ما الذي يحدث داخل النص السردي حين تتغيّر الثقافة؟

حوار مع الناقد المصري أحمد مرسي الفائز بجائزة الشارقة للإبداع العربي- مجال النقد

حاوره: أحمد أبو دياب


أحمد محمد مرسي عبد الله. شاب في عقده الثالث، جمع بين دراسة الطب والانشغال الاحترافي بالنقد الأدبي. وُلد في مدينة دمنهور بجمهورية مصر العربية عام 1996، وتخرّج في كلية الطب والجراحة بجامعة الأزهر بالقاهرة، غير أن اهتمامه بالأدب لم يكن نشاطًا عابرًا على هامش الدراسة، بل مسارًا موازيًا نما معه عبر القراءة والكتابة والمشاركة في الفعاليات الثقافية.


خلال سنوات دراسته الجامعية حصل على عدة جوائز وتكريمات من جامعة الأزهر، ونشر قصائد شعرية ومقالات وأبحاثًا أدبية في عدد من الصحف والمجلات، قبل أن يحقق محطة لافتة بفوزه بجائزة الشارقة للإبداع العربي في مجال النقد في دورتها الأحدث. هذا الفوز لم يأتِ من فراغ، بل من انشغال واضح بأسئلة النص وتحولاته، وبمحاولة بناء رؤية تحليلية لا تكتفي بوصف العمل الأدبي، بل تسعى إلى تفكيكه وفهم منطقه الداخلي.


في هذا الحوار، نقترب من تجربته، ونسأله عن اختياراته، ورهاناته، وعن موقعه كناقد شاب يحاول أن يترك بصمته في مشهد نقدي مزدحم بالأسئلة.
 



 أنت تنتمي إلى جيل شاب دخل ساحة النقد مبكرًا… ما السؤال الكبير الذي دفعك أصلًا إلى ممارسة النقد لا الاكتفاء بالإبداع؟

صحيح أنني بدأت رحلتي الإبداعية من بوابة الشعر، لكن السؤال الذي دفعني إلى النقد لم يكن سؤالًا شعريًا بقدر ما كان سؤالًا معرفيًا: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف يعمل النص السردي من الداخل؟

كنت أقرأ القصص والروايات بشغف، لكنني كنت أشعر دائمًا أن هناك منطقة خفية خلف السرد، منطقة لا يراها القارئ العادي، وأن فهم الأدب يحتاج إلى أدوات أخرى غير المتعة الجمالية. ومع الوقت اكتشفت أن النقد ليس موقفًا مضادًا للإبداع، بل هو امتداد له، الكاتب يرى العالم من داخل التجرِبة، أما الناقد فيراه من خارجها، من زاوية تحليلية تكشف ما يتخفّى خلف اللغة، وتضيء المناطق التي لا ينتبه إليها القارئ.

 كيف تشكّلت رؤيتك النقدية خارج الإطار الأكاديمي الصارم، وأنت القادم من خلفية طبية لا أدبية تقليدية؟

تشكّلت رؤيتي النقدية خارج الإطار الأكاديمي الصارم؛ لأن علاقتي بالأدب لم تبدأ من قاعة محاضرات، بل من دهشة القراءة الأولى.. أنا قادم من خلفية طبية، نعم، لكن الطب علّمني شيئًا بالغ الأهمية: أن تنظر إلى التفاصيل الصغيرة، وأن تفهم الظاهرة من داخلها، وأن تبحث دائمًا عن السبب قبل النتيجة، وهذا بالضبط ما احتاجه الناقد.

 كثيرون يكتبون النقد بوصفه تعليقًا على النص… لكن ما تعريفك أنت للنقد؟ هل هو تفسير؟ أم مساءلة؟ أم إعادة إنتاج للنص؟

أنا لا أرى النقد تعليقًا على النص، ولا أراه شرحًا لغويًا أو تلخيصًا جماليًا

بالنسبة لي، النقد هو فعل قراءة مُنتِج، قراءة تُعيد تشكيل النص وتكشف طبقاته، وتضعه في سياقه الثقافي والفني، وتفتح أسئلته بدل أن تُغلقها.

 ما الإشكالية المركزية التي حاول عملك الفائز بجائزة الشارقة أن يطرحها أو يعيد التفكير فيها؟

الإشكالية المركزية التي حاول عملي الفائز أن يطرحها هي سؤال التحوّل

كيف تتغيّر القصة العربية اليوم؟ وما الذي يحدث داخل النص السردي حين تتغيّر الثقافة، والوسائط، واللغة، والوعي الجمعي؟

كنت أرى أن النقد العربي كثيرًا ما يكتفي بوصف الظواهر أو الاحتفاء بها، لكنه لا يذهب إلى تفكيك الأنساق التي تتحكم في إنتاج النصوص، ولا إلى فهم القوى الثقافية التي تعيد تشكيل السرد من الداخل.

