الشعر التعليمي، أحد الأغراض الشعرية التي تهدف إلى تقديم المعرفة ونقلها بأسلوب سهل وممتع، وقد لعب هذا النوع من الشعر دوراً هاماً في تاريخ الأدب العربي، حيث استخدمه الشعراء لتعليم مختلف العلوم والمعارف، من النحو والطب إلى الفقه والقراءات، والفلك والعروض، والأخلاق.
وتكمن أهمية هذا الشعر في تسهيل حفظ المعارف، ونقلها، وتبسيط العلوم المعقدة، وجعلها في متناول الجميع. هذا الشعر التعليمي يكشف لنا جوانب مهمة في العلاقة بين الأدب والمعرفة، ويؤكد الدور الأساسي للشعر في التعليم، كما يبرهن على قدرة اللغة الشاعرة على حفظ العلوم وتبسيطها وتقديمها للجمهور.
عُرف الشعر التعليمي منذ القدم في مختلِف الحضارات مثل اليونانية والهندية، وله جذور عميقة في التاريخ، وفي الأدب العربي، ازدهر هذا النوع من الشعر في العصر العباسي، بعد أن اتسعت العلوم والمعارف، وأصبح من الضروري تدوينها وتسهيل حفظها. حيث استخدم الشعراء الشعر التعليمي في تدوين العلوم الشرعية واللغوية والعلمية.
أراجيز تعليمية:
سميت القصائد التعليمية بالأراجيز نسبة إلى بحر الرجز وتفعيلته الأساسية هي: مستفعلن مستفعلن مستفعلن، وهو بحر شعري يتميز بإيقاعه السريع والمنتظم، فيسهل حفظه وفهمه، وهو ما جعله مناسباً للأغراض التعليمية، وفي التراث الشعري اشتهرت مجموعة من الأراجيز منها:
1. ألفية ابن مالك في النحو والصرف
ألفية ابن مالك منظومة شعرية في علم النحو والصرف، ألفها الإمام جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني الأندلسي، وتعتبر من أشهر المنظومات التعليمية في اللغة العربية، وقد حظيت بشهرة واسعة بين العلماء والطلاب على مر العصور.
تتكون الألفية من 1002 بيت شعري، وتغطي معظم أبواب النحو والصرف، وتتميز بأسلوبها السهل والمختصر، مما جعلها سهلة الحفظ والتذكر.
يقول ابن مالك في ألفيته في الْكَلاَم وَمَا يَتَألَّفُ مِنْهُ:
"كَلاَمُـنَا لَفْـظٌ مُفِيدٌ كَاسْتَقِمْ
وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ وَالْقَوْلُ عَمْ
وَكَلْمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤمْ"
وعن قواعد التمييز يقول:
"اسم بمعنى مِنْ مُبِينٌ نَكرَه
يُنْصَبُ تمييزاً بِمَا قَدْ فَسَرَه
كَشبر ارْضًا وَقَفيزٍ بُرَّا
وَمَنَوَيْنِ عَسَلاً وَتَمْرًا
وَبَعْدَ ذِي وَشِبْههَا اجْرُرُهُ إِذَا
أَضفتها كمدّ حنطةٍ غذا
وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا
إِنَّ كَانَ مِثْلَ "مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا"
وَالْفَاعِلِ الْمَعْنَى انْصِبنْ بِأَفْعَلَا
مُفضِّلاً كَأَنتَ أَعلى منزلا" (2)
وحول الحال وهو ما عليه الإنسان من أمور مُتَغَيِّرة حِسِّية أو معنويَّة يقول ابن مالك:
"الْحَالُ وَصفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ
مُفْهِمُ فِي حَالٍ كَفَرْدًا أَذْهَبُ
وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلاً مُشْتَقًا
يَغْلِبُ لكِنْ لَيْسَ مُستحِقا
وَيَكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ وَفِي
مُبْدِي تَأَوُّلٍ بِلا تَكَلُّفِ
كَبِعْهُ مُدًا بِكَذا يدا بيدْ
وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَداً أَيْ كأَسَدْ
وَالْحَالُ إِنْ حُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ
تَنْكِيرَهُ مَعْنَى كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ
ومَصْدَرٌ مُنْكَرٌ حَالاً يَقَعُ
بِكَثرَةٍ كَبَغتَةً زَيْدُ طَلَعْ"(3)
ويشرح الشاعر قاعدة الإضافة، وهيَ نسبةٌ بين لفظتين، تُنسبُ الأولى إلى الثانيةِ بغيةَ تعريفِها أو تخصيصِها. ويقول:
"نونًا على الإعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا
مما تُضِيفُ احْذَفَ كَطُورِ سِينَا
وَالثَّانِيَ اجِرُر وَانوِ مِنْ أَوْ فِي إِذَا
لَمْ يَصْلُحِ إلا ذَاكَ وَاللامَ خُذا
لَمَا سِوَى ذَيْنِكَ وَأَخْصص أَوَّلَا
أَوْ أَعْطِهِ التَّعْرِيفَ بِالَّذِي تَلَا
وَإِنْ يُشَابِهِ الْمُضَافُ يَفْعَلُ
وَصَفاً فَعَنْ تَنكِيرِهِ لا يُعْزَلُ
كربّ رَاجِينَا عَظيم الأملِ
مُرُوعِ الْقَلْبِ قَلِيلِ الْحِيل"(4)
2. الشاطبية في علم القراءات
الشاطبية منظومة شعرية تتناول القراءات السبع المتواترة للقرآن الكريم، ألفها الإمام أبو القاسم بن فيرة بن خلف الشاطبي الرعيني الأندلسي، وتعتبر من أشهر المنظومات التعليمية في هذا العلم.
تتميز الشاطبية بأسلوبها البليغ والمؤثر، مما جعلها محببة إلى قلوب القراء والعلماء. بلغ عدد أبياتها 1173 بيتاً، نظم فيها الشاطبي القراءات السبع المتواترة عن الأئمة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي.
يقول الشاطبي في "باب البسملة" مبيناً أحكام التجويد والقراءات:
"وَبَسْمَلَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ بِسُنَّةٍ
رِجَالٌ نَـمَوْهاَ دِرْيَةً وَتَحَمُّلاَ
وَوَصْلُكَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فَصَاحَةٌ
وَصِـلْ وَاسْــكُــتَـــنْ كُـــلٌّ جَــلاَ يَاهُ حَصَّلاَ
وَلاَ نَصَّ كَلاَّ حُبَّ وجْهٌ ذَكَرْتُهُ
وَفِـيـهَـا خِـلاَفٌ جِـيـدُهُ وَاضِــحُ الـطُّـلَـى
وسَكْتُهُمُ الْـمُـخْـتَـارُ دُونَ تَـنَـفُّـسٍ
وَبَعْضُهُمُ فِي الأَربَعِ الزُّهْرِ بَسْمَلاَ
لَهُمْ دُونَ نَصٍّ وَهْوَ فِيهِنَّ سَاكِتٌ
لِـحَمْزَةَ فَافْـــهَـمْـهُ وَلَــــيْــسَ مُـــخَــذَّلاَ
وَمَهْمَا تَصِلْهَا أَوْ بَدَأْتَ بَرَاءَةً
لِتَنْزِيــلِـــهَا بالسَّــيْــفِ لَــسْـتَ مُبَسْمِلاَ
وَلاَ بُدَّ مِنْهاَ فِي ابْتِدَائِكَ سُورَةً
سِـــــوَاهاَ وَفـــي الأَجْـــزَاءِ خَيَّــرَ مَنْ تَلاَ
وَمَهْمَا تَصِلْهَا مَعْ أَوَاخِرِ سُورَةٍ
فَلاَ تَقِفَنَّ الدَّهْرَ فِيهاَ فَتَثْقُلاَ"(5)
ويقول الشاطبي في باب الهمز المفرد محولًا المعلومة القرائية إلى شعر جميل:
"إِذَا سَكَنَتْ فَاءً مِنَ الْفِعْلِ هَمَزَةٌ
فَوَرْشٌ يُرِيهَا حَرْفَ مَدٍ مُبَدِّلَا
سوى جُمْلَةِ الْإِيمَاءِ وَالْوَاوُ عَنْهُ إِنْ
لَفَتَحَ إِثْرَ الضَّمِ نَحْوُ مُؤَجَلَا
