
ظفرت منذ فترة بكتاب قيم من تأليف الكاتب الصحفي والمؤرخ الموسيقي محمد قابيل، يحمل عنواناً جذاباً "الأغاني الحلوة والأغاني المرة: أساليب التلحين العربي"، وقد استهل المؤلف كتابه الذي فوق راحة اليد، بالتأكيد على حقيقة هامة، مؤداها أن "الأغاني أكثر الأشكال الفنية قدرة على التأثير في أفكار الناس، وعلى صياغة وجدانهم، وأكثرها التصاقاً بهم، فلا يوجد إنسان على ظهر الأرض لم يغن، ولم يدندن بأغنية أو موال ليذهب عن نفسه الوحشة، ويتغلب على هموم الدنيا، أو ليعبر عن سعادته وابتهاجه".
ونضيف في هذا المقام قولنا: "تعتبر الأغنية من أهم الأدوات التي تعبر عن قيم المجتمع ومبادئه وأخلاقه، كما تعبر الأغنية عن قيم الإنسان وحياته منذ ميلاده وحتى وفاته"، كما كانت المجتمعات تعتبرها أداة مهمة لنقل ثقافاتها وخبراتها من جيل إلى جيل، وقد ساهمت وسائل الثقافة الجماهيرية والإعلام المسموع والمرئي في انتشار الأغنية، وتعريف القارئ بالأساليب الموسيقية المتعددة، ويقصد بالأسلوب الملامح التي تفرق بين لحن وآخر، وتحدد هويته، وفي ضوء ذلك يمكننا تعريف القراء الكرام بأنواع أساليب التلحين العربي الكلاسيكي، الرومانسي، التأثيري، الزخرفي عامة، والتعبيري بإيجاز على النحو التالي:
◂ الأسلوب الكلاسيكي: يعتبر أشهر الأساليب الموسيقية والغنائية، ويتميز بإتاحة مساحة كبيرة أمام المطرب للتعبير عن قدراته ومهاراته الفنية لانكماش دور البطانة المصاحبة له سواء في غناء الموشح أو الدور أو الموال، ومن المواصفات الفنية التي تميز المطرب في هذا الأسلوب "تمام الصحة والقدرة على أداء الزخارف الغنائية والكفاءة الفنية المتميزة لإبراز جماليات الغناء الشرقي، ويعتبر محمد عثمان أبرز من أدّى هذا الأسلوب.
◂ يقصد بالأسلوب الرومانسي: التمرد والثورة على الفنون الموسيقية والغنائية الكلاسيكية وقيودها، لاعتماده على الخيال بسبب اهتمام صاحبه بالأدب والفلسفة، وعلم النفس والتاريخ؛ ليخلق من نفسه رائداً ومفكراً للكون بأسره، وبرز في أداء وتنفيذ هذا الأسلوب المتميزين في ميدان الموسيقى والغناء المصري، وأشهرهم الشيخ زكريا أحمد، ومحمد القصبجي، وأحمد صبري التجريدي، ورياض السنباطي، ومحمد عبد الوهاب، وبليغ حمدي، وسيد مكاوي، وفريد الأطرش وغيرهم.
◂ الأسلوب الزخرفي: يعتمد الأسلوب الزخرفي في الموسيقى والغناء على الإبهار البصري والسمعي؛ لأن اللحن الزخرفي يهتم بالشكل أكثر من اهتمامه بالمضمون والمنطق، ومن ثم يهتم بإبهار العيون أكثر من إبهار الآذان. وقد عرفته الأساليب الكلاسيكية، ورشّدته الأساليب الرومانسية لكونه منزوع الغناء؛ لأن الهدف منه إزالة الوحشة والهموم والتعبير عن آمال الشعوب في بلاد العرب وأحلامها أو التعبير إعلامياً عن حالات الفرح والحزن الحقيقية أو الزائفة التي تعيشها شعوب هذه البلاد، على حد قول الناقد الموسيقي والصحفي المتميز محمد قابيل في كتابه عظيم القيمة "الأغاني الحلوة والأغاني المرة".
الأسلوب التعبيري في المسرح المصري
بدأت الحركة المسرحية في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأنشأ الخديوي إسماعيل دار الأوبرا، ثم افتتحها عام 1869م بعد أن أنشأ الفرنسيون 1868 الكوميدى فرانسيز، وهو مسرح فرنسي هزلي، مما شجع الفرق الفنية على زيارة مصر، وتقديم عروضها على مسرح الأوبرا، وساعد على ذلك قدرة المصريين على استيعاب الفنون على اختلاف أشكالها.
ونتيجة لانتشار الفنون في مصر أنشأ يعقوب صنوع المسرح الغنائي في مصر لتقديم المسرحيات الغنائية "الموسيقية". وقد استقطب المسرح الغنائي أقطاب الموسيقى المصريين، وكان الشيخ سيد درويش من أبرزهم، وقد لحن شيخنا خالد الذكر أكثر من 28 مسرحية أشهرها "العشرة الطيبة، شهرزاد، الباروكة، فيروز شاه، كلها يومين، هدى، عبد الرحمن الناصر، الدرة اليتيمة، ولسه، راحت عليك، البربري في الجيش، أم 44، مرحبا، الانتخابات"، بالإضافة إلى مشاركة كامل الخلعي في تلحين "بنت الحاوي"، بينما اختص كامل الخلعي بتلحين العديد من المسرحيات من أشهرها "كارمن، تاييس، توسكا، فضلاً عن تلحينه 41 مسرحية أخرى، بينما لحن إبراهيم فوزي مسرحيات "إديني عقلك، ناظر المحطة، إمبراطورية زفتي، زبائن جهنم، الكونت زقزوق، عقبال عندكم، القضية، علمي علمك".
ومما هو جدير بالذكر اشتراكه مع سيد درويش وكامل الخلعي في تلحين أغنيات مسرحيات مرحبا والانتخابات، أما أحمد صبري التجريدي، فقد لحن مسرحية "قنصل الوز" بالاشتراك مع إبراهيم فوزي، كما لحن مسرحية "نجمة الصبح" بالاشتراك مع محمد القصبجي.
- لحن داود حسني مسرحيات "صباح، معروف الإسكافي، الشاطر حسن، الغندورة، قمر الزمان، شمشون ودليلة، ليلة من ليالي كليوباترا "، ويبلغ إجمالي ما لحنه داود حسني من المسرحيات 25 مسرحية، ولحن الشيخ زكريا أحمد عشرات المسرحيات منها "دولة الحظ، الغول، ناظر الزراعة، الطنبورة، حكيم الزمان، ابن الراجا، أنوار، أبو زعيزع، الكرنفال، آخر موضة، علي بابا، الوارث، الأستاذ، يوم القيامة، عزيزة ويونس".
بينما لحن محمد القصبجي لفرقة منيرة المهدية مسرحيات "المظلومة بالإشتراك مع محمد عبد الوهاب، حرم المفتش، كيد النساء، حياة النفوس"، كما لحن لفرقة نجيب الريحاني مسرحية "نجمة الصبح" بالاشتراك مع إبراهيم فوزي، ولحن رياض السنباطي لفرقة منيرة المهدية مسرحيتي "عروس الشرق، آدم وحواء". واشترك مع كامل الخلعي وداود حسني في تلحين سميراميس. ولحن محمد الموجي مسرحيات "طبيخ الملائكة، وداد الغازية، حمدان وبهانة، هدية العمر، ملك الغجر، ملك الشحاتين، دنيا البيانولا، على فين يا دوسه، الخديوي".
بينما لحن سيد مكاوي مسرحيات "الصدفة، دائرة الطباشير القوقازية، الإنسان الطيب، السحب، هالو دوللي، مدرسة المشاغبين، الحرافيش، القاهرة في ألف عام". كما لحن لمسرح العرائس لحن "الليلة الكبيرة، حمار شهاب الدين، الفيل النونو الغلباوي، حكاية سقا، طعون الشيطان، السماء الثامنة، الكتكوت الأخضر"، كما لحن أحمد صدقي أوبريتات "ليلة من ألف ليلة، البيرق النبوي، زبائن جهنم، يا ليل يا عين، واستعراض الناي السحري". أما بليغ حمدي فقد لحن مسرحيات" مهر العروسة، تمرحنة، يس ولدي، ست الكل، ريا وسكينة، الفشاط، المتشردة"، كما لحن لمسرح العرائس "عروسة المولد".
أما الأخوان رحباني فقد قدما مسرحاً غنائياً ناجحاً حققا فيه تصوير وتعبير وتوظيف المجموعات الصوتية والتمثيلية إلى أبعد الحدود، وهي مسرحيات غنائية لم تهتم بالموسيقى فقط؛ إنما أيضاً بالحالة المسرحية أي بالدراما، فاحتوت على عناصر العمل الدرامي والكامل، مثل العقدة الدرامية والمعالجة المسرحية أي بالدراما، فالنص المسرحي عزز النص الموسيقي وعادله من حيث القيمة، ولم تطغ الموسيقى على الكلمة فقد راعا اللحظة المسرحية ولم يعطلاها، وراعى الأخوان رحباني من مسرحهما الغنائي عدم التركيز على الأصوات الفردية على رغم وجود نجمة كبيرة للغناء وصاحبة شهرة عريضة في العالم العربي وهي فيروز، فلم يركزا عل صوتها. وقد توفرت لألحانهما القيمة الشعرية، وبساطة اللحن والتوزيع الموسيقي الملائم، ومن أشهر الأغنيات التعبيرية المعروفة نذكر "بقى عايز تنساني" التي غناها فريد الأطرش، ساكن قصادي التي غنتها الفنانة القديرة نجاة، "حاجة غريبة" التي غنتها شادية، الشيطان التي لحنها وغناها سيد درويش في إحدى مسرحياته الغنائية.
وما يهمنا في هذا المقام تعريف القراء الأعزاء بمفهوم الأسلوب التعبيري، فنقول:
إن المقصود منه؛ هو التعبير والإفصاح بلغة الأشكال والألوان والظلال، والأصوات والأحجام عن فكرة أو قيمة فنية يريد نقلها إلى الجمهور، ويعتبر الغناء أخصب مجال ينقل من خلاله مشاعره وأحاسيسه إلى الآخرين، ويحتاج الأسلوب التعبيري في مجال الغناء إلى شاعر قادر على صياغة الحدث أو الحدوتة، أو الحكاية أو القصة أو الإحساس في قالب درامي أحداثه إيجابية الحركة، لتضع الدراما الغنائية أو الغناء الدرامي. وقد كتب بديع خيري وبيرم التونسي معظم أعمال الشيخ سيد درويش التعبيرية، ومن أشهرها: "سالمة يا سلامة".
أما محمد عبد الوهاب فقد استفاد من كتابات الشاعر الغنائي حسين السيد، كما استفاد الشيخ إمام عيسى من أشعار أحمد فؤاد نجم وفؤاد قاعود في تلحين الكثير من الأغنيات الواقعية، التي تعالج مشكلات وقضايا المجتمع المصري من المنظور اليساري، ومن أشهر أغنياته "الفول واللحمة". ويجب أن يتمتع صاحب الألحان التعبيرية والواقعية بقدرة كبيرة على فهم لغة الناس الذين يلحن من أجلهم، ويدرك أنواع الجمل التي تتركب منها هذه اللغة، فالجملة الاستفهامية غير التقريرية والسخرية والتهكم، والتي تكسب الألحان التعبير الصادق الشعبي، والتعبير عن المعاني في اللغة هي هدف الملحن في الأسلوب التعبيري، أما جماليات الغناء فلا يجب أن يعلو صوتها على صوت المعاني المراد توصيلها، ويكفي منها القدر الذي يضمن للتأليف الفني أن يكون ضمن ألوان الغناء، وليس مجرد خطابه أو إلقاء تمثيلي.
وأخيراً؛ فإن الملحن الذي يقدم أغنيات الأمر الواقع، ويلتزم بأسلوب التعبير هو فنان صاحب رؤية نقدية للواقع الذي يعيشه، أما الأغاني التعبيرية فمعظمها يعتبر لوناً من المفاوضات الغنائية، يقل أو يكثر فيها المتحاورون حول موضوع محدد عاطفي أو اجتماعي أو وطني، تبقى فيه البطولة لفن الحوار، أو خذ وهات أو قال لي وقلت له، ينتهي الأمر فيها حسب قدرات المتفاوضين التي يحددها المؤلف. وصفوة القول: "يعتبر سيد درويش خير ممثل للأسلوب التعبيري في الموسيقى المصرية؛ لأنه استطاع تقديم المشكلات التي يعاني منها المجتمع المصري بصدق وعفوية وإخلاص وجرأة".