 أثناء كتابة العمل الفائز، هل كنت تراهن على الجائزة، أم كنت تراهن على فكرة تريد تثبيتها في المشهد النقدي؟

حين بدأت كتابة هذا العمل، لم أكن أراهن على الجائزة بقدر ما كنت أراهن على الفكرة. كنت أشعر أن هناك فجوة حقيقية في قراءة القصة العربية الجديدة، وأن النقد ما زال يتعامل معها بالأدوات القديمة، بينما النصوص نفسها تتحوّل بسرعة هائلة

لذلك كان هدفًا أساسيًا أن أثبت سؤالا جديدًا في المشهد النقدي: كيف نقرأ السرد العربي اليوم في ظل التحوّلات الثقافية والرقمية والجمالية التي نعيشها؟

ولا شك أن الرهان على الجائزة مهم.

 إلى أي حد يؤثر الشاعر بداخلك على الناقد؟ وهل تحاول كبح الحس الجمالي أثناء التحليل أم توظفه؟

الشاعر بداخلي لا يغيب حين أكتب النقد، لكنه أيضًا لا يقودني.

هو أشبه بصوت داخلي يذكّرني بأن النص ليس معادلة جامدة، بل كائن حيّ له نبضه وإيقاعه وروحه.

لكن الناقد هو الذي يضبط المسافة، ويمنح القراءة أدواتها ومنهجها وصرامتها.

أنا لا أحاول كبح الحس الجمالي؛ لأنني أؤمن أن الناقد الذي يفقد حساسيته الجمالية يتحوّل إلى موظف لغوي، يقرأ النصوص ببرود لا يليق بالأدب.

وفي الوقت نفسه، لا أسمح للشاعر أن يسيطر على القراءة؛ لأن ذلك قد يحوّل النقد إلى انطباع أو ذائقة شخصية.

 ما المسافة التي يجب أن يحافظ عليها الناقد بينه وبين النص؟ هل تؤمن بالحياد الكامل أم بالانحياز الواعي؟

أنا لا أؤمن بالحياد الكامل، ولا أؤمن بالانحياز العاطفي، أؤمن بما أسميه الانحياز الواعي؛ أي أن يدخل الناقد إلى النص وهو مدرك لزاويته، ولأدواته، وللأسئلة التي يحملها، دون أن يسمح لهذه الأسئلة بأن تُعميه عن رؤية ما يقوله النص فعلًا.

 كيف تتعامل مع نص يخالف قناعاتك الفكرية أو الجمالية؟ هل تحاكمه بمعاييرك أم تحاول فهم منطقه الداخلي أولًا؟

حين أواجه نصًا يخالف قناعاتي الفكرية أو الجمالية، لا أبدأ بمحاكمته، بل بمحاولة فهم منطقه الداخلي، النقد بالنسبة لي ليس ساحة صراع بين ما أؤمن به وما يقوله النص، بل مساحة حوار، أقترب فيها من النص لأفهمه كما يريد أن يُفهم، لا كما أريده أنا أن يكون.

 هل تخشى أحيانًا أن يتحول الناقد إلى سلطة تقمع النص بدل أن تفتحه على احتمالاته؟

نعم، أخشى ذلك… وأظن أن كل ناقد واعٍ يجب أن يحمل هذه الخشية معه دائمًا، فالناقد حين يمتلك أدوات قوية ورؤية واضحة قد يتحوّل – دون أن يشعر – إلى سلطة، والسلطة بطبيعتها تميل إلى فرض قراءتها بوصفها "الحقيقة"، وإلى تضييق مساحة النص بدل توسيعها.

 كيف ترى علاقة النقد بالمجتمع؟ هل هو فعل ثقافي نخبوي أم ضرورة حضارية أوسع؟

أرى أن علاقة النقد بالمجتمع علاقة عضوية، وليست علاقة خارجية أو ترفًا نخبويًا

النقد في جوهره فعل حضاري؛ لأنه يعلّم المجتمع كيف يفكّر، وكيف يقرأ، وكيف يطرح الأسئلة، وكيف يرى نفسه في مرآة الأدب والثقافة

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن النقد يمتلك جانبًا نخبويًا؛ لأنه يحتاج إلى أدوات ومعرفة وقراءة عميقة، ومع ذلك، هذه النخبوية ليست هدفًا في ذاتها، بل وسيلة لإنتاج وعي أوسع.

 بعد الفوز بجائزة الشارقة، هل شعرت بمسؤولية إضافية تجاه ما تكتبه؟ وهل يمكن للجائزة أن تغيّر مسار الناقد؟

الفوز بجائزة الشارقة لم يكن مجرد لحظة احتفاء، بل كان لحظة وعي، فجأة شعرت أن ما أكتبه لم يعد شأني وحدي، وأن هناك قارئًا ينتظر، ومشهدًا نقديًا يراقب، ومسؤولية مضاعفة تجاه كل فكرة أطرحها وكل قراءة أقدّمها.

 ما النص الذي غيّرك كقارئ قبل أن يغيّرك ككاتب؟ ولماذا ترك هذا الأثر تحديدًا؟

نص "بنفسج وزبالة" من ديوان مسجد على القمر للشاعر حاتم الأطير، إذ كان فارقا في وعيي بالحداثة ومدى ارتباط الشاعر بتراثه وتفاعله مع واقعه.

 لو طُلب منك أن تصف مشروعك النقدي في جملة واحدة الآن، فكيف ستعرّفه؟

مشروعي النقدي هو محاولة لقراءة الأدب العربي من داخل تحوّلاته، وكشف الأنساق التي تشكّله، وفتح النصوص على احتمالاتها بدل حصرها في قوالب جاهزة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها