في الساحة الواسعة المحاطة بأشجار النخيل السامقة، وتحت قمر شاحب، وفي ليلة لا أحلام فيها جلس شيخ الجزيرة عبد التواب واضعاً يدهُ على خدّه مُحدقاً في الوجوه الشّاحبة، مُلتزماً بصمت ليس جديداً عليه. الأمور العسيرة حينما تلم بالجميع يلتزم الصمت ويسمع، يتابع الوجوه والتعليقات وردود الأفعال المختلفة حتى يقول أحدهم:
◅ ما رأيك يا شيخ؟
حينها فقط يدير وجهه في العيون المترقبة ويبدأ القول، لكنه على غير العادة اليوم لم ينطق بحرف، قام إلى النخيل يدور حول السيقان السامقة مفكراً يبحث عن جواب.
الجزيرة حياتها البحر، ماؤها شريك وخيرها زاد، وهواؤها حياة، هكذا عرف الجميع منذ دهور، فما الذي جرى هذه الأيام؟ صار من يقترب من البحر، يطأ رماله، يلمس ماءه تمتد إليه أيادٍ شفافة الزرقة تموج ذهاباً وإياباً متغلغلة في صدره، تنبش ولا تيأس، وتغوص ولا تكِلّ حتى تصل إلى مبتغاها فتكون الحلم، تتلقفه فيما بينها مرات متوالية حتى تتحول مادته من صلابتها إلى الحالة السائلة ويتماهى معها، وحينها تبتلعه برمية محكمة في جوفها، ترتد بعدها بذات تموجها عائدة وتترك ضحيتها بلا حلم. صارت الجزيرة تنوء بحملها من البشر الذين سلبت أحلامهم وهم ينظرون بأعين الدهشة إلى بحر لم يعد لهم ورمال لم تعد ترحب بهم.
الأمسية تمتلئ بضبابية تغشى الوجوه، والقمر تستر وجهه سحب تجعل ضياءه باهتاً شديد النحول، بينما النسيم مثقل بروائح ضيق تفور في الصدور.
الجالسون بلا أحلام تحدثوا فيما بينهم باحثين ومنقبين عن طريقة تعيد أحلامهم إليهم.
قال أحدهم
◅ ذا كان يريد قرباناً قربناه إليه.
كان الشيخ عبد التواب قريباً يسمع الحوار، هزّ رأسه سلباً ولم يعقب بحرف.
◅ قال آخر: ربما يريد عروساً مثل النيل نُسميها عروس البحر
◅ تدخل ثالث: نقرأ عليه آيات من القرآن لعله يخشع ويهتدي..
كثرت الاقتراحات وتوسعت خارج الساحة الكبيرة متغلغلة في الأزقة والحارات شاملة الشيوخ والشباب، النساء والرجال، وكل من كان يرى في البحر رفيق ناس الجزيرة وصديقهم الصدوق.
السفن القادمة للجزيرة لم تبخل بتقديم المشورة أيضاً، ناس ما وراء المحيط قالوا إن المحيط يوماً اغتال فرحتهم وتركهم مثقلين بالأحزان، وأنهم أقاموا حفلاً كبيراً شمل ناس المحيط جميعاً تغنوا فيه بصداقتهم له وارتباطهم به وأملهم أن يصفو ويعيد إليهم أفراحهم، وقد كان.
ناسٌ ما حول النهر أيضاً أرسلوا تجربتهم متحدثين عن النهر الهادئ الرشيد الذي ترتسم على شفتيه بسمة الود، لكنه يأتي في أوقات محددة من كل عام فيصبح هادراً عنيفاً يضرب القرى والبيوت والناس من شدة غضبه، وكيف أنهم قدموا له قرباناً راجين أن يعفيهم من غضبه الموسمي ويتذكر صداقتهم له، ثم كيف فكروا في إقامة السدود التي لولا أنهم أقاموها ما اهتدى وتعقل وأدرك جيداً جديتهم فيما يفعلون فاعتدل، صحيح أنه حينما يزمجر يضرب رأسه بالسد غاضباً، لكنه في النهاية يعود مخذولا ويضطر للهدوء مرغماً، واقترحوا أخيراً أن يقوم ناس الجزيرة بإقامة سد أمام البحر يحد من عدوانيته، ويمنعه من التهام أحلام الناس.
استمع الشيخ عبد التواب لكل هذه الأقاويل صامتاً دون أن يعقب بشيء، وحينما سألوه أخيراً عن رأيه لم يبال بالرد، قام من مكانه متوجهاً إلى البحر، ركب سفينته وانطلق دون أن يخبر أحداً بوجهته، كان البحر هادئاً حينما ركب عبد التواب الموج، لكنه ما لبث أن هاج وثار، وأقسم ألا يتركه يكمل ما يريد، دفعه بقوة ليطرده إلى البر، لكن عبد التواب أصر على الاستمرار في السير راكباً الموج يشق به قلب الماء بلا خوف، إلى أن وصل إلى النقطة التي يريد والتي عندها واجه سارق الأحلام الذي تغطّى بالغمام متدثراً بالموج، متوارياً خلف طبقات الماء ظناً منه أنه لا أحد سيصل إليه، أو يعرف أنه السارق الحقيقي لأحلام الجزيرة.
اندفع عبد التواب غير هياب إليه، رمحه بيده وقدماه ثابتتان فوق سفينته لا يهتز ولا يرتجف، بل يصرخ بحسم قائلاً: إنه لن يعود حتى ينتهي منه، تصارع الاثنان واشتبكا في قتال دام طوال النهار، فلما جنّ الليل هدأت الحركة ونامت العيون انتظاراً لصباح جديد يعاودان الصراع فيه، لكن سارق الأحلام فكر أن الفرصة متاحة ليتسلل تحت جنح الليل ويفعل فعلته، ويقتل عبد التواب قبل أن يقتله، كان عبد التواب متيقظاً يفكر كيف سيبدأ صباح الغد في صراعه؟ وما الخطة التي عليه أن يسير عليها؟ انتبه وسط الظلمة للغمام يندفع نحو سفينته، يغطي السطح، يغلف الجو، ينسل للأركان، ورأى جسداً ممدوداً نحوه يحمل سيف الظلمة قاصداً قتله، رفع عبد التواب رمحه، وجّههُ نحو الجسد المهاجم فأصابه في مقتل، في ذات الوقت الذي اندفع سيف الظلمة نحو قلبه نافذاً منه إلى الظهر، همد الجسدان في نفس اللحظة، انفتحت فوهة في البحر فابتلعت الاثنين، بعدها عاد الهدوء والسكينة للموج من جديد.
اقترب أهل الجزيرة من البحر باحثين عن عبد التواب، انتبهوا لأحلامهم تعود، وآمالهم تكبر، حملت الرياح إليهم حكاية عبد التواب وما فعله لاسترداد أحلامهم، صنعوا له تمثالاً كبيراً وضعوه أمام مدخل الجزيرة ليذكره القادمون إليها ويعرفون فضله، وهأنا أحكي لكم عنه، فهل عرفتم الآن قصته.