صَمَتُّ عندما بدا أن الكلام سيجلب مزيدًا من السخرية حينها، حيث لم يكن يجدي الإصرار على ما أقوله أو حتى القَسَم كي يقتنع من أتحدث إليه بكلامي، فالموقف ذاته هزلي، وقد أكتب مسرحية مستوحاة منه، وسأنتقم فيها من ذاك الطبيب الذي كذّبني وقت الموقف الذي سأحكيه في السطور القادمة، ربما سأجعله –في المسرحية- طبيبًا فاشلًا وقد يدفعني الغيظ إلى أن أجعله يقتلني حتى يقتص القراء والجمهور منه لي.
كنت أُجري عملية الزائدة الدودية بعد التهاب مفاجئ استدعى تدخلًا جراحيًا على وجه السرعة، ولأنه تم حملي من المنزل إلى السيارة ومنها لعيادة الطبيب الخاصة، فلم يكن هناك فرصة لتبديل ملابسي أو تحسين هندامي، وصلت هناك بجلباب بسيط لا يليق بالخروج وفي رجليّ شبشب بلاستيكي متواضع، وعلى رأسي يتكتل شعر غير مرتب بالمرّة ومن وجهي تبرز لحية فوضوية مهملة، وشكلي العام على أحسن تقدير يجعلني بمرتبة بائع جائل مطحون أو عامل لا يملك قوت يومه.
عاين الطبيب الجراح حالتي وقرر إجراء الجراحة فورًا بمجرد وصول طبيب التخدير، وانتظرت لوقت قصير حتى جاء المُنتظَر، وبعدها بدقائق جاءت الممرضة تطلب مني مرافقتها لغرفة العمليات، بعد أن أخلع شبشبي قبل الوصول للغرفة المعقمة، لم تطلب مني أن أرتدي الرداء الأزرق وغطاء الرأس، ربما لو توفّرا وارتديتهما لكان رآني الطبيب بشكل أفضل، أو احتجب عنه مظهري المتواضع.
مرت اللحظات المرعبة التي سبقت تخديري نصفيًا، بعد أن طعنني الطبيب في ظهري بدفقة من السائل السحري وطار بعدها نصف جسدي السفلي إلى حيث لا أدري، كأن جسدي أصبح مثقوبًا وقد تسرب بعض منه وبقي القليل، رأسي وجزء من صدري فقط وذراعي كانوا ملكي تلك اللحظة، والجراح يعبث ببطني وأنا لا أشعر بأكثر من لمسات تتراوح من خربشات سطحية إلى دغدغات مزعجة، وطبيب التخدير يقف على رأسي بعد أن أوشك دوره على الانتهاء تقريبًا واكتفى بالمراقبة تحسبًا لأي جديد يستدعي تدخله، خاطبني ليتأكد من حضوري ومدى وعيي، فأجبته بشكل مثالي، ورجوت أن يطول الحديث بيننا حتى ينتهي حديث الجراح مع بطني المفتوحة.
وعندما سألني عن إن كنت متعلمًا أم لا، رددت وأعلمته أنني من دراسي اللغة الإنجليزية وتهكمت بأنني معلم للغة الإنجليزية، لكن مع وقف التنفيذ حتى أجد فرصة للعمل، ربما أغراه جوابي بأنني متعلم وخريج جامعي فأستطرد وسألني عمّا أفعل في حياتي بعيدًا عن العمل أو التخصص، ترددت لحظة ولم أتحمس لأخبره بكوني كاتب، فلربما يسخر مثل كثيرين ويبدأ في التساؤلات السخيفة؛ وماذا تكتب؟ وهل تتحصل على أموال من الكتابة؟ ولماذا لا تبيع كتبك بنفسك؟ وأسئلة أخرى أراها أذى ولو كانت أسئلة بريئة، لكنني توسمت فيه الخير وكان ردي بأني كاتب.
ومثل المتوقع سألني ماذا تكتب؟ وأين تكتب؟ وأنا أجيب على كل سؤال بوضوح وحرص حتى أشفي فضول الرجل، وقد شملت ردودي على إضاءات سريعة مما أصدرت من كتب، ومما حصدت من جوائز وما شاركت فيه من أسفار لمؤتمرات وملتقيات، بدا لي طبيب التخدير وهو مندهش لا لإعجابه بي، لكن بالمخدر الرائع الذي ذهب بمخيلة مريضه البسيط إلى تلك المنطقة البعيدة ودفعها إلى أقصى حدود التخيل وحياكة كل تلك التفاصيل الوهمية تحت تأثير البنج، وعَددت ذلك صفعة قاسية وجهها إليّ ذلك الساذج دون أن تمتد يده، فاستيقظ على أثرها نصفي المُخدّر.
عاد لتهكمه الذي فطنت إليه وهو يستطرد: آه، وإيه كمان، جميل، وبعدين، بينما يتبادل نظرات غير بريئة مع الطبيب الجراح وهو يوشك أن يخيط الجرح وينهي عمله، ففهمت الأمر والتزمت الصمت، وانتهت الجراحة بعدها بدقائق، ولم أر طبيب التخدير بعدها، وبعد يومين لمّا ذهبت لإزالة خرطوم الصديد المعلق قرب مكان الجراحة، سألته: هل طبيب التخدير كان يظن أنني أهلوس لما قلت كذا وكذا وكذا؟ فصمت لأعرف أنه كان كذلك فعلًا، فلاحقته: لكنني لم أكن أهذي، أنا كما قلت ووصفت فعلًا، وبعدها بأيام قليلة رجعت لإزالة خيوط الجراحة بعد التئام الجرح، وأهديت الطبيب الجراح أحد كتبي، وكان بودّي أن أهدي طبيب التخدير صفعة.