المصفوفة الكولونيالية في المتخيل السينمائي المغربي

أعمـال نبيـل عيوش أنمـوذجاً

د. محمد فاتي


لا شك أن المطلع على المسار الذاتي والفني للمخرج نبيل عيوش، سيدرك بأن أعماله السينمائية تحمل أبعاداً إيديولوجية واضحة، وتأثراً بارزاً بالمرجعيات القيمية التي شكلت وعي عائلة عيوش. فهو سليل بيئة فرانكفونية، وُلد ونشأ وتلقى تعليمه في فرنسا من أم ذات جذور يهودية وأب مسلم. وقد تلقى تكوينه السينمائي هناك وبدأ مساره الفني في تلك البيئة، ومن الطبيعي أن تتشكل رؤيته الفنية وفق هذه الخلفية، خصوصاً في نوعية المواضيع المختارة والتيمات المعالجة والقضايا المطروحة في أفلامه.

وقد كان الفن السابع منذ ظهوره وسيطاً بصرياً حاملاً لمجموعة من الأفكار والإيديولوجيات والتوجهات التي يبوح بها المخرج السينمائي عن قصد أو بدونه، بشكل جلي أو خفي، بطرق مباشرة أو برسائل ضمنية. ولا شك أن المتتبع للمجال السينمائي يدرك بأن لجان العديد من الجوائز العالمية اليوم أصبحت تنتقي الأفلام المرشحة للاحتفاء والاحتفال بها وفق معايير دقيقة مرتبطة أساساً بالأدلوجة المثالية/ المتفوقة والمتعارضة بالضرورة مع الأدلوجة النقيض/ المهمشة. وبما أن السينما هي انعكاس للواقع بوقائعه السياسية والاقتصادية والثقافية، فلا غرو أن نقول بأن الأدلوجة المهيمنة في السينما المعاصرة هي الأدلوجة الرأسمالية/ الليبرالية بقيمها الغربية المناهضة للثقافات الشرقية/ المتمردة (الأدلوجة النقيض).

فلم تكن السينما في يوم من الأيام بمنأى عن التأثيرات الإيديولوجية بمختلف تجلياتها (السياسية، الدينية، الثقافية، الاقتصادية، الاجتماعية..). بل إن العديد من شركات الإنتاج الكبرى في الغرب (هوليوود خصوصاً) تتبنى توجهات يعرفها الجميع في مناصرة اليهود وقضاياهم مقابل نقل صورة سلبية عن الأقليات المختلفة (السود، المسلمين، الهنود الحمر، الآسيويون، أوربا الشرقية، الفارسيون...). والمواكب لمهرجانات اليوم بمختلف جوائزها السينمائية (الأوسكار، كان، البافتا، الكولدن كلوب، البندقية، برلين…)، سيلاحظ أن هناك توجهاً مقصوداً من طرف لجان المسابقات لتتويج الأعمال التي تمرر إيديولوجيات الرأسمالية المعاصرة التي تتبنى قيم الحداثة الغربية.

فمواضيع أغلب الأفلام المرشحة والمتوجة في السنين الأخيرة، تدور في فلك قضايا معينة مثل (محاباة السامية والإشادة باليهود، الجنسانية، الشذوذ والتحول الجنسي، النسوية والفيمينيست، تمجيد السوبرمان الأمريكي، الحضارة الأمريكية المتفوقة..). في مقابل ذلك توجه هذه الأعمال سهام النقد والتبخيس والتحقير والتهميش للأفلام التي تحمل رؤى مغايرة ومعارضة (الإسلام، قضايا السود، قضايا الهنود الحمر، الأقليات الثورية في آسيا وبلاد فارس وأوربا الشرقية…إلخ).

إن ارتباط أعمال نبيل عيوش بهذا المنحى الفني هو ما يدفعنا لتحليل هذا التأثير الإيديولوجي. فسينما عيوش لها صلة وثيقة بخلفيته الفكرية، وأعماله هي تمثل بصري لأفكار تشربها في بيئة نشأته ومساره التعليمي وعلاقاته الشخصية في فرنسا. ويبدو أن عيوش لا ينظر لقضايا الواقع المغربي من زاوية داخلية مستوعبة لخصوصياته الثقافية والدينية والاجتماعية بالقدر الذي ينظر إليها بعدسة تتأثر بمرجعياته الخارجية. إنه ابن بيئة متأثرة بالثقافة الفرانكفونية والفكر الليبرالي المعاصر، وهذا ما قد يجعله يواجه تحديات في الإحاطة بحيثيات الواقع المغربي الدقيقة، مما يؤدي أحياناً إلى تقديم تمثلات قد يراها البعض غير منسجمة مع القيم والأعراف المحلية. إنها رؤية قد تقترب من أدبيات "الاستشراق المعاصر"، التي تبناها مخرجون نشأوا في الغرب، وحملوا مفاهيم "الآخر" لتحليل عقلية "الأنا"، مما يخلق نوعاً من التباعد بين هذين التوجهين.

فإذا تأملنا أفلام عيوش سنجدها مشحونة بمجموعة من المصفوفات النابعة من الثقافة الغربية - التغريبية، وبالعديد من القيم الليبرالية المتأصلة من الفكر الرأسمالي الحديث. وإذا أخذنا فيلم (يا خيل الله) على سبيل المثال سنجده يكرس تلك النظرة النمطية القائمة على مجموعة من الأفكار السلبية الجاهزة والأحكام المسبقة المشوهة حول الدين الإسلامي وعلاقته بالجماعات الأصولية المتطرفة. لقد وقع نبيل عيوش -على غرار المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو في فيلمه تمبكتو- في فخ هذه التصورات السطحية للإرهاب والتطرف وعلاقتهما بالدين الإسلامي. وهي تصورات قد تبدو قاصرة عن فهم تعقيدات الإرهاب وعلاقته بالدين، وتدعم الأحكام الكولونيالية حول هذا الموضوع، وتغفل البحث في الجذور الأساسية التي تغذي التطرف والتشدد في مختلف الثقافات والأديان والإيديولوجيات وليس في الإسلام فقط.

المصفوفة الكولونيالية الأخرى التي تتسلل خفية وتتسرب سراً في أفلام نبيل عيوش، هي تلك المتعلقة بالجنسانية والمضامين الجنسية التي تهيمن على جل قصصه السينمائيّة. إذْ لا تخلو أعماله من لقطات ومشاهد وحكايا جنسية فاضحة، يتعمد التقاط أفدح تفاصيلها عبر عدسته الماكرة. الماكرة لأن صاحبها يدعي نقل الواقع نقلا صادقاً، وجعل الكاميرا انعكاساً واستنساخاً لتجاربه كما هي دون تجميل أو تنميق، بينما الفن والإبداع لم يكن في يوم من الأيام محاكاة مباشرة ومستنسخة للواقع، بل إنه رؤية جمالية وإبداع تخييلي وابتداع ذهني وابتكار فكري… فأرسطو يقول في كتابه فن الشعر: "إنّ الفن محاكاة للطبيعة، ولكنّه يقدم الأشياء لا كما هي، بل كما يمكن أن تكون". إنه ببساطة يعتبر الفن محاكاة منقحة للواقع، يضيف إليها الفنان ما يجعلها أعمق وأكثر دلالة. أي أنه مجال إبداعي لا ينسخ الواقع نسخاً حرفياً، بل يعيد تشكيله وفق بنية جمالية تخييلية تبرز لمسة المبدع واختياراته الفنية ورؤيته الإبداعية وموقفه الإنساني.

لذا فادعاء نبيل السينمائي بالنقل الأمين للواقع، عبر هذه المشاهد الإباحية هو ادعاء يفتقر للدليل ولا يرتقي بالفن والإبداع، بل ينحدر به إلى مراتب سفلى، خاصة إذا كانت هذه المشاهد مجانية بدون قصد جمالي أو غايات فنية تتطلب حضورها. بل -أحيانا- هي انتقاءات سينمائية مقصودة ومستهدفة لتمرير نمط قيمي مستورد من ثقافة المخرج الفرانكفونية ورؤيته التحررية المتمردة. وهنا نعود لنقول مرة أخرى إن الصورة السينمائية غير متجردة من الإيديولوجية، ولم تكن في يوم من الأيام منفصلة عنها. فالسينما ناقلة للإيديولوجية: فكراً وآراء وتوجهات... سواء بطرق تصريحية مباشرة أو بأساليب مضمرة وضمنية، متسللة في ثنايا خطاب الصورة السينمائية.

فمن خلال المشاهد الحميمية التي نجدها في أكثر أفلامه جدلا (الزين لي فيك، غَزية، في حب تودا..)، أو في أفلام زوجته مريم التوزاني (أشرف عيوش على إنتاجها) التي تتقاطع معه في هذا النزوع المتمرد وفي هذه التيمات الجنسية المثيرة للجدل من خلال أفلام (آدم، القفطان الأزرق، زنقة مالقا…)، في كل هذه الأمثلة نصادف ميلاً واضحاً لالتقاط مشاهد جنسية مبالغ فيها، قد لا تخدم دائماً البناء الفني للحبكة ولا تؤدي أي تأثير جمالي في الفيلم. وهي لقطات ومشاهد تستهدف الإثارة الحسية والإغراء الفاضح والعرض الفج للجسد.

إن نبيل يتعامل مع هذا المعطى (الجنسي) بوصفه آلية صادمة لاستثارة المتلقي وخلق ضجة اجتماعية، أكثر مما هو اختيار إبداعي يخدم البناء الفني. ففي "الزين لي فيك" يتخذ حضور الجسد والإيحاءات طابعاً مباشراً ومكثّفاً، تقدَم فيه المشاهد الحميمية كوسيلة لفضح واقع القهر والاستغلال في عالم "الدعارة" بالمغرب، غير أنّ الإفراط في إبرازها جعل الكثيرين يرون في الفيلم نوعاً من التسليع البصري للجسد الأنثوي بدل تفكيك خلفيات هذه الظاهرة في الواقع والمجتمع. أما في غَزية، فرغم خفوت الجرعة مقارنة بالفيلم السابق؛ فإن بعض اللقطات والإشارات الإغرائية بدت منزوعة من ضرورتها السردية، وكأنها بحث عن صدمة جديدة تُبقي المخرج ضمن دائرة الجدل.

وحتى في فيلمه الأخير (في حب تودا) ينحو عيوش إلى هذا المنحى الاستعراضي للجسد، بلغة بصرية قوامها الإغراء والإثارة والإيحاءات الجنسية التي تقدمها "الشيخة" في التراث الفني المغربي. فبدل أن يلمح عيوش إلى الدور الفني والثقافي لهذه الفئة الاجتماعية في تعزيز الأرشيف الموسيقي والغنائي المغربي، وإلى دورها التاريخي والوطني في النضال والمقاومة ضد الاستعمار الأجنبي، ركزت عدسته –في الكثير من مشاهد الفيلم- على قوام الشيخة الجسدي المترنح بالرقص والغناء والإثارة، والحركات الأنثوية الفاتنة التي تستهدف جذب الزوار والزبائن للحانات والملاهي ونوادي الليالي الحمراء. فكان أن اختزل عيوش دور الشيخة في الرقص والغناء والإغراء الجسدي، مهملًا دورها النضالي في تعزيز الهُوية الوطنية وإغناء الجذور الثقافية للمجتمع المغربي، باعتبارها ذاكرة فنية وأرشيفاً تراثياً واجتماعياً يصدح بظروف تلك الفترة الزمنية المشحونة من تاريخ المغرب.

المصفوفة الكولونيالية الثالثة في أفلام عيوش هي التطبيع مع الشذوذ الجنسي في السينما المغربية، من خلال تضمينه لمجموعة من المشاهد الإيحائية بهذه الظاهرة التي أصبحت موضة جديدة يحتفى بها في كل الأفلام العالمية. لقد راجت المثلية بشكل مبالغ فيه في السينما العالمية، بل أصبحت تتوج كل سنة مجموعة من الأفلام السينمائية بعديد من الجوائز المرموقة (كان، الأوسكار، البافتا، الكولدن كلوب…) على غرار: Blue Is the Warmest Colour / Moonlight / Dallas Buyers Club ...
 

وفي السينما المغربية حاول نبيل عيوش رصد هذا التمرد الجنسي وتشخيص دوافعه، عبر أفلامه وأفلام زوجته التي يشرف على إنتاج أعمالها من خلال شركته "عليان للإنتاج". وهنا نلمح إلى نموذجين بارزين:
◅ فيلم "الزين لي فيك " الذي يدور حول حياة أربع فتيات يمارسن الدعارة في مراكش، فتظهر بينهم شخصية "أسامة" التي تكشف في مشاهد الفيلم عن ميولها المثلية الشاذة.
◅ فيلم "أزرق القفطان" (لمريم التوزاني)، الذي يروي قصة خياط (حليم) يخفي ميوله المثلية داخل زواج تقليدي.

ففي الزين لي فيك تظهر المثلية بشكل عابر وسط عالم الدعارة كعنصر واقعي يضخم "صدمة" الصورة ويُرسّخ خطاباً سوداوياً عن المجتمع المغربي يخدم ذوق المهرجانات الغربية أكثر مما يخدم نقاشاً محلياً حول الهُويات. أما في أزرق القفطان، فتتحول المثلية إلى محور درامي كامل يقدَّم بلغة كولونيالية النزعة، تجعل البيت المغربي فضاء لأزمة هُوية جنسية مصاغة وفق القوالب الغربية الجاهزة عن "الفرد المقموع الذي يبحث عن ذاته"، وهو ما يضع الفيلم داخل سلسلة طويلة من الأعمال التي تقدّم الهويات "غير النمطية" كرمز للحداثة والتحرر، ولكن من زاوية بعيدة عن السياق الاجتماعي المغربي الحقيقي.


في الختام؛

يتضح أن التجربة السينمائية لنبيل عيوش تتجاوز حدود الإبداع الفني إلى إنتاج خطاب بصري مثقل بحمولة إيديولوجية واضحة، تستمد عناصرها من بيئة ثقافية فرانكفونية، تنظر إلى الواقع المغربي من زاوية خارجية لا تتفاعل مع تعقيداته إلا بقدر ما يخدم رؤيتها المسبقة. ومن خلال تتبع تيماته المتكررة -من الجنسانية إلى الشذوذ إلى تعميق الصورة النمطية عن الدين والمجتمع- يظهر أن الصورة عنده ليست مجالًا جمالياً حراً، بقدر ما هي أداة لتمرير قيم وتصورات منسجمة مع خطاب عالمي مهيمن، يجد فيها مادة صالحة للترويج والاحتفاء.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها