تَشابُه أسماء!

حسن رجب الفخراني

بكاءُ الصّغارِ بمثابة خنجرٍ حادٍّ يمزقُ نياطَ فؤادهما، وكلامهما لا يملك من أمره شيئاً، وطاحونة الحاجة تفتك بهما أكثر إلا أنهما لا يشعران إلا بآلام الصّغار، فمنذ أيام كثيرة لم يعمل الأب وهذا ليس تقصيراً منه؛ إنما وكأن نهرَ العمل قد جف عطاؤه على مَن يحتاجه.

نظرتْ الأم نحو صغيريها وهي تُغالبُ بعض الدُّموع الجافة التي فرت من أحداقها، وهي تقول في سريرتها:
- لنا الله.

أما الأب فقد أمسك بأدواته التي يعمل بها وحملها على ظهره مثلما يفعل كل يوم، وخرج من البيت وهو يقول في حزن جلي:
- السلام عليكم.

- ردت الزوجة وهي تكافح قهرها:
- وعليكم السلام.

ما هي إلا لحظات وكان الزوج مثل كثيرٍ ممن على شاكلته، يجالس الرصيف في انتظار من يطلبه إلى العمل، والوقت يمر عليهم في بطء قاتل، قد يقطعه أحياناً بعض العابرين الذين يجودون عليهم ببعض الشطائر وتظل البطون تئن من الفاقة.

على مقربة منه توقفت سيارة ومن شرفتها الضيقة طالعه وجهاً أحمرَ، وكأنه قُدّ من لهب وهو يشير إليه بطرف سبابته، فأسرع هذا الأخير حتى صار قبالته، وهو يقول في ذل وانكسار:
- تحت أمركم يا سعادة البك.

رمقه قائد السيارة الفارهة في اللامبالاة، وهو يمسك بنظارته الساكنة السواد، وبصوت غليظ ونبرات هادئة، خاطبه قائلاً:
- أريدك في عمل.

- ثم وصف له المكان قبل أن يغادره، ويلقي برقبته خارج نافذة السيارة، وهو يقول:
- هلم خلفي مباشرة، ولا تتأخر، وأحضر معك بعض العمال.

ثم انطلق مسرعاً.

أسرع عائداً نحو الرصيف، وهو يكاد يحلق من البهجة التي توطنت أعماقه فها هو أخيراً قد حصل على عمل يمكنه من سد جوع صغاره، دنَا من عاملين يعرفهما ويعرف أنهما يعانيان مثله تماماً، وطلب منهما مرافقته.

اتّجهوا صوب العنوان الذي وصفه قائد السيارة له، وكل منهم يحمل على عاتقه هموماً تنوءُ منها الجبال.

لم يكن العنوان بعيداً؛ لذا فقد قرروا أن يقطعوا الطريق سيراً على الأقدام، فجميعهم خالي الوفاض ولا يملكوا أجرة المواصلات.

ملامحهم الجامدة ووجوههم الغارقة في يم الأحزان كفيلة أن تشيع على المَلَأُ مقدار ما يعانوه من بؤس وحياة قوامهم الذل والمهانة، إلا أن الصبر القابع خفية في ثنايا الأفئدة الهرمة كان هو الضوء الذي يحاول قد طاقته أن يمحو ظلمة القهر اليومي.

كل منهم يمني نفسه بما سوف يبتاعه لأهليته ويتصور الفرحة التي ستسكن القلوب الملتاعة فيدفعهم هذا إلى الحث في الخطي المتلاحقة، وبينما هم في نشوتهم إذْ من العدم برز أمامهم شخص طويل القامة ممتلئ الجسد بشوارب كثة، وقد اعترضهم في خشونة، وهو يقول بلهجة مُرة:
- الهُوية.

أسرع كل منهم وقد أصابه الرعب بدس يده في جلبابه البالي لكي يخرج هويته ويناولها إياه، أما هو فتحرك على عجالة صوب الضابط الجالس في استرخاء بداخل سيارة الشرطة، وبملل وضع هوياتهم أمامه، مدّ الضابط يده في رتابة وهو يضع كل هُوية في الجهاز القابع أمامه، ولكنه فجأة حملق في الهوية الأخيرة، وهو يتابع ما سطر على صفحة الجهاز، والتفت في حركة حادة صوب تابعه صارخاً فيه:
- أحضر لي هذا على وجه السرعة.

انطلق كالمحموم صوبهم وألقى بهوية الأول والثاني أسفل قدميهما وهو يدفعهما في اللامبالاة، وبيده الأخرى جذب الأخير في عنف خلفه، وبكل قوته ألقى به أسفل أقدام الضابط الذي ترجل من السيارة، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ظَفر وهو يقول في شماتة:
- أخيراً أيها الآبق نلنا منك.

نظر إلى محدثه في بلاهة وهو لا يعي شيئاً وبخلده دارت رحى الأسئلة الحائرة، والضابط يضع الأصفاد الحديدية حول معصميه، وهو يقول:
- هل كنت تظن أننا لا نستطيع الإمساك بك، لكن للحقيقة هذا التنكر أكثر من رائع.

ارتجف جسده وجفت شفاهه، وهو يقول في هلع:
- لم أفعل أي جريرة سيدي البك، لدي صغار يتضوّرون جوعاً.

إلا أن هذا الأخير لم يكترث لتوسلاته وهو يلقي به بداخل سيارة الشرطة، ثم ينطلق بها مسرعاً بهذا الصيد السمين –كما يظن–

مضى ليلته في غرفة مظلمة لا يسمع فيها إلا أنّات الألم كالتي يطلقها وهو يتلقى الركلات، وصعقات الكهرباء حتى انبلج الضياء ليجد نفسه مقيداً مع غيره، ويساقون قهراً إلى حيث النيابة العامة، وأمام شخص يرتدي ملابس فارهة، ويجلس على مقعد جلدي متحرك، وأحدهم يدفعه عنوة، وهو يقول في رهبة:
- صاحب المعالي ها هو المجرم.

تحرك وكيل النيابة بمقعده ليكون في مواجهته وهو يمسك بورقة يُطالع ما فيها، ثم يلقي بها جثة هامدة وهو يضحك ملْء شدقيْه، ويمدُّ يده إلى سطح مكتبه، ويتناول هُوية الرجل، ويدفع بها إليه مردداً في اللامبالاة:
- حظك حسن يا هذا، فقد تم القبض على المجرم الحقيقي، مجرد تشابه أسماء كان كفيل بأن يلقي بك في غياهب السجون، اذهب الآن.

انطلق الرجل وهو لا يصدق أنه قد نجى من بين رحى كادت أن تفتك به بلا جريرة.

على باب منزله صك آذانه صراخ مكتوم لزوجته وصغيرها، يوشك أن يقضي نحبه جوعاً.

وأمامه مرّتْ سيارة الشرطة مسرعة، وبداخلها الضابط يلتهم في شراهة شطيرة مكتظة، دون أن يكترث باسمها أو بأي تشابه لأسماء.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها