في زاويةٍ معتمة ببيتٍ تفوح منه رائحة البخور الممزوجة برطوبة الجدران القديمة، جلس "يحيى" يحدق في بقعة ضوءٍ وحيدة تسقط من كوةٍ عالية. لم يفتح فمه بكلمة منذ تلك الليلة؛ ليس لأن حباله الصوتية تعطلت، بل لأن اللغة صغرت أمام هول ما عبر جسده. كان "يحيى" قد ارتكب في عرفهم "الجريمة الكبرى"؛ لم يكن ذنبه أنه أحب ابنتهم فحسب، بل لأنه حين طُرد من بابهم لفقره، لم ينكسر، وحين هربت الفتاة من جحيم زيجةٍ قسرية لتبحث عن أمانه، رأوا في ذلك "تطاولاً" من ظلٍ لا يحق له أن يطأ قصورهم. بالنسبة لهم، لم تكن الفتاة هي المفقودة، بل كانت "هيبتهم" هي التي تلطخت حين فضّلها قلبُ ابنتهم على جاههم ومالهم.
استدرجوه باسم "كلمة الشرف"، أوهموه أنهم انحنوا أمام صدق مشاعره، وأن "العرض" لا يُصان إلا بالستر. ذهب يحيى بقميصه الأبيض الوحيد، يحمل في صدره طمأنينة من ظن أن "النسب" سيغسل غبار الطبقات. لكنه ما إن ولج عتبة "البيت الكبير"، حتى أدرك أن العزومة لم تكن لعقد قِران، بل كانت "مأدبة سحل". تسعة أشخاص، جمعوا غلّ السنين في أيديهم، أرادوا أن يثبتوا له وللقرية أن "الفقر" لا يرتفع رأسه أبداً. لم يكتفوا بالضرب، بل كان الهدف هو "الكيّ المعنوي"؛ نزعوا عنه ثيابه.. ألبسوه "بدلة الرقص". أرادوا أن يقولوا له: "هذا هو مقامك، من يتجرأ على ملوكنا ليس رجلاً".
داخل تلك الغرفة، كانت الضحكات النسائية تشق صمته وهو يُقاد كالذبيحة. دسوا في روحه غياباً قسرياً تحت تهديد السلاح، وأخرجوه في "زفةٍ" جنائزية لكل معاني النخوة. كان يحيى يسير في الشوارع التي شهدت كفاحه ونقاءه، يرى الوجوه التي كان يحييها تختبئ خلف الشقوق، ويرى "كبير القوم" يمد يده ليتمم مشهد الهوان بصفعةٍ أخرست صرخته الأخيرة. لم يفعلوها لأن البنت هربت، بل فعلوها ليغسلوا عجزهم عن السيطرة على مشاعر ابنتهم بدم كرامته، وليجعلوا من جسده "عبرة" لكل من تسول له نفسه تخطي أسوار الطبقة.
الآن، وفي صمته الثقيل، لم يكن يحيى يكترث ببيانات النيابة أو أخبار القبض على المتهمين. فثمة كسرٌ في الروح لا تجبره القوانين. حتى حين أخبرته أمه بدموعها أنهم خلف القضبان، لم يرمش له جفن. ظل يحدق في المدى، يدرك يقيناً أنهم لم يسجنوه في ذلك الثوب لدقائق، بل حبسوا روحه فيه للأبد. لقد نجا الجسد، لكن "الإنسان" الذي كانَهُ قد ذُبح في تلك الليلة، ولن يبعثه من جديد حتى مائة حكمٍ بالقصاص؛ فالعار لم يكن ثوباً لُبس، بل كان خنجراً غُرس في قلبِ براءةٍ لم تكن تتخيل أن "الحب" قد يكون ثمنه السحل.