نتجرد من هُويتنا ونمتلئ بحبيبنا؟ لا شيء. نحن الفراغ" (الفراغ) –وكما يجادل الرومي باسم الصوفية: في هذا الفراغ اللامتناهي نصبح واحداً مع الإله.

 


المصدر:
Love & Emptiness in the Sufi Tradition
Issue 173: April/May 2026: Islam & Philosophy
◄  هذه ترجمة لمقال بعنوان «Love & Emptiness in sufi tradition» نشر بمجلة "الفلسفة الآن" philosophy now، 2026.
◄  Medha Ninad Tambe طالبة في السنة النهائية بجامعة كولومبيا، متخصصة في دراسات جنوب آسيا وفي الاقتصاد. تهتم تخصيصاً بمسائل الذات والوحدة في التقاليد الفلسفية والدينية لجنوب آسيا.
 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها