الرمز والإشارة في مسرحية

"يُحيي ويُميت" لنجيب محفوظ

حسن الحضري

تدور مسرحية "يحيي ويميت" للأديب المصري نجيب محفوظ [ت: 2006م] في إطار من الرمز والإشارة، متطرقة إلى الحكمة، التي تتجلى ملامحها في عدة سياقات داخل المسرحية، أما أول عناصر الرمز فيتمثل في عنصر المكان؛ حيث «المسرح منقسم إلى قسمين؛ قسم أمامي وهو حوالي ثلثي المساحة، وهو مُضاء واضح المعالم، في وسطه نخلة مغروسة، وفي جانب منه ساقية صامتة؛ والقسم الخلفي مرتفع الدرجات على هيئة مصطبة، تغشاه الظُّلمة، وتلوح به أشباح راقدة، نيام أو موتى»، ويرمز الكاتب بالقسم الأمامي إلى الحياة، وبالقسم الخلفي إلى الموت؛ وقد أشار في توصيف القسمين بما يدل على رمزية كلٍّ منهما، ثم أضاف رمزًا جديدًا هو "الفتاة" التي يرمز بها إلى الدنيا «على المسرح فتاة جميلة تسير ذهابًا وجيئة بين النخلة والساقية، ثوبها يناسب الجو التجريدي؛ حيث يصعب تحديده على أساس جغرافي»، وقد وصف الملابس بهذا الشكل؛ لأن الدنيا التي يرمز إليها بالفتاة ليست خاصة ببقعة جغرافية دون أخرى، ولذلك راعَى الكاتب الجانب الرمزي، الذي بنى عليه مسرحيته من البداية.

وقد أورد الكاتب إشاراتٍ تؤكد أن الفتاة رمزٌ للدنيا، وذلك في قوله على لسانها «بلاء مركب في دمي» بعد أن سمعت حولها أصوات المعركة والشتائم والتهديدات؛ فهذه الأمور وثيقة العهد بالدنيا فلا تخلو منها يومًا؛ وفي إطار الرمز يقول الكاتب: «يتقهقر شخص مندفعًا بعنف، نتيجةً لدفعةٍ قويةٍ تلقَّاها في الخارج، ثم يسقط تحت النخلة مغمى عليه»، وذلك الشخص المذكور -الذي يسمِّيه الكاتب فيما بعد بالفتى- هو رمزٌ للمقاتل المصري بعد هزيمة 1967م، وهي الضربة التي تلقَّاها فاندفع على إثرها، حيث كتب نجيب محفوظ هذه المسرحية بعد الهزيمة، فشكَّل رمزياته على النحو المذكور، والنخلة رمزٌ للصمود، وقد صوَّر الكاتب شخصية المقاتل المصري بعد الهزيمة انطلاقًا من لجوئه إلى النخلة، فهو باقٍ على صموده وثباته، لذلك لم يستجب للفتاة حين قالت له: «ليتك تقنع بصدري ملاذًا لك من متاعب الدنيا»، ويأتي رد الفتى بكلمات تحمل في طيَّاتها رؤية حماسية من الكاتب؛ إذْ يقول: «ليت ذلك في الإمكان»، فهو يرى في نفسه أنه مفطور على المقاومة والجهاد إلى أن يحقق النصر، لذلك لا يستجيب للفتاة رغم محاولاتها المستمرة من أجل إقناعه بالركون إلى الراحة، وقد أجاد نجيب محفوظ في سرد الحوار بينهما على هذا النحو:
«الفتاة: أنت أناني، زهدتَ فيَّ بعد شِبَع، وشاقتك رائحة الدماء.
الفتى: إني أحبك ولكني أكره أن أتمرغ في التراب.
الفتاة: هذا يعني أنك لا تحبني.
الفتى -يشير إلى المصطبة المسربلة في الظلام حاملة الرُّقود من الأشباح-: ليكن لي قدوة في الغابرين.
الفتاة: لا أحب النظر إلى الموتى.
الفتى: لكنهم أحياء ما دمنا أحياء».

نلاحظ أن الفتى -المقاتل المصري- متمسك بكرامته مثل أجداده الأموات الذين ترفض الفتاة النظر إليهم لأنهم غادروا الدنيا وانتقلوا إلى عالم البرزخ، لكن الفتى يؤكد لها أنهم يشعرون بأولادهم وأحفادهم، ولا بد لهؤلاء الأولاد والأحفاد أن يحققوا النصر حتى يستريح الآباء والأجداد في قبورهم؛ وقد صوَّر الكاتب مشهدًا رمزيًّا في هذا السياق، مصحوبًا بكثير من الإشارات التي تدل على ثبات موقف الفتى، مؤيدًا بدعم الكاتب وتشجيعه كأنما يحثُّه على ذلك حثًّا، يقول: «لا يزال متطلعًا إلى المصطبة وكأنما يخاطب نفسه: إنهم يرددون قولي، ولهذا معنى عميق لا يخفى على لبيب، إنهم يُهدون إليَّ صورة عزيزة غابرة، ها هو القتال يحتدم، الشهداء يسقطون، الجنود يتسلقون جدار الحصن كالنمل، ها قد سقط الحصن، وهذا هتاف النصر يدوي مخترقًا جدار المئين من السنين»، إنه يتخذ من بطولات أجداده مثلًا أعلى، ويستلهم منهم الصبر والثبات، ويشير نجيب محفوظ إلى رمزياته مشجعًا الفتى بقوله «ولهذا معنى عميق لا يخفى على لبيب»، فهو يريد من المقاتل المصري أن يفهم رمزيات هذه المسرحية لأنها موجهة إليه، لذلك يُكثر الكاتب من عبارات القوة والعزم التي يوردها على لسان الفتى، ومن ذلك قوله مجيبًا الفتاة حين طلبت منه أن يَنعَم بالنوم رغم الضوضاء: «بل أقضي على الضوضاء قبل أن أنعم بالنوم»، فهو ثابت على موقفه، ماضٍ في عزمه.

ومن الرمزيات القوية في هذه المسرحية: الطبيب، الذي يدور بينه وبين الفتى حوار طويل، ينتهي بوصفِ الدواء: «إنه دواء واحد لا بديل له؛ وهو أن تسير إذا سرت على يديك، أن تسمع بعينيك، أن ترى بأذنيك، أن تتذكر بعقلك، وأن تعقل بذاكرتك»، وهذا الدواء المذكور ما هو إلا أمارة يتعرف بها الفتى على الطبيب -رمز النفس- حين يلقاه مرة أخرى في صورة الشَّحَّاذ، كما سيأتي لاحقًا إن شاء الله، ثم يأتي رمز جديد من الكاتب؛ وهو العملاق، الذي يرمز به إلى إحدى القُوَى العظمى التي تفرض سيطرتها على العالم، وهي دولة جديدة في ميزان القُوَى، لذلك قال الفتى: «ولكني لا أعرفك، لم أرَك من قبل».

ويدور حوار طويل بين الفتى وبين العملاق، يرِد خلاله كثير من الرمزيات، ومنها قول العملاق مخاطبًا الفتى: «إني جزء لا يتجزأ من المكان، لي فيه رزق وصهر، وتربط أسرتي بأجدادك أواصر مودة قديمة»؛ فإن هذه القوة الوليدة التي أصبحت إحدى القوى العظمى آنذاك؛ تريد أن توهم الناس أنَّ لها جذورًا تاريخية قديمة وعلاقات بالدول والشعوب العريقة، لكن الفتى يدرك كذب تلك المزاعم، لذلك يقول ردًّا على العملاق: «أجدادي؟! إني أشك في ذلك... حتى لو صح ذلك فإني لا أعتبره ملزمًا لقبولي مساعدتك»، ذلك العملاق يزعم أن وظيفته مساعدة الضعيف وإقامة ميزان العدل، وهو في الحقيقة خاضع للدنيا لا يفكر في شيء غيرها، وقد أشار الكاتب إلى ذلك بموقف العملاق من الفتاة: «العملاق يحني لها رأسه: لي عظيم الشرف بلقاء ربَّة الدَّار».