وَيُبْدَلُ لِلسُّوسِي كُلُّ مُسْكَنِ
مِنَ الْهمزِ مَدًا غَيْرَ مَجْزُومِ أَهْمِلا
تَسُوء وَنَشَأْ سِتٌ وَعَشْرَ يشأ وَمَعْ
يُهَيِّئْ وَنَنْسَأهَا يُنَبَّأْ تَكَمَلَا
وَهَيِّئْ وَأَنْبِئهُمْ وَنَبِّيء بَأَرْبَعٍ
وَأَرْجِئْ مَعاً وَاقْرَأْ ثَلَاثًا فَحَصَلَا"(6)
ويقول الشاطبي في باب أحكام النونِ السَّاكِنَةِ وَالتنوين، معبراً عن قدرة كبيرة على تقديم المعلومة في إطار شعري محكم من حيث الوزن والقوافي:
"وَكُلُّهُمُ التَّنْوينَ وَالنُّونَ أَدْغمُوا
بِلَاغُنَةٍ فِي اللَّامِ وَالرّا لِيَجْمُلا
وَكُلُّ بِبَيْنَمُو أَدْغَمُوا مَعَ غنَةٍ
وَفِي الْوَاوِ وَالْيَا دُونَهَا خَلَف تلَا
وَعِنْدَهُمَا للِكُلِّ أَظْهِرْ بِكلْمَةٍ
مَخَافَةَ أشْبَاهِ الْمُضَاعَفِ أَثْقَلَا
وَعِنْدَ حُرُوفِ الْخَلْقِ لِلْكُلِّ أُظْهرَا
أَلَا هَاجَ حُكُمْ عمَّ خَالِيهِ غُفَلَا
وَقَلْبُهُمَا مِيما لَدَى الْبَا وَأُخْفِيَا
عَلَى غُنَّةٍ عِنْدَ الْبَوَاقِي لِيَكْمُلا"(7)

3. أرجوزة ابن سينا في الطب
أرجوزة ابن سينا منظومة شعرية ألفها الشيخ الرئيس ابن سينا، أحد أشهر الأطباء والفلاسفة في التاريخ الإسلامي.
تتكون الأرجوزة من أكثر من ألف بيت شعري من بحر الرجز، وتتناول مواضيع طبية نظرية وعملية، وتصف الأمراض وعلاجاتها، وقد ترجمت إلى اللغة اللاتينية في القرن الثالث عشر الميلادي، وكان لها تأثير كبير على الطب في أوروبا.
يقول ابن سينا في ذِكْرُ الأَلْوَانِ، كلون البشرة والعين والشَّعَرِ، والتأثيرات التي تؤدي لذلك، يقول في لون الشعر:
"لِأَبْيَض الشَّعْرِ مِرَاجٌ أَبْرَدُ
وَشَعَر السَّخْنِ المَزاجِ أَسْوَدُ
وناقصُ البَرْدِ بِشَعْرِ أَشْقَرَا
وناقص الخَيْرِ بِشَعْرِ أَحْمَـرا
مُعْتَدِلُ المِرَاح لَوْنُ شَعَرِه
أَشْقَرُهُ مُشَرَّبٌ بِأَحْمَرِه"(8)
ويقول في ذكرُ أَلْوَانِ العَيْنِ، مقدماً المعلومة الطبية المجردة في صور شعرية بديعة:
"إذا الجليدية والبيضة
أَجْسامُها صَغِيرَةً مُضِة
مكانها نات وفيه نور
وصافي القوامِ مُشرِق منير
وَإِنْ مَرَجْتَ سَبَبَ الكُحُولَه
بِسَبَب الزّرْقَةِ فَالشُّهُو لَـه
وَإِنْ تَقِلُّ الرُّوحُ كَانَ الأَشْهَلُ
أَوْ كَثُرَتْ فِي المَيْنِ كَانَ الأَسْمَلُ"(9)
وقال ابن سينا في ذِكْرُ أَمْزِجَةِ الْأَسْنَانِ متقمصاً شخصية الشاعر الطبيب:
"وَالْحَيُّ يَخْتَلِفُ فِي الأَسْنانِ
كلامنا مِنْهُ على الإنسان
حرارة الشبانِ والأطفال
مِزَاجُها مُقْتَرِبُ الأَخوال
لَكِنَّمَا الشَّبَانُ لِلْيبُوسه
والطَّفْلُ ذُو رُطُوبَةٍ مَحْسُوسة
والكَهْلُ باردُ مَتَى تَزِنه
والشيخ مِثْلُهُ وَشَرَّ مِنْهُ
كلاهما اليُبْسُ اعْتَرَى مِزاجه
والشيخ في أَخْلاطِه فجاجـة"(10)
4. أرجوزة ابن الصوفي في الكواكب
أرجوزة "الكواكب الثابتة" أرجوزة مكونة من 494 بيتاً من الشعر، كتبها ابن الصوفي (أبو علي) (نجل الفلكي الشهير عبد الرحمن الصوفي) يوثق فيها مواقع النجوم والكواكب الثابتة، ويقدم معلومات تفصيلية عنها، مثل أسمائها وأحجامها وألوانها(11).
والأرجوزة مطبوعة ضمن كتاب "صور الكواكب الثمانية والأربعين" لأبي عبد الرحمن بن عمر الصوفي في القرن الرابع الهجري، والذي يعتبر من أهم المصادر الفلكية في التاريخ الإسلامي.
يحدّد ابن الصوفي في البداية موضوع أرجوزته، ويثني على السائل، مما يجهز القارئ أو المستمع لما سيأتي من وصف فلكي تفصيلي، ويقول:
"ياسائلي عن فلك الكواكبِ
والأنجم اللوامعِ السواربِ
سألت عنه غير ذي جهلٍ به
مضيف آدابٍ إلى منصبهِ
فهاك نعت الفلكِ العظيمِ
وكل ما يحوي من النجومِ"(12)
ويصف الشاعر المجموعة النجمية القطبية (كوكبة الدب)، وهي الكوكبة الأقرب إلى القطب السماوي الشمالي، أو الكواكب التي تستخدم لتحديد نجم القطب، ويشار إلى هذه المجموعة أحيانا بـ"كواكب القطب"، وهي إما كوكبة الدب الأكبر أو الدب الأصغر، يقول:
"أقربهن موضعًا من القُطُب
كواكبٌ هنّ على صورة دبْ
هنّ إذا أحصيتهنّ سبعهْ
رسمن والقطبُ معًا في بقعهْ"(13)
ويصف الفرقين وهما كوكبان مهمان في سماء العرب، ويصف المسافة الظاهرية بينهما بتقدير "شبران" (وحدة قياس تعادل تقريباً مسافة راحة اليد المفتوحة)، ويقول:
"في جملة الصورة كوكبانِ
مقدارُ ما بينهما شبرانِ
سمتهما الأعراب فرقدينِ
يَرى دويْن أنور الإثنينِ"(14)
ويصف ابن الصوفي كوكبين مهمين في التراث الفلكي العربي، هما فأس الرحى"، ونجم آخر لتحديد القبلة"، ويقول:
"كويكب أخفى من الرَّسم امَّحى
تدعوه أعرابٌ الفلا فأسَ الرَّحَى
نعم ونجمٌ تُعرفُ القبلةُ به
هو من الدبّ فويقَ ذَنبه"(15)
ويصف نجم الجدي ويقول:
يُعرف بالجُديّ عند العربِ
مدارة مقاربٌ للقطبِ"(16)
5. لامية ابن الوردي الأخلاقية
لامية ابن الوردي من أشهر المنظومات التعليمية في علم الأخلاق والحكم، ألفها عمر بن مظفر بن عمر ابن الوردي، وهو فقيه وأديب وشاعر من العصر المملوكي. عاش في القرن الثامن الهجري، تتكون من سبعين بيتاً من الشعر، وتتميز بأسلوبها السهل والمباشر، مما جعلها سهلة الحفظ.
يبدأ ابن الوردي في تقديم محددات القيم والمبادئ الأخلاقية بطريقة فلسفية، ويحث الشباب على الفضيلة وتجنب الرذيلة، ويقول:
"اعتزلْ ذكرَ الأغاني والغزلْ
وقلِ الفصلَ وجانبْ مَنْ هزلْ
ودعِ الذكرى لأيامِ الصِّبا
فلأيامِ الصِّبا نجمٌ أفلْ
إنَّ أحلى عيشةٍ قضيتُها
ذهبتْ لذاتُها والإثمُ حلْ
واتركِ الغادةَ لا تحفلْ بها
تُمْسِ في عزٍّ وتُرْفَعْ وتُجَلْ
واتّقِ اللهَ فتقوى اللهِ ما
جاوزَتْ قلبَ امرئٍ إلاّ وصلْ
ليسَ مَنْ يقطعُ طرقاً بطلاً
إنما مَنْ يتّقِ اللهَ بطلْ"(17)
ويدعو الفتيان إلى تجنب المسكرات التي حرمها الله؛ لأنها تفضي إلى سوء العاقبة، يقول:
"واهجرِ الخمرةَ إنْ كنتَ فتىً
كيفَ يسعى في جنونٍ مَنْ عقلْ
صدِّقِ الشرعَ ولا تركنْ إلى
رجلٍ يرصدُ بالليلِ زحلْ
حارتِ الأفكارُ في قدرةِ مَنْ
قدْ هدانا سبْلنا عزَّ وجلْ
كتبَ الموتَ على الخلقِ فكمْ
فلَّ مِنْ جَمْعٍ وأفنى منْ دُولْ
أينَ نمرودُ وكنعانُ ومَنْ
ملكَ الأمرَ وولّى وعزَلْ"(18)
ويحثّ الوردي الشباب على طلب العلم، ويدعو للنشاط والعمل والجد والاجتهاد، ليصل إلى بيته الشهير الذي جرى جري الأمثال وهو "من سار على الدرب وصل"، يقول:
"اطلبِ العلمَ ولا تكسلْ فما
أبعدَ الخيرَ على أهلِ الكسلْ
واهجرِ النومَ وحصِّلْهُ فَمَنْ
يعرفِ المطلوبَ يحقرْ ما بذلْ
لا تقلْ قدْ ذهبَتْ أربابُهُ
كلُّ مَنْ سارَ على الدربِ وصلْ"(19)
6ـ أرجوزة العروض لابن عبد ربه
في كتابه "العقد الفريد"، قدّم العلّامة أحمد بن عبد ربه الأندلسي أرجوزة شعرية مختصرة، تشرح قواعد العروض والزحافات والعلل، وتحليل القوافي، والأبيات الشعرية، وتُعتبر من أوائل المحاولات الشعرية لتلخيص علم العروض في قالب شعري سهل الحفظ، مما يجعلها أداة تعليمية مفيدة لطلاب العلم والأدب.
يبدأ ابن عبد ربه أرجوزته بالبسملة، مؤكداً أن الله هو بداية كل شيء ونهايته، وأن اسمه هو مفتاح الكلام، ويوضح أن الهدف من الأرجوزة تقديم منهج واضح ومختصر لطلاب العلم، حيث إن الطرق المؤدية إلى فهم الشعر العربي كثرت وتشعبت. يقول:
"بالله نبدأ وبه التمام
وباسمه يفتتح الكلام
يا طالب العلم هو المنهاج
قد كثرت من دونه الفجاج
وكل علم فله فنونُ
وكل فنٍ فله عيونُ
أولها جوامع البيانِ
وأصلها معرفة اللسانِ
فإن في المجاز والتأويلِ
ضلّت أساطير ذوي العقولِ
حتى إذا عرفت تلك الأبنية
واحدها وجمعها والتثنية
طلبت ما شئت من العلومِ
ما بين منثور إلى منظومِ
فداوي بالإعراب والعروضِ
داءك في الإملال والقريضِ
كلاهما طب لداء الشعرِ
واللفظ من لحن به وكسرِ
ما فلسف البطليس جالينوسُ
وصاحب القانون بطليموسُ
ولا الذي يدعونه بهرمس
وصاحب الأركندِ والإقليدسْ
فلسفة الخليل في العروض
وفي صحيح الشعر والمريض
وقد نظرت فيه فاختصرتُ
إلى نظام منه قد أحكمتُ
ملخص مختصر بديع
والبعض قد يكفي عن الجميعِ"(20)
وفي باب الزحاف، وهو تغيير طفيف في تفعيلة البحر الشعري بحذف حرف ساكن أو حرفين دون تغيير الوزن الأصلي. يقول ابن عبد ربه:
"فكلُّ جزءٍ زالَ منه الثاني
من كل ما يبدو على اللسانِ
وكانَ حرفًا شأنه السكونُ
فإنه عند اسمه مخبونُ
وإن وجدتَ الثاني المنقوصَا
محرَّكًا سميته الموقوصَا
وإن يكن محركا فسكنا
فذلك المضمر حقا بيّنا
والرابعُ الساكنُ إذ يزولُ
فذلك المطويّ لا يحولُ
وإن يزل خامسهُ المسكّنُ
فذلك المقبوضُ وهو حَسَنُ
وإن يكن محرَّكا سكنتهُ
فسمه المعصوبَ إن سمّيتهُ
وإن أزلت سابعَ الحروفِ
سميته إذ ذاك بالمكفوف"(21)
ويقول في "باب العلل" وهي تغييرات تُجرى على تفعيلة البحر الشعري، إما بحذف أكثر من حرفين أو بتعديل الحركات، مما قد يُغيّر من طبيعة التفعيلة أو البحر:
"والعللُ التي تجوز أجمعُ
وليس في الحشوِ لهنّ موضعُ
ثلاثة تدعى بالابتداءِ
والفصل والغايةِ في الأجزاءِ
والاعتماد خارجٌ عن شكلها
وفعلهُ مخالفٌ لفعلها
لأنهم قد تركوا التزامهْ
وجاز فيه القبض والسلامهْ
ومثلُ ذاك جائزٌ في الحشوِ
فنحو هذا غير ذاك النحوِ
وكلّ معتلٍ فغير جائزِ
في الحشوِ والقصيدِ والأراجزِ
وإنما أجازهُ الخليل
مجازفًا إذ خانه الدليل
وكلُّ حيٍ من بني حواءِ
فغير معصوم من الخطاءِ
فأوّلُ البيت إذا ما اعتلّا
سميته بالابتداء كلا
وغاية الضرب تسمى غايهْ
وليس في الحشو بلا حكايهْ
وكل ما يدخل في العروضِ
من علةٍ تجوزُ في القريضِ
فهْي تسمى الفصل عند ذاكَا
وقلَّ من يعرفهُ هناكا"(22)
الخصائص الموضوعية للشعر التعليمي
ركز الشعر التعليمي القديم على مجالات محددة، وهي تعليم النحو، والطب، والفقه والحديث، والفلك، والأخلاق، والعروض، وهو بذلك يتقاطع مع مجالات معرفية حيوية، ويمكن تحديد الخصائص الموضوعية فيه بما يلي:
1. الوضوح والمباشرة
يتميز الشعر التعليمي بالوضوح والمباشرة في عرض المعلومات، للوصول إلى هدفه الأساسي وهو التعليم والتثقيف، لذلك يتجنب الشعراء التعقيد والغموض.
2. التركيز على المعلومات والحقائق
يركز الشعر التعليمي على نقل المعلومات والحقائق بدقة وأمانة، ويتجنب ما يتسم به الشعر عادة كالخيال والرمز والعاطفة.
3. سهولة الحفظ
يتخذ الشعراء من الشعر التعليمي وسيلة يسهل بها حفظ وتذكر المعلومات. واستفاد من مقومات الشعر التي تساعد على ذلك كالقوافي التي تثبت في الذاكرة، والإيقاعات الموسيقية الطربية التي لا تنسى.
4. التبسيط والإيجاز
يتميز الشعر التعليمي بقدرته على تبسيط المعلومات المعقدة وجعلها في متناول الجميع، والتبسيط أحد أساليب التعلم الناجحة.
5. تطويع المعلومة
تطويع المعلومة الجافة المجردة في قالب شعري شيق، مهارة إضافية لا يتقنها إلا الشعراء، ولا شك أنها أحد عوامل الجذب في القصيدة، تفرق بين شاعر وآخر، وتضيف روح المنافسة بين الشعراء.
الجوانب الفنية:
يجيّر البعض الشعر التعليمي إلى شعر المناسبات، المرتبط في الذاكرة الجمعية بالتقليدية والصنعة، وغياب التجرِبة الشعرية، وهذه الصورة الذهنية أعاقت لفترة طويلة التذوق الفني لهذا النوع من الشعر.
ومع اعتراضنا على التصنيف، وإيماننا بأن الإبداع هو القول الفصل في أي تجربة، فإن الشعر التعليمي -رغم تراجع الصورة الفنية فيه لصالح المعلومة- يحمل في طياته جماليات لغوية وموسيقية وفنية خاصة، ويمكن حصر هذه الجوانب فيما يلي:
1 - الصور البيانية والتشبيهات
على الرغم من أن الشعر التعليمي يهدف إلى نقل المعلومات بشكل مباشر، إلا أنه لا يخلو من الصور البيانية التي تضيف لمسات جمالية.
2 - الإيقاع الموسيقي
يعتمد الشعر التعليمي بشكل كبير على الإيقاع والقافية لتسهيل الحفظ، وساعد بحر الرجز في ذلك، حيث يتميز بإيقاعه السريع والمنتظم، مما يعزز الموسيقى الخارجية، ويجعل الأبيات سهلة التذكر.
3 - الانزياحات اللغوية
على الرغم من الطابع التعليمي الذي يغلب على هذا النوع من الشعر، والذي يتطلب عادةً لغة واضحة ومباشرة، إلا أن الشعر التعليمي لا يخلو من الانزياحات اللغوية التي تضفي عليه جمالية فنية، وتجعله أكثر جاذبية.
هذه الانزياحات قد تتجلى في استخدام المجازات والاستعارات والتشبيهات، أو في اللعب بالألفاظ والتراكيب اللغوية، مما يساهم في ترسيخ المعلومات في ذهن المتلقي بشكل أفضل. فبدلاً من تقديم الحقائق بصورة جافة، يتم تغليفها بأسلوب شعري مشوق يجعل عملية التعلم أكثر متعة وإثارة.
الخلاصة، الشعر التعليمي، بما يحمله من محتوى معرفي قيم وصور فنية إبداعية، تجربة أدبية فريدة تجمع بين الفائدة والمتعة. إنه ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هو فن قائم بذاته، يتجلى فيه الإبداع اللغوي والبلاغي، وتتداخل فيه الصور البيانية والإيقاعات الموسيقية لتأسر المتلقي وتثقفه في آن واحد.
ولا شك أن إحياء هذا اللون الشعري في عصرنا الحالي، وتطويره بأساليب عصرية مبتكرة، سيكون له أثر إيجابي كبير على التعليم والإبداع معًا، وسيساهم في تعزيز مكانة اللغة العربية وآدابها في نفوس الأجيال الجديدة.
الهوامش: (1) ألفية ابن مالك في النحو والصرف، محمد بن عبدالله بن مالك الأندلسي، دار التعاون، مكة المكرمة 2016، ص: 9. ┃ (2) المصدر السابق، ص: 35. ┃ (3) المصدر السابق، ص: 32. ┃ (4) المصدر السابق، ص: 36. ┃ (5) متن الشاطبية "حرز الأماني ووجه التهاني" في القراءات السبع، القاسم بن فِيْرُّه بن خلف بن أحمد الرُّعَيْني الشَّاطبي الأندلُسي. ضبطه وصححه محمد تميم الزعبي، دار الهدى، المدينة المنورة، 2010. ط 5، ص: 9. ┃ (6) المصدر السابق، ص: 18. ┃ (7) المصدر السابق، ص: 24. ┃ (8) الأرجوزة في الطب، للرئيس الحسين بن عبدالله بن سينا، الدكتور جان جابي، الشيخ عبدالقادر نورالدين، باريس 1956، ص: 16. ┃ (9) المصدر السابق، ص: 16. ┃ (10) المصدر السابق، ص: 14. ┃ (11) طالع كتاب "صور الكواكب"، عبد الرحمن بن عمر الصوفي، تأليف خالد بن عبدالله العجاجي، الرياض، فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية، 2020. ط 1. ┃ (12) المرجع السابق. ┃ (13) المرجع السابق. ┃ (14) المرجع السابق. ┃ (15) المرجع السابق. ┃ (16) المرجع السابق. ┃ (17) العطر الوردي، شرح لامية ابن الوردي في الحكم والأخلاق، د. مصطفى بن كرامة الله مخدوم، دار الظاهرية، الكويت 2019 ط 1، ص: 21. ┃ (18) المصدر السابق، ص: 26. ┃ (19) المصدر السابق، ص: 65. ┃ (20) العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، المكتبة الشاملة، ص: 276. ┃ (21) المصدر السابق، ص: 278. ┃ (22) المصدر السابق، ص: 279.