وفي سياق الرمز والإشارة تميل الفتاة إلى جانب العملاق، وتطلب من الفتى أن يسمع منه وأن يقبل قوله، وهي تؤيد العملاق في القيام بمهام وظيفته المزعومة، لذلك يقول لها العملاق: «مرحبًا بصوت الحكمة»، وبهذه الجملة يشير العملاق إلى ضرورة استجابة الفتى لِما يقوله؛ فإن تلك الدولة العظمى الوليدة قد أصبحت ذات نفوذ قويٍّ في الصراع العالمي، فهي ترى أنه بحسب معايير الدنيا يجب أن يخضع لها المغلوب لأنه ضعيف في نظرها، لذلك يستغل العملاق ضعف الفتى ويزعم أنه سيستدرج عدوه إليه، وفي ذلك إشارة من الكاتب إلى سوء نيَّة تلك الدولة العظمى؛ فإنها تريد أن تأتي بحليفتها إلى أرض الفتى حتى تكون الحرب والخسائر على أرضه دون أرضها، وفي الوقت نفسه يَسهل عليها احتلال أرضه، ويشير الكاتب إلى فطنة الفتى لهذا المكر، فيقول على لسانه مشيرًا إلى المصطبة التي بها قبور أجداده ومتحدثًا عن خصمه: «لا يجوز أن يدنِّس مقامي بقدمه؛ إنه مقامي مُذْ كان مقامًا لهؤلاء»، وفي هذا السياق يؤكد الكاتب من خلال الرمز والإشارة أن تلك الدولة العظمى لا أصل لها ولا جذر؛ وذلك من خلال حوار بين العملاق وبين الفتى:
«العملاق: إنَّ باطن الأرض مليء بالعظام، وهيهات أن تعرف أين عظام أجدادك بينها.
الفتى: هذا رأيُ من لا أصل له».

وفي سياق الإشارة يبيِّن الكاتب طمع تلك الدولة العظمى، التي لا تقدِّم مساعدة إلا بمقابل، والعجيب أن العملاق مع تأكيده للفتى ضرورة تقديم ذلك المقابل؛ لا يحب أن يسمِّيه شرطًا؛ ويستطرد الكاتب في إشاراته محذرًا من التنازلات، من خلال ما يسرده من طلبات العملاق:
«العملاق: تقدِّم لي الطعام والشراب والترفيه الضروري.
الفتي: جميل، ولكن يخيَّل إليَّ أن مطالبك لم تنتهِ؟
العملاق: ما أجمل أن تدعو الفتاة الجليلة لمجالستنا!
الفتي: فتاتي؟
العملاق: إن قلبها كبير يتسع للجميع.
الفتى: ولعله يتسع أيضًا لعدوِّنا»؟

وهذه كلها رسائل تحذيرية وتنبيهية وحماسية يرسلها الكاتب في سياق الرمز والإشارة، إلى من يقصدهم بهذا النَّص المسرحي؛ وهم قادة الدولة المصرية، ويحذرهم من مكر عدوهم، وينبِّههم إلى ما يُحاك ضدهم، ويثير حماسهم من أجل الانتقام من العدو، لذلك قال على لسان الفتى، في سياق ردِّه على ما طلبه العملاق: «هل يمكن أن يفعل بي عدوي أكثر من ذلك»؟ فهو يرى أن ما يطلبه العملاق مقابل الدفاع عنه، لا يقل خطرًا عمَّا يمكن أن يفعله العدو؛ ويرسل الكاتب إشارة أخرى تفيد بأن تلك القُوَى العظمى لا تؤتمن؛ لأنها مِن جنس العدو، لذلك قال العملاق متحدثًا عن عدوِّ الفتى: «إنه قريبي من ناحية الأم»، ويستمر الجدل وتتكشَّف حقائق الأمور، ثم يأتي الطبيب مرة أخرى في صورة شحَّاذ؛ فينبِّه الفتى إلى حقيقة العملاق، من خلال كلامه عن نفسه؛ فقد ترك الملجأ ورضي بالتشرد، معللًا: «كان ناظر الملجإِ فظًّا غليظًا ولصًّا لا حياء له»، وفي هذا الوصف تنبيه للفتى بأن يفعل مثله ولا يعتمد على ذلك العملاق.

ويختم الكاتب مسرحيته بإقدام الفتى على مصارعة العملاق، حتى استيقظ الرقود ومضوا خلفه لملاقاة عدوهم واستطاعوا أن يحرزوا النصر؛ ويقصد الكاتب بهذه النهاية لمسرحيته؛ أن يوجه رسالته بضرورة المواجهة والاعتماد على النفس في ملاقاة العدو، وقد رمز بقيام الرقود، إلى استيقاظ الهمم.

 

المرجع: المسرحيات، نجيب محفوظ، طبعة: دار الشروق، القاهرة- مصر، الطبعة الثانية، 2008م.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها